منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

كييف تحت النار.. تحذيرات أممية من كارثة إنسانية ودعوات لاستئناف المفاوضات

28 مايو 2026
هجمات روسية على كييف
هجمات روسية على كييف

تتجه الحرب الروسية الأوكرانية نحو مرحلة أكثر خطورة مع تصاعد الهجمات الجوية والتهديدات المتبادلة، وسط تحذيرات أممية من تفاقم الكارثة الإنسانية وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.. وفي وقت تتكثف فيه الضربات الروسية على المدن الأوكرانية، تتزايد المخاوف الأوروبية من اتساع دائرة الحرب، خصوصاً مع تصاعد التهديدات الموجهة إلى العاصمة كييف والبعثات الدبلوماسية الأجنبية.

وأكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس، أن الأمم المتحدة تشعر بقلق بالغ إزاء التصعيد الخطير في أوكرانيا والتهديدات الروسية بتكثيف الهجمات، داعياً طرفي النزاع إلى العودة للمفاوضات وإنهاء معاناة المدنيين، وقال تورك إن عدد القتلى المدنيين خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 ارتفع بنسبة 21 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر يعكس تدهور الوضع الإنساني واستمرار استهداف المناطق المدنية.

تصعيد عسكري واسع

وشهدت أوكرانيا خلال الأيام الأخيرة واحدة من أعنف موجات الهجمات الجوية منذ اندلاع الحرب، حيث أعلن سلاح الجو الأوكراني أن روسيا شنت هجوماً ضخماً استهدف العاصمة كييف ومناطق أخرى باستخدام 600 طائرة مسيرة و90 صاروخاً متنوعاً، بينها صواريخ بالستية متوسطة المدى.

وأوضح سلاح الجو الأوكراني، عبر منصة تلغرام، أنه تمكن من اعتراض 55 صاروخاً و549 طائرة مسيرة، إلا أن الهجمات تسببت بأضرار واسعة في البنية التحتية المدنية وأثارت حالة من الذعر بين السكان، خصوصاً في العاصمة كييف التي تعرضت لسلسلة انفجارات متتالية.

واتهم وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا موسكو بتنفيذ واحدة من أكبر الهجمات التي تستهدف العاصمة الأوكرانية منذ بداية الحرب، معتبراً أن الضربات الروسية تمثل تصعيداً خطيراً ضد المدنيين والبنية التحتية الحيوية.

تحركات أوروبية وتحذيرات من الترهيب

وأثار التصعيد الروسي الأخير ردود فعل أوروبية واسعة، حيث أعلنت فرنسا استدعاء السفير الروسي في باريس احتجاجاً على ما وصفته بالتهديدات غير المقبولة التي تطول المدنيين الأوكرانيين والدبلوماسيين الأجانب.

وأكدت وزارة الخارجية الفرنسية أن الضربات الروسية المكثفة تظهر استمرار تجاهل موسكو للقانون الدولي، مشيرة إلى أن التهديدات الروسية للعاصمة كييف تعكس تصعيداً خطيراً قد يهدد سلامة البعثات الدبلوماسية الأجنبية الموجودة في أوكرانيا.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي استدعاء القائم بالأعمال الروسي في بروكسل، احتجاجاً على التصعيد العسكري والتهديدات الروسية الأخيرة.

وقالت المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي أنيتا هيبر إن بعثة الاتحاد الأوروبي ستواصل عملها في كييف رغم التهديدات، مؤكدة أن التكتل الأوروبي لن يتراجع عن دعمه لأوكرانيا.

وفي السياق نفسه، استدعت ألمانيا السفير الروسي، معلنة أنها لن ترضخ لما وصفته بمحاولات الترهيب الروسية، بينما استدعت النرويج ممثل روسيا في أوسلو احتجاجاً على التهديدات الموجهة للعاصمة الأوكرانية.

دعوات روسية لمغادرة كييف

وجاءت هذه التحركات بعد أن دعت وزارة الخارجية الروسية الأجانب المقيمين في كييف، بمن فيهم الدبلوماسيون، إلى مغادرة العاصمة الأوكرانية تحسباً لهجمات جديدة قد تشهدها المدينة خلال الفترة المقبلة.

