منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لا تلقوا باللوم على الاستعمار في أزمات التجارة الإفريقية

21 يوليو 2026
أعلام أمام مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا وسط تحديات للتجارة البينية.
أعلام أمام مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا وسط تحديات للتجارة البينية.

برايت سيمونز*

في كل عام، ومع انعقاد قمة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، يتكرر المشهد نفسه؛ إذ يحمّل المسؤولون الأفارقة مؤتمر برلين (1884-1885) مسؤولية ما يعدونه “الخطيئة الأصلية” التي مزقت القارة الإفريقية. وتُروى القصة المعتادة: قوى أوروبية جلست حول طاولة، ترسم حدود إفريقيا بالمسطرة وبين كؤوس الكونياك، فقسمت القارة إلى كيانات مصطنعة.

إنها رواية جذابة، لكنها في رأيي بعيدة إلى حد كبير عن الحقيقة. والأسوأ من ذلك أنها تحولت إلى ذريعة مريحة لطبقة سياسية أمضت أكثر من ثلاثة عقود من دون أن تنجح في تحقيق الحلم الإفريقي بالوحدة والتكامل.

لنبدأ بالحقائق التاريخية. فالوثيقة الختامية لمؤتمر برلين، المعروفة بـ”القانون العام” الصادر في 26 فبراير/شباط 1885، تضم 38 مادة، لكن اثنتين فقط منها تناولتا مسألة المطالبات الإقليمية.

أما الحدود الداخلية لإفريقيا التي ترسم اليوم حدود الدول الـ54، فلم تُحدد في برلين، بل جرى التفاوض عليها لاحقاً، وعلى مدى عقود، من خلال اتفاقات ثنائية بين القوى الاستعمارية وبعض النخب الإفريقية.

بل إن نصف الحدود الحالية للقارة لم يكن موجوداً أصلاً قبل عام 1891، كما أن نصفها الآخر تعرض لتعديلات جوهرية بعد عام 1908.

ما خرج به مؤتمر برلين في الواقع لم يكن خريطة للحدود بقدر ما كان إطاراً تجارياً متعدد الأطراف، تضمن مناطق للتجارة الحرة، وهيئات لإدارة الأنهار الدولية، وممرات مفتوحة للنقل والعبور، إضافة إلى قيود على الاحتكارات التجارية.

لا شك أن واضعي هذه الترتيبات لم يكونوا مدفوعين بحسن النية. فالملك البلجيكي ليوبولد الثاني الذي ارتبط اسمه بواحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية في الكونغو، لم يحضر المؤتمر بدافع خدمة إفريقيا، كما أن الأفارقة أنفسهم كانوا غائبين عن طاولة المفاوضات، بل إن سلطان زنجبار مُنع حتى من المشاركة بحجة ارتباطه بتجارة الرقيق.

ومع ذلك، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن القوى الاستعمارية أدركت ما فشلت النخب الحاكمة في إفريقيا في استيعابه خلال العقود الخمسة والثلاثين الماضية: لا يمكن تحقيق الثروة في قارة إذا كانت شرايينها التجارية الداخلية مغلقة.

المشكلة الأساسية أن إفريقيا لم تنجح في تحويل الممرات التجارية التي أنشأها الاستعمار لتخدم التجارة البينية بين دولها.

ففي عام 2024، لم تتجاوز التجارة البينية الإفريقية 20% من إجمالي صادرات القارة، وهي نسبة تعكس حجم الإخفاق أكثر مما تعكس الإمكانات المتاحة.

وكانت معاهدة أبوجا الموقعة عام 1991 قد وضعت هدفاً واضحاً يتمثل في إنشاء الجماعة الاقتصادية الإفريقية بحلول عام 2028، عبر ست مراحل تبدأ بتعزيز التكتلات الإقليمية، ثم توحيد التعريفات الجمركية، وإنشاء مناطق تجارة حرة، واتحاد جمركي، وسوق مشتركة، وصولاً إلى اتحاد نقدي.

