أعاد تحقيق حقوقي جديد في مقتل الصحفية اللبنانية أمل خليل أثناء تغطيتها الميدانية في جنوب لبنان فتح ملف حماية الصحفيين في النزاعات المسلحة، بعدما خلصت منظمات حقوقية دولية ولبنانية إلى أن الوقائع المحيطة بالهجوم الذي أودى بحياتها في أبريل الماضي تثير شبهة استهداف مدنيين بصورة متعمدة، وتستوجب تحقيقاً مستقلاً في احتمال ارتكاب جريمة حرب.
ولا تتوقف أهمية النتائج الجديدة عند تحديد ملابسات مقتل صحفية أثناء عملها، بل تمتد إلى سؤال أوسع حول القيمة الفعلية للحماية التي يمنحها القانون الدولي للإعلاميين عندما لا تقترن بتحقيقات قادرة على تحديد المسؤولية عن الهجمات ومحاسبة مرتكبيها.
التحقيقات التي أعلن نتائجها في 6 أغسطس الجاري كل من هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والمفكرة القانونية أعادت بناء ما جرى في بلدة الطيري جنوب لبنان في 22 أبريل، مستندة إلى شهادات شهود وصور ومقاطع مصورة وصور أقمار صناعية وسجلات اتصالات ومعلومات مرتبطة بتسلسل الضربات.
ساعات تحت الأنقاض
كانت خليل، وهي مراسلة في صحيفة «الأخبار»، تعمل برفقة الصحفية زينب فرج عندما استهدفت ضربة أولى مركبة في المنطقة، قبل أن تنتقلا إلى منزل قريب للاحتماء، وتقول التحقيقات إن الموقع الذي لجأت إليه الصحفيتان تعرض لاحقاً للقصف، ما أدى إلى إصابة فرج ومقتل خليل التي بقيت لساعات تحت الأنقاض قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من الوصول إليها.
وهنا تنتقل القضية من واقعة ميدانية إلى مسألة حقوقية وقانونية أكثر تعقيداً، فالمنظمات التي حققت في الحادثة تقول إن الطائرات المسيّرة الإسرائيلية كانت تراقب المنطقة خلال مراحل من العملية، وإن محاولات جرت عبر جهات لبنانية وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» لإبلاغ الجانب الإسرائيلي بموقع الصحفيتين وتأمين وصول فرق الإنقاذ إليهما.
وبناء على إعادة بناء التسلسل الزمني للهجمات والمعلومات المتاحة بشأن وجود الصحفيتين، خلصت المنظمات إلى أن القوات الإسرائيلية كانت تعلم، أو كان ينبغي لها أن تعلم، أنهما مدنيتان، واعتبرت أن الهجوم يستدعي التحقيق باعتباره جريمة حرب محتملة، وتبقى هذه الخلاصة توصيفاً حقوقياً يستند إلى الأدلة التي جمعتها المنظمات وليست حكماً قضائياً نهائياً، وهو فارق أساسي عند تناول القضية مهنياً.
وفي المقابل، يقول الجيش الإسرائيلي إن العملية كانت تستهدف عناصر مرتبطة بحزب الله، وينفي أن تكون لديه سياسة لاستهداف الصحفيين عمداً، كما قال بعد الحادثة إن التقارير المتعلقة بإصابة صحفيين كانت قيد المراجعة، وهذا الموقف يجعل معرفة المعلومات التي كانت متاحة للقوة المنفذة لحظة اتخاذ قرار الهجوم مسألة مركزية في أي تحقيق مستقل.
ولا يكفي لإثبات المسؤولية الجنائية أن يكون صحفي قد قُتل في ضربة عسكرية، بقدر ما يتطلب الأمر تحديد طبيعة الهدف الذي كان مقصوداً، وما إذا كان وضع الموجودين في الموقع معروفاً، ومدى الالتزام بالتحقق من الهدف واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إصابة المدنيين.
القانون وحماية الصحفيين
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة لأن القانون الدولي الإنساني لا يضع الصحفيين خارج المخاطر الطبيعية للعمل في مناطق الحرب، لكنه يمنحهم، طالما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، صفة المدنيين والحماية المترتبة عليها، ولا تتغير هذه الحماية بسبب المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها الصحفي أو خطها السياسي أو طبيعة المواد التي ينشرها؛ فالمعيار القانوني يتعلق بالسلوك والمشاركة المباشرة في العمليات القتالية، وليس بالموقف التحريري.
ومن هنا يصبح السؤال في قضية خليل متعلقاً بما إذا كانت هناك أي وقائع يمكن أن تسقط عنها الحماية المدنية، وهو ما لم تقدمه التحقيقات المنشورة حتى الآن، أو ما إذا كانت قد استُهدفت أثناء ممارسة نشاط صحفي محمي.
وكانت اليونسكو قد أدانت مقتل خليل بعد يومين من الحادثة وطالبت بإجراء تحقيق شامل، مستندة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2222 الخاص بحماية الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام باعتبارهم مدنيين في حالات النزاع المسلح، وسجل مرصد اليونسكو خليل ضمن الصحفيين الذين قتلوا أثناء أداء عملهم في مناطق النزاع، ما وضع القضية منذ بدايتها في إطار يتجاوز الحادث الفردي إلى الالتزام الدولي بحماية العمل الصحفي أثناء الحروب.
