منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أحد مكونات السكان الأصليين

مجتمع الأتيكاميك في كندا.. حقوق معلنة وواقع من التهميش المستمر

04 مايو 2026
أفراد من مجتمع الأتيكاميك أحد مكونات السكان الأصليين في كندا
أفراد من مجتمع الأتيكاميك أحد مكونات السكان الأصليين في كندا

كشفت تقارير حقوقية عن استمرار الفجوة بين التزامات كندا الدولية في مجال حقوق الإنسان والواقع المعيشي لمجتمعات السكان الأصليين، وفي مقدمتها مجتمع الأتيكاميك في مقاطعة كيبيك، وتؤكد تقارير منظمة العفو الدولية أن أزمة السكن في منطقة مانوان تمثل نموذجا صارخا لما تصفه بالتمييز الممنهج، حيث تتقاطع العوامل التاريخية والقانونية مع السياسات العامة لتنتج واقعا إنسانياً معقدا يطول آلاف السكان.

من هم الأتيكاميك؟

الأتيكاميك هم أحد شعوب الأمم الأولى في كندا، ويبلغ عددهم نحو ثمانية آلاف نسمة وفق بيانات هيئة الإحصاء الكندية وتحديثات حكومة كندا حتى عام 2025، وينتشر أفراد هذا المجتمع في ثلاث مناطق رئيسية في مقاطعة كيبيك، من بينها مانوان وأوبيجيك وويماكاشي، ويتميز الأتيكاميك بالحفاظ على لغتهم وثقافتهم التقليدية بنسبة مرتفعة، حيث تشير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو إلى أن لغتهم لا تزال مستخدمة على نطاق واسع داخل المجتمع، ما يعكس قوة الهوية الثقافية رغم الضغوط الاجتماعية.

تشير البيانات الديموغرافية الحديثة إلى أن كندا تُعد من أكثر الدول تنوعاً من حيث التكوين العرقي، حيث يقدَّر عدد سكانها بنحو 40.4 مليون نسمة في عام 2026 وفق بيانات الأمم المتحدة عبر موقع وورلدوميتر، ووفق هيئة الإحصاء الكندية، فإن ما يقارب 26.5 بالمئة من السكان ينتمون إلى ما يُعرف بـ”الأقليات الظاهرة”، وهي فئات سكانية غير أوروبية تشمل بشكل رئيسي الآسيويين والسود والعرب وغيرهم، كما يشكّل السكان الأصليون، بمن فيهم شعوب الأمم الأولى والإنويت والميتي، نحو 5 إلى 6 بالمئة من إجمالي السكان، أي ما يزيد على 1.8 مليون شخص.

وفي المقابل، تبلغ نسبة المهاجرين أو المقيمين الدائمين من أصول غير كندية نحو 23 بالمئة من إجمالي السكان، وهي من أعلى النسب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتعكس هذه الأرقام، بحسب هيئة الإحصاء الكندية، تحوّلا متسارعا في التركيبة السكانية، حيث شهدت الأقليات زيادة كبيرة خلال العقدين الماضيين، مدفوعة بسياسات الهجرة، ما يجعل قضايا التمييز والعدالة الاجتماعية، خاصة تجاه السكان الأصليين، أكثر إلحاحاً ضمن السياق الكندي المعاصر.

ويُصنَّف مجتمع الأتيكاميك ضمن السكان الأصليين في كندا، وليس ضمن ما يُعرف بالأقليات الظاهرة، وفق تعريف هيئة الإحصاء الكندية، وتشير البيانات الرسمية إلى أن السكان الأصليين، الذين يشملون شعوب الأمم الأولى والإنويت والميتي، يمثلون نحو 5 إلى 6 بالمئة من إجمالي سكان كندا، أي ما يزيد على 1.8 مليون شخص، ويُعد الأتيكاميك جزءا من شعوب الأمم الأولى تحديدا، ويبلغ عددهم نحو ثمانية آلاف نسمة، ما يجعلهم مجتمعا صغيراً نسبيا داخل هذه الفئة، وبذلك، فإن الأتيكاميك لا يندرجون ضمن فئة الأقليات الناتجة عن الهجرة، بل يُعتبرون من السكان الأصليين الذين سبق وجودهم قيام الدولة الكندية الحديثة، وهو ما يمنح قضاياهم بعدا مختلفا يرتبط بالحقوق التاريخية والأرض والهوية، وفق حكومة كندا.

مانوان.. جغرافيا العزلة

تقع منطقة مانوان على بعد أكثر من 250 كيلومتراً شمال مدينة مونتريال، ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر طريق غير ممهد يمتد لنحو 80 كيلومتراً، وفق منظمة العفو الدولية، ويعيش في هذه المنطقة أكثر من ثلاثة آلاف شخص ضمن مساحة لا تتجاوز ثمانية كيلومترات مربعة، ما يجعلها من المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة نسبيا مقارنة بحجمها الجغرافي.

وتشير بيانات حكومة كندا إلى أن العزلة الجغرافية للمجتمعات الأصلية تمثل أحد أبرز التحديات التي تعوق تطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما في ذلك الإسكان. 

الأزمة بالأرقام 

تظهر البيانات أن أكثر من ثلاثة آلاف شخص يعيشون في مانوان ضمن مساحة محدودة لا تتجاوز ثمانية كيلومترات مربعة وفق منظمة العفو الدولية، وتشير المنظمة إلى أن بعض المنازل تضم ما بين عشرة إلى خمسة عشر فرداً من عدة أجيال، وهو ما يعكس مستوى مرتفعاً من الاكتظاظ السكني.

وبحسب هيئة الإحصاء الكندية، فإن نسبة الأسر من السكان الأصليين التي تعاني من الاكتظاظ السكني تفوق ضعف النسبة المسجلة لدى بقية السكان في كندا، حيث تصل إلى نحو 18 بالمئة مقارنة بأقل من 8 بالمئة لدى غير السكان الأصليين.

أزمة السكن كظاهرة مزمنة

تؤكد منظمة العفو الدولية أن أزمة السكن في مانوان ليست طارئة، بل هي أزمة مزمنة تعود إلى عقود من نقص التمويل وضعف السياسات العامة، ويعتمد مجلس أمة الأتيكاميك بشكل شبه كامل على التمويل الاتحادي لتطوير الإسكان والبنية التحتية، إلا أن هذا التمويل لا يغطي الاحتياجات الفعلية للمجتمع.

وتشير تقارير حكومة كندا إلى أن فجوة الإسكان في مجتمعات الأمم الأولى لا تزال قائمة رغم البرامج الحكومية، حيث تقدر الحاجة إلى آلاف الوحدات السكنية الإضافية على مستوى البلاد.

تدهور جودة المساكن

لا تقتصر الأزمة على نقص عدد الوحدات السكنية، بل تمتد إلى تدهور حالتها، حيث توثق منظمة العفو الدولية وجود مشكلات تتعلق بالرطوبة والعفن وتسرب المياه، وتؤكد أن هذه الظروف تؤثر بشكل مباشر على صحة السكان.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن السكن غير الملائم يزيد من مخاطر الأمراض التنفسية، خاصة لدى الأطفال، وهو ما يتقاطع مع ما توثقه التقارير الحقوقية في مانوان.

الإطار القانوني وجذور الأزمة

ترتبط أزمة السكن في مجتمع الأتيكاميك بالإطار القانوني الذي يحكم علاقة الدولة بالسكان الأصليين، وعلى رأسه قانون الهنود الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، وبموجب هذا القانون، تبقى أراضي السكان الأصليين مسجلة باسم التاج الكندي، ولا يمكن استخدامها كضمان للحصول على قروض، وفق منظمة العفو الدولية.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن هذا النوع من الأطر القانونية يحد من قدرة المجتمعات الأصلية على تحقيق الاستقلال الاقتصادي، ويؤدي إلى استمرار الاعتماد على الدولة.

فجوة التمويل والاعتماد الهيكلي

يعتمد مجتمع مانوان على الحكومة الاتحادية في تمويل الإسكان والخدمات الأساسية، إلا أن منظمة العفو الدولية تؤكد أن هذا التمويل غير كافٍ، وتوضح أن العجز في التمويل يعرقل بناء وحدات سكنية جديدة أو صيانة المساكن القائمة.

ويشير البنك الدولي إلى أن غياب آليات تمويل مستقلة يمثل أحد أبرز التحديات أمام التنمية المستدامة في المجتمعات الهشة، بما في ذلك المجتمعات الأصلية.

التمييز البنيوي في السياسات

تصف منظمة العفو الدولية الوضع بأنه نتيجة تمييز بنيوي، حيث تؤدي السياسات العامة إلى استمرار الفجوات بين السكان الأصليين وغيرهم، وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن التمييز الممنهج يظهر في الفجوات في الخدمات الأساسية، مثل السكن والصحة والتعليم.

وتشير تقارير لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى أن الدول ملزمة باتخاذ خطوات تدريجية لضمان الحق في السكن اللائق، وهو ما ترى منظمات حقوقية أنه لم يتحقق بشكل كاف في الحالة الكندية.

مخالفة الالتزامات الدولية

كندا طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي ينص على الحق في السكن الملائم، ويؤكد خبراء الأمم المتحدة أن الظروف التي يعيشها سكان مانوان قد تشكل انتهاكاً لهذا الحق.

كما ينص إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية على حق هذه الشعوب في التحكم بأراضيها ومواردها، وهو ما تشير منظمة العفو الدولية إلى أنه لا يزال محدوداً في الواقع.

تداعيات إنسانية

تؤدي أزمة السكن إلى آثار اجتماعية ونفسية واسعة، حيث تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف إلى أن الاكتظاظ السكني يرتبط بزيادة معدلات التسرب المدرسي، كما أن الظروف غير الصحية داخل المنازل تؤثر على التحصيل الدراسي للأطفال.

وتشير دراسات صادرة عن هيئة الصحة العامة الكندية إلى أن الاكتظاظ السكني يزيد من مستويات التوتر والعنف الأسري، ما يفاقم التحديات الاجتماعية داخل المجتمعات الأصلية.

صوت من الواقع

تعكس شهادات السكان، كما تنقلها منظمة العفو الدولية، حجم المعاناة اليومية، حيث تعيش عائلات كاملة في مساحات ضيقة تفتقر إلى الخصوصية، ويؤكد السكان أن الحصول على مسكن لائق أصبح تحديا مستمرا، في ظل غياب حلول سريعة.

ترتبط هذه الأزمة بتاريخ طويل من السياسات الاستعمارية، حيث تعرضت الشعوب الأصلية في كندا لسياسات تهجير ودمج قسري، وتشير تقارير لجنة الحقيقة والمصالحة في كندا إلى أن هذه السياسات تركت آثارا مستمرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وتؤكد اللجنة أن تحسين أوضاع السكان الأصليين يتطلب معالجة جذور هذه السياسات، وليس الاكتفاء بالحلول الجزئية.

ردود الفعل الدولية

دعت منظمة العفو الدولية الحكومة الكندية إلى زيادة التمويل المخصص للإسكان وضمان إشراك المجتمعات الأصلية في اتخاذ القرار، كما أكدت هيومن رايتس ووتش أن كندا مطالبة بتسريع إصلاحاتها لضمان احترام حقوق السكان الأصليين.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى ضرورة مواءمة السياسات الوطنية مع المعايير الدولية، خاصة فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

الموقف الحكومي

تشير بيانات حكومة كندا إلى وجود برامج لتحسين الإسكان في مجتمعات الأمم الأولى، إلا أن التقارير الحقوقية تؤكد أن هذه البرامج لا تزال غير كافية لسد الفجوة القائمة.

وتؤكد الحكومة التزامها بتحقيق المصالحة مع السكان الأصليين، إلا أن منظمات حقوقية ترى أن التنفيذ لا يزال دون المستوى المطلوب.

تكشف أزمة السكن في مجتمع الأتيكاميك عن تعقيدات عميقة تتجاوز حدود الجغرافيا لتصل إلى جذور قانونية وتاريخية وسياسية، وبينما تواصل كندا تقديم نفسها كدولة رائدة في مجال حقوق الإنسان، تشير تقارير منظمة العفو الدولية وهيئات الأمم المتحدة إلى أن الواقع في مانوان يعكس تحديات مستمرة في تحقيق هذه الالتزامات.

وفي ظل استمرار هذه الأزمة، يبقى تحسين أوضاع مجتمع الأتيكاميك مرتبطًا بإرادة سياسية قادرة على معالجة جذور التمييز البنيوي، وضمان حق السكان الأصليين في السكن اللائق والحياة الكريمة، بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية