احتلت المساعدة التقنية وبناء القدرات موقعًا رئيسيًا في مناقشات مجلس حقوق الإنسان، باعتبارهما من الأدوات الأساسية التي تساعد الدول على الوفاء بالتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، وتعزيز مؤسساتها الوطنية، وتحويل التعهدات الدولية إلى إجراءات وسياسات ملموسة على أرض الواقع، وسط تأكيدات واسعة على ضرورة أن يقوم هذا التعاون على الحوار واحترام سيادة الدول واحتياجاتها وأولوياتها الوطنية.
جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع التاسع والثلاثين، في إطار المناقشة العامة بشأن البند العاشر من جدول الأعمال، حيث عرضت الدول مواقفها من آليات المساعدة التقنية وبناء القدرات، ودورها في دعم الدول التي تواجه تحديات مؤسسية أو مالية أو فنية تحول دون الوفاء الكامل بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان.
وشهدت المناقشات توافقًا واسعًا على أهمية استمرار التعاون بين الدول ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وآليات المجلس، مع اختلاف في التأكيدات المرتبطة بكيفية تقديم هذا الدعم، وحدود التدخل، وضرورة الحصول على موافقة الدولة المعنية، إلى جانب الدعوات إلى توفير موارد مالية مستقرة وقابلة للتنبؤ لبرامج المساعدة التقنية والصناديق الطوعية.
صندوق المساعدة.. توسيع المشاركة أمام الدول الأقل نموًا
وفي مستهل المناقشات، سلّطت موريشيوس، نيابة عن مجموعة عابرة للأقاليم من الدول الداعمة لصندوق المساعدة التقنية الطوعية لمشاركة أقل البلدان نموًا في أعمال مجلس حقوق الإنسان، الضوء على الدور الذي يؤديه الصندوق في تمكين الدول محدودة الموارد من المشاركة بصورة فاعلة في أعمال المجلس.
وأشارت إلى أن الصندوق سيحتفل خلال الدورة المقبلة بالذكرى الخامسة عشرة لاعتماد القرار 19/26 الذي أنشأه، موضحة أن 326 مندوبًا من 73 دولة استفادوا من خدماته، بما أسهم في بناء قدرات عدد من الدول وتوسيع مشاركتها في المحافل الدولية.
واعتبرت موريشيوس أن المشاركة الهادفة والشاملة في المؤسسات الدولية تصب في مصلحة الجميع، لأنها تتيح الحوار، وتعزز التقدم، وتساعد في البحث عن حلول للتحديات المشتركة، مشيرة إلى أن الصندوق أسهم في تحقيق مشاركة عالمية في أعمال المجلس، وأثبت أن الدول الأقل نموًا يمكن أن تكون أطرافًا فاعلة في مسار التعاون متعدد الأطراف.
كما أعربت عن الامتنان للدول المانحة التي أسهمت في تمويل الصندوق، بما مكّن المستفيدين من الحضور إلى جنيف والمشاركة في حلقات العمل الإقليمية، داعية الدول إلى المشاركة في فعالية التعهد السنوية المقرر عقدها في نوفمبر، وتعزيز التزاماتها المالية تجاه الصندوق.
الاتحاد الأوروبي: المساعدة التقنية أداة لتعزيز الالتزامات
من جانبه، أكد الاتحاد الأوروبي أن المساعدة التقنية وبناء القدرات يمثلان عنصرين أساسيين في تنفيذ التزامات حقوق الإنسان، مشيرًا إلى دعمه، إلى جانب الدول الأعضاء، عددًا من مشروعات المساعدة التقنية وبناء القدرات في مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك البرامج التي تنفذها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، رحّب الاتحاد الأوروبي بتعاون جورجيا مع المفوضية في إطار انخراطها مع آليات حقوق الإنسان، مجددًا دعمه لسلامة أراضي جورجيا داخل حدودها المعترف بها دوليًا، ومؤكدًا أهمية أن تشمل ولاية المفوض السامي البلاد بأكملها.
وأعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه لاستمرار عدم تمكن المفوضية وآليات الأمم المتحدة من الوصول إلى المناطق الانفصالية المحتلة، كما دعا في ليبيا إلى توسيع نطاق التعاون مع المفوضية، معربًا عن قلق بالغ إزاء الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون.
ودعا السلطات الليبية إلى تحسين الظروف الإنسانية في مراكز الاحتجاز وضمان المساءلة، كما أشار إلى تنفيذ ما لا يقل عن 30 عملية إعدام في شرق ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة، مطالبًا بالتعليق الفوري لأي عمليات إعدام أخرى.
وفي الشأن اليمني، أعرب الاتحاد الأوروبي عن صدمته إزاء استمرار الاحتجاز التعسفي لموظفي الأمم المتحدة، بمن فيهم موظفون في مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، إلى جانب موظفي المنظمات غير الحكومية، داعيًا إلى الإفراج الفوري عنهم، ومؤيدًا تعزيز قدرات اللجنة الوطنية للتحقيق.
وطالب الاتحاد بأن يناقش المجلس تدهور الوضع في اليمن استنادًا إلى تقرير مستقل صادر عن مكتب المفوض السامي.

منظمة التعاون الإسلامي: المساعدة يجب أن تراعي أولويات الدول
أما باكستان، متحدثة باسم منظمة التعاون الإسلامي، فجددت دعم المنظمة لولاية المساعدة التقنية وبناء القدرات، باعتبارها وسيلة مهمة لتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وأكدت أن المساعدة التقنية توفر أساسًا للحوار والانخراط البناء بين الدول والمفوضية وآليات المجلس، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة أن تقدم هذه المساعدة بناء على طلب الدولة المعنية وموافقتها، ووفق المبادئ الواردة في قرار مجلس حقوق الإنسان 60/25.
وأبدت المنظمة قلقها من تقديم المساعدة التقنية أحيانًا بطريقة قد تخلق ما وصفته بتراتب مصطنع بين حقوق الإنسان، مؤكدة ضرورة أن تساعد البرامج الدول على حماية حقوق مواطنيها، بما في ذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحق في التنمية.
وربطت المنظمة بين تحديات حقوق الإنسان والظروف الاقتصادية والتنموية والسياسية التي تواجهها الدول النامية، مشيرة إلى تأثير الكوارث الطبيعية وأوضاع الاحتلال والتوترات الجيوسياسية على المكاسب التنموية وقدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها.
عدم الانحياز: التعاون الدولي دون ضغوط
وفي السياق ذاته، أكدت فنزويلا، نيابة عن مجموعة أصدقاء الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة، أهمية دور الأمم المتحدة باعتبارها منتدى مركزيًا للتعاون الدولي في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وشددت المجموعة على أن تعزيز حقوق الإنسان ينبغي أن يقوم على التعاون البناء والتضامن وعدم الانتقائية، مع احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وسيادة الدول والحصول على موافقتها.
وأكدت أن التعاون الدولي في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك المساعدة التقنية وبناء القدرات، ينبغي أن يقوم على المساعدة المتبادلة، وأن يتم بناء على موافقة الدولة المعنية ومن دون ممارسة ضغوط عليها لقبول أشكال التعاون المقدمة.
وباسم حركة عدم الانحياز، دعت أوغندا إلى تعزيز التعاون التقني باعتباره وسيلة للدول لتبادل الخبرات والتحديات والمعلومات، والحصول على الدعم أثناء تنفيذ التزاماتها وتعهداتها في مجال حقوق الإنسان.
وأكدت الحركة أهمية الخدمات الاستشارية والمساعدة التقنية والمالية، وربطت بناء القدرات بتعزيز حقوق الإنسان وتنفيذ أهداف التنمية المستدامة، مشددة على أن جميع الحقوق، بما فيها الحق في التنمية، عالمية وغير قابلة للتصرف ومترابطة وغير قابلة للتجزئة.
آسيا: الملكية الوطنية والتوزيع العادل للموارد
من جانبها، أكدت الفلبين، نيابة عن رابطة دول جنوب شرق آسيا، أن المساعدة التقنية وبناء القدرات من أهم الأدوات التي تساعد الدول على الوفاء بالتزاماتها الحقوقية.
وشددت الرابطة على ضرورة تصميم المساعدة بما يتناسب مع السياق الوطني لكل دولة واحتياجاتها وأولوياتها، وبالتشاور معها وموافقتها، بما يضمن الملكية الوطنية وتحقيق تحسينات مؤثرة ومستدامة.
كما دعت إلى توزيع جغرافي عادل للمساعدة التقنية والموارد، بحيث تحصل مختلف المناطق على فرص متساوية للوصول إلى الخبرات والدعم المتاحين من المفوضية ومنظومة الأمم المتحدة.
وأكدت الرابطة أهمية التعاون والحوار وتبادل الخبرات، مشيرة إلى تعاون اللجنة الحكومية الدولية لحقوق الإنسان التابعة للآسيان مع المفوضية، والعمل على ترجمة الالتزامات الدولية إلى إجراءات عملية.
اليمن في صدارة المخاوف الخليجية والدولية
وحظي الوضع في اليمن باهتمام خاص خلال المناقشة، حيث رحّبت البحرين، نيابة عن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بتقرير المساعدة التقنية لليمن، كما رحّبت بالتقرير الرابع عشر للجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في اليمن والإصلاحات التشريعية في البلاد.
وأعربت دول المجلس عن أملها في تقديم مزيد من المساعدة التقنية للجنة الوطنية للتحقيق حتى تتمكن من تحقيق نتائج إضافية، بينما أدانت الهجمات التي تنسبها إلى الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية والمدنيين والأعيان المدنية، بما في ذلك استهداف مكة بطائرة مسيرة، وكذلك الهجمات على السفن والمركبات التجارية في البحر الأحمر.
وأكدت دول المجلس أن استهداف المدنيين وحركة الملاحة يمثل انتهاكًا للالتزامات الدولية، داعية إلى المساءلة عن هذه الهجمات.

مصر: الحفاظ على طبيعة البند العاشر
وفي مداخلة مصرية، نيابة عن مجموعة من الدول المتشابهة التفكير، جرى التأكيد على أهمية البند العاشر في دعم الجهود الوطنية لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها، وتقوية المؤسسات والقدرات الوطنية.
وشددت المجموعة على أن المساعدة التقنية ينبغي أن تقدم بناء على طلب الدولة المعنية وبموافقتها، وبما يتوافق مع أولوياتها الوطنية واحتياجاتها المحددة، وأن تعزز الملكية الوطنية من خلال الحوار والتشاور والتعاون البناء.
كما أكدت ضرورة الحفاظ على طبيعة البند العاشر باعتباره إطارًا تقنيًا وتعاونيًا مميزًا، وتجنب تسييسه، بما يضمن تركيز المناقشات والمبادرات على أولويات المساعدة التقنية وبناء القدرات، خصوصًا في ظل القيود المالية الراهنة.
ودعت المجموعة إلى تعزيز الدعم المقدم للمساعدة التقنية بصورة يمكن التنبؤ بها، وتوفير موارد كافية للصندوق الطوعي، بما يضمن استمراره في الاستجابة لاحتياجات الدول، ولا سيما البلدان النامية.
إفريقيا والدول الجزرية: تمويل مستدام ودعم للقدرات
وأكدت كينيا، نيابة عن المجموعة الإفريقية، أن المساعدة التقنية وبناء القدرات عنصران أساسيان لتنفيذ التزامات حقوق الإنسان، خاصة في الدول التي تواجه تحديات مرتبطة بالتنمية والحوكمة والقدرة المؤسسية.
وأشادت المجموعة بدعم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، ومبادرات التعاون الإقليمي والشراكات مع الجهات المحلية، داعية إلى استمرار هذا التعاون وتوسيعه من خلال التعاون بين بلدان الجنوب.
وشددت على ضرورة توفير موارد يمكن التنبؤ بها ومنصفة ومستدامة للمساعدة التقنية، مع ضمان مشاركة الدول الأفريقية، بما فيها أقل البلدان نموًا والدول الجزرية الصغيرة النامية، بصورة كاملة وفعالة في أعمال المجلس.
كما سلّطت جزر البهاما، نيابة عن مجموعة غير رسمية من الدول الجزرية الصغيرة النامية، الضوء على الاحتياجات الخاصة لهذه الدول، ولا سيما في مواجهة آثار تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر والظواهر الجوية المتطرفة.
وأشارت إلى أن المساعدة التقنية وبناء القدرات يمكن أن تساعد الدول على التعامل مع التكنولوجيات سريعة التطور، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والاستفادة منها بطريقة تدعم التنمية المستدامة وتحترم حقوق الإنسان.

سويسرا: استقلالية أكبر للجنة التحقيق في اليمن
وفي ما يتعلق باليمن، دعت سويسرا إلى الإفراج الفوري عن العاملين في المجال الإنساني المحتجزين وطالبت جميع الأطراف باحترام القانون الدولي الإنساني ووقف الهجمات على المدنيين والاستيلاء على المعدات الإنسانية.
ورحّبت بالدعم الذي تقدمه مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى اللجنة الوطنية للتحقيق، لكنها أشارت إلى القيود التي تواجهها، معتبرة أن استكمال المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني يتطلب تعزيز استقلالية اللجنة وشفافيتها وفعاليتها.
كما دعت إلى أخذ توصيات تقرير المتابعة في الاعتبار عند تجديد المساعدة التقنية، ولا سيما ما يتعلق بحماية الضحايا والعدالة الانتقالية والوصول إلى أماكن الاحتجاز.
توافق على أهمية التعاون واختلاف حول آلياته
وأظهرت المناقشات أن غالبية الدول تتفق على أن المساعدة التقنية وبناء القدرات يمثلان أدوات ضرورية لتعزيز حقوق الإنسان، لكن الخلاف يتركز بصورة أكبر حول طريقة تقديم هذه المساعدة وضمان عدم تحولها إلى أداة للضغط السياسي.
فبينما ركزت دول ومجموعات، بينها الاتحاد الأوروبي وسويسرا، على الحاجة إلى تعزيز المساءلة والوصول إلى المعلومات والقدرة على رصد الانتهاكات، شددت دول أخرى، من بينها مجموعة أصدقاء الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وحركة عدم الانحياز والمجموعة العربية، على ضرورة احترام سيادة الدول والحصول على موافقتها وتجنب التسييس والانتقائية.
وفي المقابل، برزت قضية التمويل بوصفها تحديًا مشتركًا، إذ دعت عدة دول إلى موارد مستقرة ويمكن التنبؤ بها للصناديق والبرامج التي تدعم مشاركة الدول الأقل نموًا والدول الجزرية الصغيرة، بما يضمن ألّا تتحول القيود المالية إلى عائق أمام المشاركة أو تنفيذ الالتزامات الحقوقية.
وفي المحصلة، عكست مناقشات البند العاشر في مجلس حقوق الإنسان أهمية الانتقال من الالتزامات الدولية إلى التنفيذ العملي، عبر دعم المؤسسات الوطنية وتبادل الخبرات وتوفير التدريب والموارد، مع الحفاظ على مبدأ الملكية الوطنية واحترام سيادة الدول.
كما أظهرت المناقشات أن الأزمات في اليمن وليبيا وغيرهما من الدول تجعل المساعدة التقنية أكثر ارتباطًا بالحاجة إلى حماية المدنيين، وتعزيز المؤسسات، وتحقيق المساءلة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، بما يجعل نجاح هذا المسار مرتبطًا بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة على أرض الواقع.