إعادة تقييم قرار الاستهداف
لكن التطور الذي حملته تحقيقات أغسطس لا يتعلق فقط بإعادة تقييم قرار الاستهداف، بل أيضاً بما جرى في الساعات التي أعقبت الضربة، فقد أفادت مصادر لبنانية منذ يوم الحادثة بأن فرق الإسعاف والإنقاذ واجهت صعوبات في الوصول إلى الصحفيتين، في حين تقول التحقيقات الحقوقية الجديدة إن طلبات متكررة قُدمت للسماح بوصول المسعفين، وإن خليل بقيت تحت الأنقاض لساعات قبل انتشال جثمانها.
وكانت التقارير الأولية الصادرة في أبريل قد أشارت كذلك إلى اضطرار فرق الإنقاذ إلى وقف عملياتها في مراحل معينة بسبب استمرار الخطر في الموقع، في حين نفى الجيش الإسرائيلي تعمد عرقلة عمليات الإنقاذ.
وهذه الجزئية لا تعد تفصيلاً إنسانياً منفصلاً عن أصل القضية؛ فهي توسع نطاق الأسئلة التي يحتاج أي تحقيق موثوق إلى الإجابة عنها، فإذا كان القانون الدولي يفرض حماية المدنيين أثناء العمليات العسكرية، فإنه يفرض كذلك احترام الجرحى والخدمات الطبية واتخاذ ما يمكن من إجراءات لتسهيل وصول الرعاية إليهم.
وبالتالي فإن تقييم الواقعة بصورة شاملة يفترض ألا يتوقف عند السؤال عمن أصدر أمر الضربة، وإنما يشمل أيضاً ما حدث بعد إصابة الصحفيتين، وما إذا كانت هناك إمكانية لإنقاذ خليل في وقت أبكر، وما الظروف التي حالت دون ذلك.
مخاطر يتعرض لها الصحفيين
ترتبط أهمية القضية بسياق أوسع من المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون العاملون في جنوب لبنان، فمرصد اليونسكو يسجل مقتل عدد من الإعلاميين اللبنانيين خلال عام 2026، في حين أثارت منظمات معنية بحرية الصحافة في مناسبات متعددة مسألة سلامة الصحفيين الذين يغطون العمليات العسكرية في المناطق الحدودية.
وهذا السياق لا يثبت بطبيعته وجود سياسة لاستهداف الإعلاميين، لكنه يجعل التحقيق المستقل في كل واقعة أكثر أهمية، خصوصاً عندما تتكرر حالات سقوط صحفيين أثناء أداء مهامهم ولا تتبعها نتائج علنية واضحة للتحقيقات أو مسارات قضائية قادرة على تحديد المسؤولية.
ومن هذه الزاوية، لا تقتصر حماية الصحفيين على كونها حقاً مهنياً لفئة محددة، بل ترتبط مباشرة بالحق العام في الوصول إلى المعلومات وبقدرة المجتمعات والمؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية على معرفة ما يحدث في مناطق النزاع، فالصحفي الموجود في الميدان لا ينقل الوقائع للجمهور فقط، بل يمكن أن تتحول الصور والشهادات والمعلومات التي يوثقها لاحقاً إلى جزء من الأدلة المستخدمة في التحقيق في الانتهاكات، وكلما أصبح العمل الصحفي أكثر خطورة أو انسحب الإعلاميون من مناطق معينة خوفاً من الاستهداف، تضاءلت بالتوازي قدرة الجهات المستقلة على مراقبة سلوك أطراف النزاع.
اختبار منظومة حماية الصحافة
لهذا فإن القضية التي أعادتها التحقيقات الجديدة إلى الواجهة لا تتعلق فقط بما إذا كانت الضربة التي قتلت أمل خليل قانونية أو غير قانونية، وإنما بالفجوة بين القواعد الدولية الواضحة نسبياً بشأن حماية الصحفيين وبين القدرة على تطبيقها عملياً، فالإدانة الحقوقية أو الدولية يمكن أن تصدر خلال ساعات أو أيام، أما تحديد المسؤولية فيتطلب الوصول إلى سجلات العمليات العسكرية، ومعرفة المعلومات التي كانت أمام من اتخذ قرار الاستهداف، وتحديد تسلسل الأوامر، ومقارنة ذلك بالأدلة الميدانية التي جمعها المحققون.
وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على مقتل خليل، جاءت نتائج التحقيقات الحقوقية لتدفع القضية من جديد من نطاق التوثيق إلى نطاق المطالبة بالمساءلة، فالمنظمات لم تعد تستند فقط إلى حقيقة مقتل صحفية أثناء العمل، بل إلى إعادة بناء لما جرى قبل الهجوم وخلاله وبعده، وهو ما يجعل المطالبة بتحقيق مستقل أكثر إلحاحاً.
وفي نهاية المطاف، فإن الاختبار الحقيقي لحماية الصحفيين لا يكمن في عدد القرارات والمواثيق التي تؤكد صفتهم المدنية، بل في قدرة هذه القواعد على إنتاج نتائج عندما تنتهك: تحقيق مستقل، تحديد للوقائع، ومسؤولية واضحة إذا ثبت أن مدنيين استهدفوا عمداً.
ومن هنا تتحول قضية أمل خليل إلى نموذج لاختبار منظومة حماية الصحافة في النزاعات برمتها؛ فوجود قاعدة قانونية تحظر استهداف الصحفيين لا يكفي إذا انتهت كل واقعة إلى بيانات إدانة من دون الوصول إلى حقيقة ما حدث ومن اتخذ القرار، وبين التحقيقات الحقوقية التي تقول إن الأدلة تشير إلى استهداف مدنيين، والرواية الإسرائيلية التي تنفي تعمد استهداف الصحفيين، تبقى الحاجة قائمة إلى آلية مستقلة تستطيع الانتقال بالقضية من دائرة الروايات المتعارضة إلى دائرة الإثبات والمساءلة.