ولوّحت موسكو بتكثيف هجماتها رداً على ضربة أوكرانية قالت إنها أدت إلى مقتل 21 شخصاً في مدرسة تقع بمنطقة خاضعة للسيطرة الروسية، ما زاد من المخاوف الغربية بشأن احتمال توسع العمليات العسكرية ضد المدن الأوكرانية الكبرى.

وتعكس هذه التصريحات الروسية، وفق مراقبين أوروبيين، تصاعد حدة المواجهة السياسية والعسكرية في وقت تبدو فيه فرص التوصل إلى تسوية قريبة أكثر تعقيداً.

استهداف المدنيين

وتحذّر الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية من أن استمرار القصف واسع النطاق يفاقم الأزمة الإنسانية في أوكرانيا، خاصة مع ارتفاع أعداد المدنيين الذين يعيشون تحت التهديد المباشر للهجمات الجوية وانقطاع الخدمات الأساسية.

وأكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية تمثل التزاماً أساسياً بموجب القانون الدولي الإنساني، داعياً جميع الأطراف إلى تجنب الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة التي قد تؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا.

كما أعربت منظمات إغاثية عن قلقها من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى موجات نزوح جديدة داخل أوكرانيا، خصوصاً في المناطق القريبة من العاصمة كييف والمدن الشرقية والجنوبية التي تشهد قصفاً متكرراً.

أزمة الدفاع الجوي الأوكراني

وفي ظل تزايد الهجمات الروسية، طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترامب بتزويد بلاده بمزيد من منظومات الدفاع الجوي من طراز باتريوت باك 3، لمواجهة الهجمات الجوية المتصاعدة.

وقالت وكالة فرانس برس إن الطلب الأوكراني جاء بعد هجوم روسي واسع استخدمت فيه موسكو نحو 600 طائرة مسيرة و35 صاروخاً بالستياً و50 صاروخ كروز، في واحدة من أعنف الضربات منذ بداية الحرب.

وأكد زيلينسكي، في رسالة نقلتها الوكالة، أن أوكرانيا بحاجة ماسة إلى هذه المنظومات لحماية المدنيين والبنية التحتية من الهجمات الروسية المتزايدة.

وفي المقابل، أقر مسؤول في الرئاسة الأوكرانية بأن تأمين ذخائر أنظمة الدفاع الجوي أصبح أكثر تعقيداً نتيجة ارتفاع الطلب العالمي على هذه الأسلحة، إضافة إلى تداعيات التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط على سلاسل الإمداد العسكرية.

حرب استنزاف طويلة

التصعيد الحالي يعكس انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر اعتماداً على الهجمات الجوية والصاروخية واسعة النطاق، في ظل تعثر العمليات البرية وتراجع فرص التوصل إلى اختراق سياسي قريب.

كما تحذّر دوائر أوروبية من أن استمرار الحرب بهذا المستوى من التصعيد قد يؤدي إلى إنهاك الاقتصاد الأوكراني وزيادة الضغوط على الحلفاء الغربيين الذين يواجهون بدورهم تحديات سياسية واقتصادية متزايدة.

وفي هذا السياق، شددت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس على ضرورة أن يضع الاتحاد الأوروبي استراتيجية موحدة تجاه روسيا، محذرة من الوقوع فيما وصفته بالفخ الروسي القائم على إشغال الأوروبيين بمسألة التفاوض دون وجود رؤية واضحة لإنهاء الحرب.

الحرب وتداعياتها الإنسانية

اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022 بعد بدء العملية العسكرية الروسية واسعة النطاق داخل الأراضي الأوكرانية، لتتحول سريعاً إلى واحدة من أكبر الأزمات الأمنية والإنسانية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

ووفق بيانات الأمم المتحدة، تسببت الحرب في مقتل وإصابة عشرات الآلاف من المدنيين، إضافة إلى نزوح ملايين الأوكرانيين داخل البلاد وخارجها، بينما تعرضت مدن وبنى تحتية حيوية لدمار واسع نتيجة القصف المستمر.

ورغم محاولات الوساطة الدولية المتكررة، لا تزال فرص التوصل إلى اتفاق سلام شاملة محدودة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتبادل الاتهامات بين موسكو وكييف، ما يثير مخاوف متزايدة من إطالة أمد الحرب وتوسع تداعياتها الإنسانية والأمنية على أوروبا والعالم.