مع تصاعد الجدل حول ميزانية الدفاع، أمضى كير ستارمر معظم الأيام الماضية في تأكيد أن حكومته تنفق أموالاً ضخمة من أموال دافعي الضرائب على القوات المسلحة. وقال رئيس الوزراء إن كل وزارة حكومية خضعت لتخفيضات في الإنفاق لتمويل خطة الاستثمار الدفاعي المقرر الإعلان عنها الشهر المقبل، والتي وصفها بأنها “أكبر زيادة مستمرة في الإنفاق منذ الحرب الباردة”. كما قالت وزيرة الثقافة ليزا ناندي، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، إن الوزراء طُلب منهم البحث عن مزيد من التخفيضات للإسهام في تمويل الدفاع.
لكن تخيل للحظة أن تستبدل كلمة “الدفاع” بكلمة “الرعاية الاجتماعية”. تخيل ستارمر، أو أي رئيس وزراء آخر، يتفاخر بأنه اقتطع أموالاً من هيئة الخدمات الصحية الوطنية أو من المدارس لزيادة مخصصات الإعانات الاجتماعية. بل استبدل كلمة الدفاع بأي قضية تقدمية أخرى، مثل الإسكان أو الرعاية الاجتماعية أو مواجهة التغير المناخي، وستجد صعوبة في تصور سياسي يحاول إنقاذ مستقبله عبر التعهد بإنفاق هائل عليها، خصوصاً إذا كان هذا التمويل سيأتي من وزارة الدفاع.
يمكن وصف ذلك بأنه نموذج للحكم بمسارين؛ فالإنفاق السخي على الجيش يُنظر إليه باعتباره ضرورة وحكمة سياسية، في حين يُعامل الإنفاق نفسه لتحسين حياة الناس العاديين باعتباره رفاهية غير ضرورية أو خياراً ثانوياً.
انظر فقط إلى الانتقادات التي وجهها ويس ستريتينغ ضد طريقة تعامل ستارمر مع ميزانية الدفاع الأسبوع الماضي، عندما انتقد إنفاق الحكومة 4.5 مليار جنيه إسترليني على مشروعات المشي وركوب الدراجات. ورغم أن وزير الصحة السابق يدرك على الأرجح أن هذه المبادرات تسهم على المدى الطويل في تحسين الصحة العامة وتقليل التكاليف، فإن ذلك لا يتناسب مع الرواية السائدة. فالجيش الأقوى يُعد استثماراً، أما المجتمع الصحي والسعيد فيُعامل كأنه ترف.
التشكيك في هذا المعيار المزدوج لا يعني أن الدفاع لا يحتاج إلى مزيد من الإنفاق. فالعالم بالفعل يبدو أكثر اضطراباً وخطورة، في ظل الصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا، ووجود دونالد ترامب الغاضب في البيت الأبيض. وكأنها رسالة تؤكد ذلك، اعترضت القوات المسلحة البريطانية خلال عطلة نهاية الأسبوع ناقلة نفط روسية تابعة لما يُعرف بـ”أسطول الظل” في القناة الإنجليزية.
كما أن وزارة الدفاع تعاني بالفعل من فجوة مالية؛ إذ تشير أحدث الأرقام إلى عجز يبلغ 18 مليار جنيه إسترليني، تمكنت وزارة الخزانة من توفير 13.5 مليار جنيه منها. لكن الدفاع في هذا الأمر ليس مختلفاً عن أي وزارة حكومية أخرى؛ فكل القطاعات لديها احتياجات ملحة وموارد محدودة، ومع ذلك لا تخضع كلها لنفس مستوى التدقيق والجدل.
فعلى سبيل المثال، أي تغيير بسيط في نظام الضمان الاجتماعي يواجه عناوين صحفية غاضبة وانتقادات لا تنتهي، في حين يمكن للحكومات إنفاق مليارات الجنيهات على الأسلحة دون أن يناقش كثيرون تفاصيل هذا الإنفاق أو جدواه.
وأي محاولة للخروج قليلاً عن هذا الوضع التقليدي، حتى لو جاءت من شخص مثل ستارمر الذي خفض العام الماضي ميزانية المساعدات الدولية إلى النصف تقريباً لزيادة الإنفاق الدفاعي، تواجه في أفضل الأحوال الشك، وفي أسوأها حالة من الهلع السياسي. وكما جاء في عنوان صحيفة ديلي ميل يوم الجمعة: “بريطانيا تُترك بلا دفاع.. فليساعدنا الله!”
لكن القضية ليست فقط أن الإنفاق التقدمي يُعامل بطريقة مختلفة عن الإنفاق الدفاعي، بل إن الأمر وصل إلى حد وضع المجالين في مواجهة مباشرة.
