يملك المريض وصفة الدواء ويعرف المستشفى الذي يستطيع علاجه وقد يحمل بطاقة تغطية صحية أيضا، لكن الرعاية تظل بعيدة إذا كان عليه أن يدفع من جيبه مبلغا لا يحتمله دخله.
هنا لا يعود السؤال عن وجود الخدمة الصحية فقط، بل عن الثمن الذي تدفعه الأسرة للوصول إليها، وما إذا كانت ستشتري الدواء أم تؤجله، وتجري الفحص أم تنتظر، وتحصل على العلاج أم تضحي بجزء من احتياجاتها الأخرى.
في تونس وموريتانيا، تكشف مستويات الإنفاق الصحي المباشر عن جانب من هذه الفجوة، رغم اختلاف النظام الصحي وحجم الإنفاق والموارد بين البلدين، لتضع الحماية المالية في قلب النقاش حول الحق الفعلي في الصحة.
الإنفاق من جيب المريض
تظهر بيانات قاعدة الإنفاق الصحي العالمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية أن المدفوعات المباشرة التي تتحملها الأسر ما زالت تشكل حصة كبيرة من الإنفاق الصحي في البلدين.
وفي تونس، بلغت حصة هذه المدفوعات نحو 37.94% من إجمالي الإنفاق الصحي عام 2023، مقابل 43.77% في موريتانيا.
وتختلف قدرة النظامين على الإنفاق بصورة واضحة، إذ بلغ الإنفاق الصحي الجاري نحو 7.99% من الناتج المحلي الإجمالي في تونس مقابل 4.34% في موريتانيا، بينما بلغ الإنفاق الصحي للفرد نحو 318 دولارا في تونس و92 دولارا في موريتانيا، وفق قاعدة الإنفاق الصحي العالمية التي حدثتها منظمة الصحة العالمية في مارس 2026.
ولا تعني هذه المؤشرات وحدها أن كل أسرة تتعرض لضائقة مالية، لكنها تكشف مقدار اعتماد تمويل الرعاية على الأموال التي يدفعها المرضى مباشرة عند الحاجة إلى العلاج، بدلا من آليات التمويل المسبق وتقاسم المخاطر.
لماذا تونس وموريتانيا؟
تكمن قيمة المقارنة في الاختلاف لا التشابه، فتونس تمتلك منظومة تأمين وحماية صحية أوسع وإنفاقا صحيا للفرد أعلى بكثير، ومع ذلك تستمر الأسر في تحمل نسبة مرتفعة من الإنفاق مباشرة. أما موريتانيا فتواجه العبء نفسه تقريبا ولكن داخل نظام أقل إنفاقا للفرد، ما يجعل قدرة الأسر الهشة على تحمل الكلفة أكثر حساسية.
وبذلك تقدم الحالتان سؤالين متكاملين: هل يكفي اتساع التأمين إذا بقي المريض يدفع جزءا كبيرا من الكلفة؟ وماذا يحدث عندما يجتمع الإنفاق المباشر المرتفع مع محدودية الموارد الصحية أصلا؟
وتكشف دراسة عن الإنفاق الصحي في تونس، شملت 25,087 أسرة، أن متوسط الإنفاق الصحي المباشر بلغ 824.9 دينار تونسي للأسرة، استحوذت الأدوية وحدها على 488.1 دينار منه.
وأظهرت الدراسة أن 10.6% من الأسر لم تكن تتمتع بتغطية صحية، مقابل 64% مشمولة بالتأمين الصحي الاجتماعي و23.1% ضمن برنامج التغطية الصحية للفقراء.
دفع ثمن أدوية
تكشف الأرقام مفارقة مهمة: قياس عدد المشمولين بالتأمين لا يكفي لقياس الحماية المالية، فقد يمتلك الفرد تغطية صحية لكنه يظل مضطرا إلى دفع ثمن أدوية أو فحوص أو خدمات لا تشملها التغطية بصورة كاملة.
وتزداد المشكلة عندما تكون النفقات متكررة، كما في الأمراض المزمنة، لأن المبلغ الذي يمكن للأسرة تحمله مرة واحدة قد يصبح عبئا كبيرا عندما يتكرر شهريا.
ولا يعني دفع المريض جزءا من كلفة علاجه وجود انتهاك للحق في الصحة تلقائيا، كما لا يفرض القانون الدولي أن تكون جميع الخدمات الصحية مجانية في جميع الظروف، والمعيار الأهم هو إمكانية الوصول.
