منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

درنة بعد إعصار دانيال.. مدينة تحاول النهوض بين الإعمار وحق الضحايا في العدالة

20 يوليو 2026
مدينة درنة تحاول النهوض من كارثة الإعصار
مدينة درنة تحاول النهوض من كارثة الإعصار

بعد أكثر من عامين على كارثة إعصار دانيال، تبدو مدينة درنة الليبية أمام مشهد مزدوج، مشاريع إعمار متسارعة تشمل الجسور والطرق والمساكن والمنشآت الصحية، وذاكرة إنسانية مثقلة بآلاف الضحايا والنازحين وأسئلة المساءلة عن انهيار السدين الذي حوّل الكارثة الطبيعية إلى مأساة كبرى.

تأثرت مدينة درنة الليبية بشدة بفعل إعصار دانيال الذي ضرب شرق ليبيا في سبتمبر 2023، وتسبب في انهيار سدي وادي درنة، لتندفع المياه عبر قلب المدينة وتدمر أحياء كاملة وتقطع طرقاً وجسوراً وتلحق أضراراً واسعة بالمساكن والمرافق الصحية والخدمية.

وتحاول المدينة، التي كان عدد سكانها يقدّر بنحو 120 ألف نسمة قبل الكارثة، استعادة جزء من حياتها اليومية عبر عملية إعمار تشمل تشييد جسور جديدة، وبناء وحدات سكنية، وتأهيل طرق ومرافق عامة ومنشآت صحية، في وقت لا تزال فيه آثار الفيضانات حاضرة في ذاكرة السكان وفي بنية المدينة نفسها.

كارثة في قلب المدينة

ضرب إعصار دانيال الساحل الشرقي الليبي في 10 و11 سبتمبر 2023، مصحوبا بأمطار غزيرة وسيول جارفة، لكن حجم الكارثة في درنة تضاعف بعد انهيار سدين أعلى المدينة، ما أدى إلى تدفق كميات هائلة من المياه عبر وادي درنة نحو البحر، وجرف أحياء ومبان وجسور وسكان بأكملهم.

وقالت منظمة الصحة العالمية إن صور الأقمار الصناعية أظهرت تضرر أكثر من 2200 مبنى في درنة، وقدّرت أن نحو 40 إلى 45 ألف شخص في المدينة نزحوا بسبب الكارثة، مع تضرر خدمات الرعاية الصحية نتيجة الأضرار الهيكلية ونقص العاملين والمعدات والأدوية.

وقدّر مركز رصد النزوح الداخلي أن العاصفة تسببت في نحو 52 ألف حالة نزوح داخلي، مشيراً إلى أن سنوات النزاع وضعف البنية التحتية ضاعفت أثر الفيضانات على درنة والمناطق المتضررة.

خسائر تتجاوز المدينة

لم تكن الكارثة محلية فقط، فقد خلص تقييم مشترك أعده البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أن الفيضانات أثرت في نحو 1.5 مليون شخص، أي نحو 22% من سكان ليبيا، وأن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار قُدرت بنحو 1.8 مليار دولار.

ويوضح هذا التقييم أن إعادة إعمار درنة ليست مجرد إعادة بناء مبانٍ وجسور، بل عملية واسعة تشمل السكن، والصحة، والتعليم، والمياه، والصرف الصحي، والطرق، وسبل العيش، وإدارة مخاطر الكوارث.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الهدف من تقييم الأضرار والاحتياجات كان تقدير أثر العاصفة على الأصول المادية والخدمات في المناطق الأكثر تضرراً، وتحديد أولويات التعافي وإعادة البناء.

إعمار ومشاريع ملموسة

على الأرض، تحاول درنة استعادة شكلها الحضري تدريجياً، فقد أنشأت السلطات في شرق ليبيا صندوق إعادة إعمار درنة والمدن والمناطق المتضررة، عقب الكارثة، ليكون الجهة المكلفة بقيادة مشاريع البناء والتأهيل في المناطق التي ضربها إعصار دانيال.

ويذكر الموقع الرسمي لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا أن الصندوق أنشئ بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء في الحكومة المكلفة من مجلس النواب رقم 288 لسنة 2023، بهدف إعادة بناء وتنمية المناطق المتضررة.

وشملت المشاريع المعلنة بناء جسور وطرق ومساكن ومرافق عامة. وأعلنت شركة المقاولون العرب توقيع عقود لتنفيذ جسور في درنة وسوسة ضمن مشاريع إعادة الإعمار، مشيرة إلى أن هذه الأعمال تأتي في إطار تطوير البنية التحتية الحيوية في المناطق المتضررة.

ويبرز مشروع جسر وادي مرقس في درنة باعتباره واحدا من المشاريع الحيوية التي تستهدف تحسين الربط بين المدن ودعم جهود التنمية وإعادة الإعمار في المناطق المتضررة.

عودة تدريجية للحياة

ضمن مسار الإعمار السكني، أُعلن في أبريل ومايو 2026 افتتاح مشروع “حي السلام” في درنة، الذي يضم 2000 وحدة سكنية حديثة.

وذكرت تقارير ليبية أن المشروع افتتح في 30 أبريل 2026، ضمن جهود إعادة إسكان المتضررين من كارثة دانيال وإعادة الحياة إلى المدينة.

وتحمل هذه المشروعات أهمية إنسانية كبيرة، لأن السكن لا يمثل فقط سقفاً فوق الرأس، بل شرط أساسي لاستعادة الاستقرار الأسري، وعودة الأطفال إلى التعليم، وتحسن الصحة النفسية، وإمكانية عودة السكان إلى العمل.

لكن إعادة السكن لا تكفي وحدها ما لم تقترن بخدمات صحية وتعليمية ومياه وصرف صحي وفرص عمل، خصوصاً أن الكارثة دمرت أجزاءً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة.

الصحة والخدمات الأساسية

تضرر القطاع الصحي في شرق ليبيا بشدة بعد إعصار دانيال، وتقول منظمة الصحة العالمية إن العاصفة كان لها أثر كارثي على المنشآت الصحية وتقديم الخدمات على طول الساحل الشرقي الليبي، خصوصاً في درنة والبيضاء وشحات والساحل وجردس العبيد.

وتشير تقارير إنسانية إلى أن الأضرار لم تقتصر على الأبنية الصحية، بل شملت نقص العاملين، ونقص الأدوية، وتعطل الخدمات، واحتياج السكان إلى دعم نفسي واجتماعي، خاصة الأسر التي فقدت أقاربها أو منازلها أو مصادر رزقها.

ومن هذا المنظور، فإن أي عملية إعمار حقيقية يجب أن تعيد بناء الإنسان قبل الحجر، وأن تضع الصحة النفسية والدعم الاجتماعي وخدمات الحماية ضمن أولويات التعافي.

الإعمار لا يلغي المساءلة

رغم أهمية الإعمار، تظل كارثة درنة مرتبطة بسؤال حقوقي أساسي: هل كانت الخسائر بهذا الحجم نتيجة طبيعية لعاصفة قوية فقط، أم أن الإهمال وضعف الصيانة والانقسام السياسي لعبوا دوراً في تضخيم المأساة؟

بعد الكارثة، أمر النائب العام الليبي بحبس عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين على ذمة التحقيق في انهيار السدين، وسط اتهامات بالإهمال وسوء الإدارة.

ونقلت الغارديان أن التحقيقات شملت مسؤولين في إدارات السدود والموارد المائية، وأن تقارير ديوان المحاسبة أشارت إلى أموال خُصصت سابقاً لصيانة السدود دون تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

وتؤكد بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في الذكرى الأولى للكارثة، أهمية التعافي الشامل والشفاف، وضرورة أن تراعي جهود الإعمار احتياجات المتضررين وتحترم حقوق الضحايا والمجتمعات المحلية.

مخاوف من الشفافية والحوكمة

تثير إعادة الإعمار في درنة أيضا أسئلة حول الشفافية والرقابة، خاصة في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا، فحجم الأموال والمشروعات يجعل الملف عرضة لمخاطر الفساد أو التوظيف السياسي إذا لم توجد آليات رقابة مستقلة ومشاركة مجتمعية واضحة.

وقد تناولت تقارير دولية مخاوف من تحول إعادة إعمار درنة إلى ساحة نفوذ سياسي واقتصادي في ظل سيطرة السلطات الشرقية على ملف المشروعات، مع مطالب بقدر أكبر من الشفافية في العقود والإنفاق وأولويات البناء.

وهنا يصبح الإعمار الحقوقي أوسع من مجرد سرعة الإنجاز؛ إذ يجب أن يشمل نشر المعلومات، ومشاركة السكان، وتعويض المتضررين، وضمان عدم تهميش الأسر التي فقدت منازلها أو وثائقها أو مصادر دخلها.

درنة بين الذاكرة والمستقبل

تبدو درنة اليوم كمدينة تحاول السير على خطين متوازيين: خط استعادة الحياة عبر الجسور والمساكن والطرق، وخط حفظ الذاكرة والعدالة لمن فقدوا أبناءهم وبيوتهم في لحظات قليلة.

فالجسور الجديدة قد تعيد ربط أحياء المدينة، لكن العدالة وحدها تعيد الثقة. والمساكن الحديثة قد تمنح الأسر بداية جديدة، لكن التعافي الكامل يحتاج إلى اعتراف بالخسارة، وتعويض عادل، وضمانات تمنع تكرار الكارثة.

وتمثل إعادة إعمار درنة خطوة ضرورية لإنقاذ مدينة جرفتها الفيضانات، لكنها يجب ألا تتحول إلى غطاء لنسيان أسباب الكارثة أو تهميش حقوق الضحايا.

فالمدينة تحتاج إلى جسور ومساكن ومستشفيات، لكنها تحتاج أيضاً إلى شفافية ومساءلة وتخطيط عمراني آمن يراعي مخاطر المناخ والسيول، ونجاح الإعمار لن يُقاس فقط بعدد المباني التي شُيدت، بل بقدرة السكان على العودة إلى حياة آمنة وكريمة، وبقدرة الدولة على ضمان ألا تتكرر مأساة دانيال مرة أخرى.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان