حذرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية من استمرار ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في البلاد، مشددة على ضرورة ضمان المساءلة عن جميع الانتهاكات دون انتقائية، وحماية المدنيين، ومعالجة ملف المفقودين والمحتجزين، إلى جانب وقف الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية. وأكدت اللجنة أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب قطع الصلة مع إرث الانتهاكات والعنف، ووضع ضمانات مؤسسية وقانونية تحول دون تكرارها.
وجاءت ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، وضمن الاجتماع الثالث للدورة، حيث استمع المجلس إلى تحديث شفهي قدمته لجنة التحقيق بشأن الجمهورية العربية السورية، عملاً بقرار المجلس 61/3، بحضور رئيس مجلس حقوق الإنسان سيدهارتو رضا سوريوديبور، ومشاركة عضوي اللجنة مونيا عمار وفيونوالا ني أولين، التي قدمت العرض الرئيسي أمام المجلس.
وقالت فيونوالا ني أولين، المحامية والأكاديمية المتخصصة في حقوق الإنسان، إن سوريا تواصل خوض تحول كبير مع اقتراب الذكرى السنوية الثانية لسقوط الحكومة السابقة، رغم التحديات الهائلة التي تواجه عملية الانتقال. وأشارت إلى إنشاء مجلس الشعب، باعتباره تطوراً يفتح المجال أمام سلطة تشريعية مستقلة وتمثيلية، فضلاً عن عودة ملايين السوريين إلى ديارهم وتسارع جهود إعادة الإعمار.
وأضافت أن جهود الاندماج تشهد تقدماً، مشيرة إلى إعلان قوات سوريا الديمقراطية حل نفسها واستكمال عملية دمجها والتقدم فيها ضمن قوات الدولة. ورحبت اللجنة بهذه التطورات، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن بناء مؤسسات شرعية وخاضعة للمساءلة يظل تحدياً رئيسياً، خصوصاً في ظل ضرورة معالجة إرث الانتهاكات السابقة وضمان عدم تكرارها.
وأوضحت اللجنة أنها أجرت بعثات منتظمة إلى سوريا، وشملت زيارات المفوضين وفرقها دمشق وريف دمشق والقنيطرة ودرعا والسويداء وحلب وحمص والرقة والحسكة، مؤكدة أن الحكومة السورية واصلت السماح لها بالوصول إلى البلاد منذ مارس، بما يتوافق مع المهام الجديدة الموكلة إليها بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان.
وقالت أولين إن اللجنة عززت كذلك تواصلها مع السلطات السورية، من خلال تقديم المشورة ومتابعة تنفيذ التوصيات الواردة في تقاريرها السابقة، إلى جانب الإعداد لأوراق تتضمن مشورة خبراء بشأن قضايا حقوق الإنسان الأساسية، بما يدعم عملية الانتقال الجارية. كما أكدت استمرار التواصل الوثيق مع الضحايا والشهود والمجتمع المدني، معتبرة أن استمرار هذا الدور يمثل عنصراً أساسياً في المرحلة المقبلة.
وفي مقدمة القضايا التي أثارتها اللجنة، جاء ملف الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، حيث أعربت عن بالغ قلقها إزاء استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب البلاد.
وقالت إن أعضاء اللجنة زاروا القنيطرة ودرعا مؤخراً والتقوا المجتمعات المتضررة، التي ما زالت تعبر عن قلقها إزاء التحركات الإسرائيلية في الوقت الذي يحاول فيه السوريون إعادة بناء بلدهم.
وأشارت اللجنة إلى تزايد النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا من خلال التوغلات البرية المتكررة والدوريات والمداهمات وعمليات التفتيش، فضلاً عن إنشاء نقاط تفتيش مؤقتة وبنية تحتية عسكرية ثابتة داخل الأراضي السورية، وهو ما قالت إنه أحدث تأثيراً كبيراً على المدنيين.
ووفق اللجنة، قامت القوات الإسرائيلية باستجواب واحتجاز مئات السكان السوريين، بينهم قاصرون، وحددت حتى يونيو 2026 نحو 49 شخصاً احتجزتهم قوات الدفاع الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بينهم طفلان، ونُقلوا على ما يبدو عبر الحدود السورية.
واعتبرت اللجنة أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب، محذرة من توسع الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، ومؤكدة ضرورة وقف ما وصفته بانتهاكات السيادة السورية وسلامة أراضي البلاد.
وفي ملف العدالة الانتقالية، شددت اللجنة على أن المساءلة تمثل عنصراً أساسياً لنجاح المرحلة الجديدة، داعية السلطات السورية إلى محاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات على قدم المساواة. وحذرت من أن المساءلة الانتقائية قد تمثل خرقاً للالتزامات القانونية الدولية، كما يمكن أن تؤدي إلى تجدد المظالم وتقويض جهود المصالحة.
وأكدت اللجنة أهمية الالتزام بالإجراءات القانونية الواجبة وضمانات المحاكمة العادلة، وحثت الحكومة السورية على معالجة الوضع القانوني لآلاف الأشخاص المحتجزين بسبب صلات مزعومة بأجهزة الأمن التابعة لعهد بشار الأسد.
وتطرقت اللجنة أيضاً إلى أعمال العنف التي وقعت في مارس ويوليو 2025 في الساحل والسويداء، مشيرة إلى الجهود الحكومية لمعالجة تداعياتها، لكنها أكدت أن قضايا حقوقية أساسية لا تزال من دون حل، بما في ذلك نزوح آلاف الأسر الدرزية والبدوية، ومصير المفقودين والمحتجزين، فضلاً عن أوضاع الطلاب والطالبات وقدرتهم على التقدم للامتحانات.
وقالت إن استمرار الجمود بين السلطات المحلية والحكومة المركزية، إلى جانب التدخلات الإسرائيلية، ساهم في تعقيد الوضع في السويداء، مؤكدة أن المساءلة عن الانتهاكات لم تتحقق بالشكل المطلوب رغم إجراء عدد محدود من المحاكمات.
كما أبدت اللجنة قلقها إزاء استمرار الانتهاكات الطائفية وأعمال الترهيب بحق المجتمع العلوي، مشيرة إلى تحقيقاتها في تقارير عن عمليات قتل استهدفت في الغالب أفراداً من المجتمع العلوي داخل منازلهم، إلى جانب ادعاءات بشأن اختطاف نساء وفتيات في عدد من المحافظات. ودعت إلى إجراء تحقيقات كافية تراعي النوع الاجتماعي، ومعالجة حالة الخوف والضيق التي تعاني منها بعض المجتمعات.
وفي ملف الاحتجاز، قالت اللجنة إنها واصلت التحقيق في حالات وفاة واحتجاز، وحددت تسع حالات خلال العام الحالي، معربة عن قلق خاص إزاء وفاة عامل إنساني سابق أثناء الاحتجاز.
ورحبت بتعهدات المساءلة، لكنها شددت على ضرورة اتخاذ خطوات قوية ومستدامة للقضاء على التعذيب.
كما رصدت اللجنة اعتقال نشطاء بعد انتقادهم الحكومة، بالتزامن مع انتشار خطاب الكراهية الذي يستهدف جماعات معينة على أساس مزاعم ارتباطها بالحكومة السابقة، فضلاً عن تهديدات بالعنف ضد ناشطات، بما في ذلك عبر الإنترنت.
ودعت جميع الأطراف إلى مواجهة خطاب الكراهية مع الحفاظ على الحق في حرية التعبير.