يتطلب الحق في الصحة أن تكون الخدمات والمرافق والسلع الصحية متاحة ويمكن الوصول إليها دون تمييز، وتشكل القدرة الاقتصادية على تحمل كلفتها جزءا من هذا المعيار.
وتضع منظمة الصحة العالمية الحماية المالية في صميم التغطية الصحية الشاملة، وتعرف هدفها بأنه إزالة العوائق المالية أمام الحصول على الرعاية وحماية الأشخاص من مدفوعات صحية تقوض قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وبذلك تصبح الكلفة مشكلة حقوقية عندما تحول بصورة غير متناسبة بين المريض والرعاية التي يحتاج إليها، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات الأشد هشاشة.
المرض يعاقب الفقير
يرى الخبير القانوني والحقوقي التونسي كمال بن عمر، أن ارتفاع كلفة العلاج لا يشكل في ذاته انتهاكا للحق في الصحة، لكن المشكلة الحقوقية تبدأ عندما تصبح القدرة المالية شرطا فعليا للحصول على الرعاية الضرورية.
ويقول بن عمر، في حديثه لـ«صفر»، إن الحق في الصحة لا يقتصر على وجود الخدمات، بل يتطلب أن تكون متاحة وقابلة للوصول وميسورة وعادلة وغير تمييزية وذات جودة.
وبحسب بن عمر، فإن المريض الذي يؤجل فحصا أو عملية بسبب الكلفة، أو يعجز عن شراء دواء يحتاج إليه بصورة مستمرة، يواجه حاجزا أمام التمتع الفعلي بحقه في الصحة، وتصبح آثاره أشد بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والمصابين بأمراض مزمنة.
الحماية لا تعني العلاج المجاني
يؤكد بن عمر أن مسؤولية الدولة لا تعني بالضرورة تقديم جميع الخدمات الصحية مجانا، وإنما بناء نظام يمنع الكلفة من التحول إلى عائق غير متناسب أمام العلاج الضروري.
وتشمل الأدوات الممكنة توسيع التمويل الجماعي والتأمين الاجتماعي، وتحسين ما تغطيه برامج التأمين فعليا، وحماية الفئات الأضعف من المدفوعات المرتفعة، وضبط كلفة الأدوية والخدمات الأساسية ومراقبة العبء الذي تتحمله الأسر.
وهذا يتفق مع مقاربة منظمة الصحة العالمية التي تشدد على تقليل الاعتماد على الدفع المباشر وقت الحصول على الخدمة وتعزيز آليات التمويل المسبق وتجميع المخاطر.
دفع ثمن المرض
لا تقتصر المشكلة على تونس وموريتانيا، ففي أحدث تقرير عالمي مشترك لمنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، واجه 2.1 مليار شخص ضائقة مالية بسبب الإنفاق الصحي المباشر في 2022، وكان 1.6 مليار منهم يعيشون في الفقر أو دفعهم الإنفاق الصحي إلى الفقر أو عمق فقرهم.
والفجوة شديدة الوضوح بين الفئات الاجتماعية: ففي العام نفسه واجه ثلاثة من كل أربعة أشخاص ضمن الشرائح الأفقر ضائقة مالية مرتبطة بالنفقات الصحية، مقابل أقل من شخص واحد من كل 25 بين الأكثر ثراء، وهذه الأرقام تفسر لماذا لا تكفي زيادة عدد بطاقات التأمين لتحديد نجاح النظام الصحي.
الاختبار الحقيقي للحماية الصحية يبدأ عندما يمرض الإنسان، لا عندما يحصل على بطاقة التأمين، عندها فقط يظهر ما الذي ستدفعه الأسرة فعليا، وما إذا كان الدواء متاحا لها، وهل تستطيع إجراء الفحص في موعده، وكم يتبقى من دخلها بعد انتهاء العلاج.
ولهذا فإن تقليل الإنفاق المباشر، وتوسيع نطاق الخدمات والأدوية المغطاة، وتوجيه الحماية إلى الأسر الأقل دخلا وأصحاب الأمراض المزمنة، ليست إجراءات مالية منفصلة عن الحق في الصحة، بل أدوات لجعله قابلا للممارسة، فالخدمة الموجودة في المستشفى لا تحمي مريضا لا يستطيع الوصول إليها، والدواء الموجود على رف الصيدلية لا يؤدي وظيفته الصحية إذا كان ثمنه هو الحاجز بينه وبين من يحتاج إليه.