لكن بعد أكثر من ثلاثين عاماً، لم يتحقق أي تقدم يُذكر في تنفيذ هذه الخطة.

حتى اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) التي دخلت حيز التنفيذ في مايو/أيار 2019 باعتبارها مشروعاً أكثر تواضعاً لإنقاذ فكرة السوق الإفريقية الموحدة، لا تزال تراوح مكانها.

فحتى نهاية العام الماضي، لم تقم سوى 25 دولة إفريقية بإدماج الاتفاقية ضمن تشريعاتها الوطنية، ووفقاً لآلية المتابعة التابعة للاتحاد الإفريقي، كانت سيراليون الدولة الوحيدة التي أنجزت تقييماً وطنياً كاملاً للاستعداد لتطبيق الاتفاقية حتى يوليو/تموز 2025.

ويستشهد البعض بالحدود الموروثة عن الاستعمار باعتبارها سبب الفشل، لكن أوروبا نفسها تقدم مثالاً معاكساً.

فحدودها أيضاً تشكلت بفعل الحروب والإمبراطوريات. بولندا قُسمت ثلاث مرات، وحدود ألمانيا تغيرت أربع مرات خلال القرن العشرين.

ومع ذلك، عندما قررت النخب الأوروبية بعد عام 1950 المضي في مشروع التكامل، لم يستغرق الأمر سوى عامين تقريباً لإنشاء الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، ثم خمس سنوات إضافية فقط لتأسيس السوق الأوروبية المشتركة.

الفارق الحقيقي، من وجهة نظري، ليس الإرث الاستعماري، بل الإرادة السياسية والاستمرارية في صنع السياسات.

الرئيس السابق للنيجر، محمدو إيسوفو، وهو أحد أبرز الداعمين لاتفاقية التجارة الحرة القارية، أشار في فبراير/شباط 2024 إلى جوهر الأزمة عندما كشف أن أكثر من 75% من ميزانية أمانة الاتفاقية تأتي من شركاء خارج إفريقيا، لكن المشكلة أعمق من ذلك.

فصندوق التكيف الذي أُنشئ لتعويض الدول عن خسائر الإيرادات الجمركية الناتجة عن تحرير التجارة، يحتاج إلى نحو 10 مليارات دولار، لكنه لا يملك سوى مليار دولار تقريباً.

وحين يعتمد كثير من الحكومات الإفريقية على الرسوم الجمركية لتوفير ما بين 20 و40% من إيراداتها العامة، فمن الطبيعي أن يتردد وزراء المالية في تسريع تنفيذ الاتفاقية إذا لم تتوافر بدائل مالية حقيقية.

لذلك، فإن تحميل مؤتمر برلين مسؤولية هذا الفشل يشبه، في رأيي، تحميل مؤتمر فيينا مسؤولية أزمة منطقة اليورو.

فالحدود القائمة أصبحت حقيقة تاريخية لا يمكن تغييرها بسهولة، لكن الفشل في بناء توافق سياسي واقتصادي داخل هذه الحدود من أجل تحقيق التكامل هو خيار اتخذته الحكومات الإفريقية بنفسها.

إن النخب التي تواصل الحديث عن “التدافع على إفريقيا”، في حين تعجز في الوقت نفسه عن تنفيذ اتفاقيات التجارة أو إنشاء المؤسسات المالية التي التزمت بها، تجعل الجالسين حول طاولة بسمارك في مؤتمر برلين يبدون، للمفارقة، وكأنهم أكثر إيماناً بفكرة الوحدة الإفريقية.

فهم، على الأقل، كانوا يدركون حقيقة بسيطة: لا يمكن صناعة الثروة من دون ممرات تجارية مفتوحة تربط أجزاء القارة ببعضها البعض.

*نقلاً عن فاينانشيال تايمز