وفي شمال شرق سوريا، قالت اللجنة إنها تحقق في تقارير عن انتهاكات، من بينها قتل مدنيين ومقاتلين خارج القتال، كما أشارت إلى بقاء مئات المقاتلين المتحالفين مع قوات سوريا الديمقراطية في عداد المفقودين. وأكدت ضرورة معالجة ملف النساء والأطفال الذين يزعم ارتباطهم بتنظيم داعش، مشيرة إلى استمرار احتجاز أكثر من ألفي فرد من الأسر، معظمهم من النساء والأطفال، في مخيم روج، معتبرة أن المخيم يمثل أحد أكبر مواقع الاحتجاز الجماعي التعسفي للنساء والأطفال على أساس أمني في العالم.
وأشارت اللجنة كذلك إلى استمرار احتجاز أكثر من 100 طفل أجنبي في مرافق احتجاز عسكرية، داعية الدول التي يحمل المحتجزون جنسياتها إلى دعم إعادتهم إلى بلدانهم وإعادة تأهيلهم دون مزيد من التأخير. كما قالت إن أكثر من 5700 رجل وفتى نُقلوا قسراً إلى العراق في وقت سابق من العام في عملية نفذتها الولايات المتحدة، معتبرة أن العملية قد تشكل انتهاكاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو ملف تواصل اللجنة التحقيق فيه.
في المقابل، أكدت الجمهورية العربية السورية أمام المجلس التزامها بمواصلة التعاون البناء مع لجنة التحقيق وآليات الأمم المتحدة، مشددة على أن هذا التعاون ليس إجراءً شكلياً، وإنما يمثل منهجاً لمعالجة الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق.
وأشارت إلى تعاونها مع مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان والإجراءات الخاصة واللجنة الدولية المستقلة للتحقيق وآليات حقوق الإنسان ذات الصلة بالنازحين.
وقالت سوريا إن مجلس العدالة الانتقالية أعد مشروع برنامج للعدالة الانتقالية، مع التأكيد على أهمية مشاركة الضحايا، موضحة أن المجلس يواصل تحقيقاته والتواصل مع الضحايا لجمع الأدلة. كما أشارت إلى تقديم خمس شكاوى، وفتح ملفات للتحقيق، مع وجود 147 ملفاً قيد التحقيق و133 ملفاً أمام مكتب المدعي العام.
وأكدت دمشق أن البلاد تسعى إلى الانتقال من مرحلة اللامبالاة والإنكار تجاه الانتهاكات إلى مرحلة جديدة تقوم على تحمل المسؤولية وتحقيق العدالة، مشددة على التزام السلطة القضائية بمبادئ العدالة والضمانات القضائية والإجراءات المتوافقة مع الالتزامات الدولية.
وفي ملف المفقودين، أشارت سوريا إلى إنشاء اللجنة الوطنية للمفقودين، وإطلاق مشاورات واسعة بمشاركة الضحايا، وافتتاح مراكز لتقديم المشورة، إلى جانب برنامج لجمع شهادات الشهود، موضحة أنه تم فتح 194 قضية بالتعاون مع جهات دولية.
كما أعلنت الحكومة إعداد استراتيجية وطنية لمكافحة التعذيب، والعمل على إيجاد تسوية بشأن حالات التعذيب المثبتة التي ارتكبها النظام السابق، مع فتح المجال أمام المراسلات للتحقيق في هذه القضايا.
وفي ختام التحديث، شددت لجنة التحقيق على أن هناك زخماً متزايداً لتعزيز احترام حقوق الإنسان في سوريا، مؤكدة أن دعم هذا المسار يتطلب إجراءات عملية من المجلس والمجتمع الدولي، وليس مجرد تصريحات.
وفي المقابل، أكدت سوريا أن استمرار التعاون الدولي وتعزيز المؤسسات الوطنية يمثلان طريقاً أساسياً لتحقيق العدالة والسلام والتنمية، في مرحلة انتقالية تواجه تحديات واسعة، من إرث الانتهاكات إلى قضايا المساءلة والمفقودين والاحتجاز وحماية المدنيين.