فبعد ساعات من استقالة وزير الدفاع جون هيلي، خرج زعيم حزب الإصلاح البريطاني نايجل فاراج عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليقول إن الحكومة “مستعدة لإنفاق أموال ضخمة على إعانات الإعاقة لأشخاص لا يحتاجون إليها، في حين عاد الدفاع إلى أسفل قائمة الأولويات”. ولم تلبث زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك أن وجهت رسالة إلى رئيس الوزراء تعرض فيها التعاون لخفض الإنفاق على الإعانات من أجل زيادة الاستثمار في الدفاع “للمصلحة الوطنية”.
وهذه الرواية التي تضع الرعاية الاجتماعية في مواجهة الأمن العسكري ليست جديدة، بل تتراكم منذ فترة. ففي وقت سابق من هذا العام، نشر مركز العدالة الاجتماعية دراسة ربطت بشكل مباشر بين الإنفاق على الإعانات وتمويل الدفاع. وقال المركز إن الزيادة المتوقعة في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية بقيمة 18 مليار جنيه يمكن أن تمول 15 فرقاطة متقدمة للبحرية الملكية، أو 220 طائرة مقاتلة، أو رواتب 250 ألف جندي.
والرسالة هنا واضحة:
لو لم يكن هناك هؤلاء الأشخاص الذين “يستنزفون” أموال الدولة من ذوي الإعاقة، لكانت بريطانيا قادرة على حماية نفسها.
هذه الطريقة في تقديم القضية ليست فقط غير أخلاقية، بل إنها أيضاً مضللة حسابياً. فحتى الوصول إلى هدف حلف شمال الأطلسي بإنفاق 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035، ستحتاج وزارة الخزانة إلى توفير نحو 30 مليار جنيه إضافية سنوياً بالقيمة الحقيقية ولمدة عقد كامل.
وللمقارنة، بلغت فاتورة إعانات الإعاقة في عام 2025/2026 نحو 77.1 مليار جنيه. وهذا يعني ببساطة أن خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية وحده لن يكون كافياً لإرضاء دعاة زيادة الإنفاق الدفاعي، إلا إذا ترتب على ذلك عواقب كارثية على المستفيدين من الإعانات. وستحتاج الحكومة إلى مزيج من زيادات ضريبية مستمرة، أو الاقتراض، أو اقتطاع المزيد من وزارات حكومية أخرى تعاني أصلاً من ضغوط مالية كبيرة.
وهنا نصل إلى سؤالين أساسيين:
ما معنى الأمن الحقيقي لدولة تعيش في هذا العصر المضطرب؟ وكيف يجب على الحكومة أن تنفق أموالها لتحقيق هذا الأمن؟.
عندما استخدم جون هيلي رسالة استقالته الأسبوع الماضي لاتهام ستارمر بالفشل في تخصيص الأموال اللازمة لحماية البلاد، وجدت نفسي أفكر في عمال الرعاية الصحية المهاجرين في بلفاست الذين اضطروا للاختباء في منازلهم، في حين كان مثيرو الشغب العنصريون يحرقون محطات الحافلات وصناديق القمامة خارج منازلهم.
هناك كثيرون في بريطانيا اليوم لا يمكن القول إنهم يعيشون بأمان، لكن ليس بسبب روسيا أو ترامب. هناك آلاف المرضى في هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا الذين يُرعون يومياً داخل الممرات والحمامات والمخازن بسبب عدم وجود أسرّة كافية في أقسام الطوارئ. وهناك أيضاً ملايين الأطفال الذين يعانون من الفقر طويل الأمد، ويضطر بعضهم إلى الاعتماد على بنوك الطعام أو النوم على الأرض.
فالتهديدات التي تواجه أي دولة لا تأتي دائماً من أعداء بعيدين خلف المحيطات. في كثير من الأحيان يكون الخطر أقرب إلى الداخل: في اقتصاد ومجتمع يشعر فيه عدد متزايد من الناس بأنهم مهمشون ومنقسمون، وأنهم محرومون من القدرة على عيش حياة كريمة. كما أن هناك أطرافاً سيئة النية داخل بريطانيا وخارجها تستغل هذه المظالم الحقيقية لتحقيق أهدافها الخاصة.
هذا النوع من الأمن لن يتحقق بالطائرات المسيرة والصواريخ فقط، بل يحتاج أيضاً إلى الإسكان الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليم. فهذه العناصر لا تقل أهمية عن حماية البلاد من الحرب، بل هي جزء أساسي من سلامتها واستقرارها.
سواء كان ستارمر أو أي رئيس وزراء قادم، فإن الضغوط لمواصلة زيادة الإنفاق الدفاعي، وربما خفض مجالات أخرى لتمويله، لن تختفي. لكن صعوبة هذه الخيارات تكشف حقيقة لا يرغب كثيرون في الاعتراف بها: حماية المواطنين من الفقر والتمييز والمرض هي بنفس قدر حماية البلاد من الحروب مسؤولية أساسية للدولة.
نقلاً عن الجارديان
