منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مأساة سبتة تُستغل سياسياً.. واليمين المتطرف يشوّه حقيقة الهجرة

04 أغسطس 2026
قام جنود إسبان بمرافقة مهاجرين في سبتة باتجاه الحدود مع المغرب يوم الأحد.
قام جنود إسبان بمرافقة مهاجرين في سبتة باتجاه الحدود مع المغرب يوم الأحد.

تحولت المأساة الإنسانية التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية خلال الأيام الماضية إلى مادة سياسية استغلها اليمين المتطرف على جانبي الأطلسي، بدلاً من أن تكون دافعاً لفهم أسبابها الحقيقية والبحث عن حلول تمنع تكرارها.

فبحسب التقديرات، لقي ما لا يقل عن 72 شخصاً مصرعهم، غالبيتهم غرقاً أو سحقاً، أثناء محاولتهم السباحة من السواحل المغربية إلى مدينة سبتة، ضمن موجة ضمت عشرات الآلاف من المهاجرين. ورغم ضخامة الكارثة، طغت عليها خطابات سياسية تصف ما جرى بأنه “غزو”، في حين سارع سياسيون أوروبيون إلى توظيف الحادثة لخدمة أجنداتهم الداخلية.

ولا يزال الكثير من تفاصيل ما حدث بحاجة إلى تفسير. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن الشائعات والمعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في دفع هذا العدد الهائل من الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم، بعد صدور حكم من المحكمة العليا الإسبانية يقضي بعدم جواز الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون بحراً.

وفي الوقت نفسه، بدا أن السلطات المغربية لم تتخذ إجراءات كافية لمنع هذا التدفق غير المسبوق، في مشهد أعاد إلى الأذهان حوادث مشابهة شهدتها المدينة سابقاً، وأعاد كذلك تسليط الضوء على النزاع القائم حول سيادة سبتة.

أما الحكومة الإسبانية التي كانت منشغلة في مواجهة حرائق الغابات، فقد وجدت نفسها غير مستعدة تماماً للتعامل مع هذا التطور المفاجئ.

لكن اللافت أن الغالبية الساحقة من نحو ستين ألف شخص دخلوا سبتة عادوا طواعية إلى المغرب خلال أقل من 48 ساعة، بعد أن عبّر كثير منهم عن إحباطهم من غياب فرص العمل وضعف الأجور وانعدام الأفق الاقتصادي في بلدهم.

إن المخاطرة الهائلة التي أقدم عليها هؤلاء الشباب تعكس مستوى اليأس الذي تعيشه المجتمعات الواقعة على حدود أوروبا، أكثر مما تعكس وجود خطة منظمة لاجتياح القارة.

ومع ذلك، جاءت ردود فعل عدد من القادة الأوروبيين متوقعة ومحبطة في آن واحد.

فقد سارعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى تعليق العمل مؤقتاً باتفاقية شنغن مع إسبانيا، في خطوة استعراضية لا تحمل أثراً عملياً؛ إذ إن سبتة ليست جزءاً من منطقة شنغن أصلاً، كما أن إيطاليا وإسبانيا لا تتشاركان حدوداً برية.

كما انضمت ميلوني إلى المستشار الألماني فريدريش ميرتس وعدد من القادة الأوروبيين في رسالة إلى المفوضية الأوروبية، حمّلت رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مسؤولية ما اعتبروه سياسات هجرة متساهلة تهدد أمن أوروبا، رغم أن تلك السياسات لا تنطبق أصلاً على مدينة سبتة.

في الحقيقة، تبدو هذه المواقف موجهة بالأساس إلى الداخل السياسي لكل دولة.

فميرتس يواجه استحقاقات انتخابية صعبة وصعوداً متزايداً لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، في حين تواجه ميلوني منافسة من أحزاب أكثر تشدداً على يمينها، ما يدفع الطرفين إلى المزايدة في ملف الهجرة.

وقد ظهر ذلك سريعاً عندما ادعت زعيمة حزب البديل، أليس فايدل، أن الوجهة المحتملة لمعظم من دخلوا سبتة هي ألمانيا، رغم أن الوصول من سبتة إلى البر الأوروبي لا يمكن أن يتم إلا عبر نقاط تفتيش ورقابة حدودية صارمة.

إن تضخيم الوقائع وتبادل الاتهامات لا يخدم سوى القوى الشعبوية، ويقوض التضامن الأوروبي المطلوب لمواجهة تحديات الهجرة بصورة فعالة.

والأهم أن هذه السردية تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن أعداد العابرين للحدود الأوروبية بصورة غير نظامية انخفضت بنحو 40% خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بفضل تحسين التنسيق والإجراءات الوقائية بين الدول الأوروبية.

بدلاً من البحث عن شماعات سياسية أو تحميل إسبانيا وحدها المسؤولية، ينبغي على القادة الأوروبيين العمل معاً لمنع تكرار مثل هذه الكوارث الإنسانية، عبر تعاون حقيقي يعالج جذور الهجرة، ويحمي الأرواح، ويمنع استغلال المآسي لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.

نقلاً عن الجارديان