يحمل الذكاء الاصطناعي وعوداً كبيرة في تحسين الخدمات، وتوسيع الوصول إلى المعلومات، ودعم التعليم والصحة والعمل، لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى أداة خطرة لإعادة إنتاج التمييز ضد النساء والفتيات إذا غابت الضمانات الحقوقية، فالتكنولوجيا لا تعمل في فراغ، بل تُبنى على بيانات ومجتمعات ومؤسسات تحمل تحيزات قائمة.
الخطر الأساسي يكمن في أن الخوارزميات قد تبدو محايدة بينما هي تعكس صوراً نمطية وتمييزاً تاريخياً، فإذا كانت البيانات المستخدمة في تدريب الأنظمة متحيزة، فإن النتائج ستكون متحيزة أيضاً، وقد يظهر ذلك في التوظيف، والخدمات المالية، والرعاية الصحية، والمراقبة، والتعليم، وحتى في إدارة المحتوى الرقمي.
بالنسبة للنساء والفتيات، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى مضاعفة الضرر بطرق مختلفة: إنتاج محتوى مزيف مسيء، مراقبة رقمية، قرارات آلية تميز ضد النساء، إقصاء من فرص العمل في قطاع التكنولوجيا، أو تعزيز صور نمطية حول أدوار النساء في المجتمع، ولهذا فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يكون تقنياً فقط، بل حقوقياً أيضاً.
حوكمة الذكاء الاصطناعي
حوكمة الذكاء الاصطناعي من منظور حقوق الإنسان تعني أن تسأل الدول والشركات أسئلة واضحة قبل تطوير أي نظام: من قد يتضرر؟ هل هناك أثر مختلف على النساء والفتيات؟ هل توجد آلية اعتراض؟ هل يمكن تفسير القرار الآلي؟ هل البيانات محمية؟ هل شاركت الفئات المتأثرة في التصميم؟ هل توجد مساءلة إذا وقع الضرر؟
لا يجوز ترك تنظيم الذكاء الاصطناعي للقطاع الخاص وحده، فالشركات قد تكون محركاً للابتكار، لكنها ليست بديلاً عن الدولة في حماية الحقوق، على الدول أن تضع أطر تنظيمية تضمن الشفافية، والمساءلة، وحماية الخصوصية، وعدم التمييز، والسلامة في التصميم، وإتاحة الانتصاف للمتضررين.
ويجب تمكين النساء والفتيات من المشاركة في قطاع التكنولوجيا، ليس فقط كمستخدمات، بل كمصممات ومهندسات وباحثات وصانعات قرار، إن غياب النساء عن قيادة الذكاء الاصطناعي يعني أن نصف المجتمع لا يشارك في تشكيل التكنولوجيا التي ستؤثر على مستقبله.
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساواة إذا وُضع في خدمة الحقوق، ويمكن أن يكون أداة قمع وتمييز إذا تُرك بلا رقابة، الخيار ليس تقنياً فقط؛ إنه سياسي وحقوقي وأخلاقي، والمطلوب اليوم ليس إيقاف التطور، بل ضمان ألّا يتقدم على حساب كرامة النساء والفتيات وحقوقهن.
