منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

غوتيريش من شنغهاي: مستقبل الذكاء الاصطناعي يتوقف على العدالة والمشاركة العالمية

18 يوليو 2026
غوتيريش خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي بمدينة شنغهاي الصينية
غوتيريش خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي بمدينة شنغهاي الصينية

حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من مخاطر اتساع فجوات التنمية وعدم المساواة بين الدول نتيجة التوسع المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، داعياً الحكومات وشركات التكنولوجيا الكبرى إلى بناء شراكة دولية تضمن استفادة جميع دول العالم من هذه الثورة التقنية.

وأكد أن مستقبل الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا تحدده مجموعة محدودة من الدول أو الشركات، بل يجب أن يشارك في صياغته المجتمع الدولي بأكمله.

وجاءت تصريحات غوتيريش خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي بمدينة شنغهاي الصينية، بحسب ما أورده موقع أخبار الأمم المتحدة، حيث وصف الذكاء الاصطناعي بأنه الفرصة الأكبر أمام البشرية خلال القرن الحادي والعشرين، لكنه في الوقت نفسه اعتبره من أخطر التحديات التي قد تواجه العالم إذا غابت الضوابط الدولية والتعاون المشترك في إدارة هذه التكنولوجيا المتقدمة.

مستقبل يصنعه الجميع

أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن التطورات التقنية المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي تفرض ضرورة التوصل إلى نموذج عالمي أكثر عدالة في الحوكمة والإدارة، مشيراً إلى أن التكنولوجيا التي ستؤثر في مستقبل الإنسانية يجب أن تعكس مصالح البشرية جمعاء.

وشدد على أن جميع الدول، بغض النظر عن حجمها الاقتصادي أو قدراتها التقنية، تمتلك الحق في المشاركة في صياغة القواعد المنظمة لهذا القطاع الحيوي.

ورأى غوتيريش أن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تبقى تحت سيطرة عدد محدود من القوى الكبرى أو الشركات العالمية؛ لأن القرارات المرتبطة بهذه التكنولوجيا ستنعكس بصورة مباشرة على الاقتصادات والمجتمعات وأسواق العمل ومستقبل التنمية في مختلف أنحاء العالم.

خطوات أممية متسارعة

سلط غوتيريش الضوء على الجهود التي قادتها الأمم المتحدة خلال الفترة الماضية لتطوير إطار عالمي ينظم استخدامات الذكاء الاصطناعي ويعزز التعاون الدولي بشأنه. وأشار إلى اعتماد الميثاق الرقمي العالمي، إلى جانب إنشاء الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي بدعم من الجمعية العامة للأمم المتحدة، في خطوة وصفها بأنها الأولى من نوعها على المستوى العالمي لتوفير مرجعية علمية مستقلة لهذه التكنولوجيا.

كما أشار إلى انعقاد أول دورة للحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في مدينة جنيف خلال وقت سابق من الشهر الجاري، حيث شاركت حكومات ومؤسسات وخبراء من مختلف أنحاء العالم في مناقشات مفتوحة هدفت إلى بناء رؤية مشتركة لإدارة الذكاء الاصطناعي ومعالجة التحديات المرتبطة به.

وتسعى الأمم المتحدة من خلال هذه المبادرات إلى تعزيز تبادل الخبرات والمعارف بين الدول، وتطوير معايير دولية مشتركة، إلى جانب دعم مشاركة الدول النامية في رسم السياسات المستقبلية الخاصة بالذكاء الاصطناعي بدلاً من الاكتفاء بدور المتلقي للتكنولوجيا.

مخاطر الفجوة الرقمية

ورغم الإمكانات الكبيرة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، حذر غوتيريش من أن توزيع القدرات التقنية والاستثمارات العالمية لا يزال غير متوازن، وأوضح أن ثلث سكان العالم ما زالوا خارج نطاق الاتصال بالإنترنت، في حين تتركز الموارد الحاسوبية المتقدمة والخبرات المتخصصة والاستثمارات الضخمة في عدد محدود من الدول والشركات.

وأكد أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تعميق الفجوات القائمة بين الدول المتقدمة والنامية، ما ينعكس على مستويات الدخل وفرص العمل والأمن والتنمية الاقتصادية، وأضاف أن العالم يواجه اختباراً حقيقياً يتمثل في ضمان استفادة الجميع من التحولات التقنية الجارية بدلاً من تكريس واقع جديد يوسع دائرة التفاوت بين الشعوب.

وفي هذا السياق، كشف الأمين العام للأمم المتحدة أن أكثر من عشرين دولة، منها الصين، رشحت بالفعل مراكز وطنية للانضمام إلى شبكة عالمية تهدف إلى تبادل الخبرات وتعزيز التعاون في بناء القدرات بمجال الذكاء الاصطناعي، وهي مبادرة تحظى بدعم مباشر من الأمم المتحدة.

صندوق عالمي لدعم القدرات

أعلن غوتيريش عزمه طرح توصيات جديدة خلال الفترة المقبلة بشأن إنشاء صندوق عالمي للذكاء الاصطناعي، بهدف مساعدة الدول على تطوير قدراتها التقنية والاستفادة من الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة.

 ودعا الحكومات إلى دعم هذه المبادرة إلى جانب شبكة بناء القدرات الدولية، معتبراً أن التعاون المالي والتقني يمثل عاملاً أساسياً لضمان توزيع أكثر عدالة لمكاسب الذكاء الاصطناعي.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مرحلة التعهدات السياسية إلى خطوات عملية ملموسة تساعد الدول على بناء البنية التحتية الرقمية وتطوير الكفاءات البشرية اللازمة للتعامل مع هذه التقنيات المتقدمة.

ثلاثة مسارات رئيسية

وحدد الأمين العام للأمم المتحدة ثلاث أولويات رئيسية لضمان استفادة جميع الدول من الذكاء الاصطناعي. وتتمثل الأولوية الأولى في تعزيز القدرات الوطنية للدول النامية، ما يمكنها من تطوير أنظمة تعتمد على بياناتها المحلية ولغاتها وثقافاتها الخاصة، أما الأولوية الثانية فتتمثل في وضع معايير دولية واضحة للسلامة وإدارة المخاطر المرتبطة باستخدامات الذكاء الاصطناعي. في حين تركز الأولوية الثالثة على تقليل الآثار البيئية لهذه التكنولوجيا وتعزيز استدامتها.

كما دعا الحكومات إلى تبني آليات مشتركة لاختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي وتقييم مخاطرها وفقاً لمبادئ القانون الدولي، مشدداً على أهمية حماية حقوق الإنسان في جميع مراحل تطوير واستخدام هذه التقنيات.

وأكد غوتيريش ضرورة بقاء القرار البشري في القضايا المصيرية المرتبطة بالحياة والموت، كما شدد على أهمية التأكد من سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل إتاحتها للأطفال أو دمجها في البيئات التعليمية والاجتماعية الموجهة لهم.

الاستدامة البيئية في صلب النقاش

وفي جانب آخر من كلمته، ركز الأمين العام للأمم المتحدة على البعد البيئي المرتبط بالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، داعياً الشركات الكبرى العاملة في هذا المجال إلى الإفصاح عن حجم البصمة البيئية لأنظمتها ومراكز بياناتها. كما طالب هذه الشركات بالاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في تشغيل عملياتها بحلول عام 2030.

ودعا الحكومات إلى دمج احتياجات الذكاء الاصطناعي من الطاقة النظيفة ضمن خططها الوطنية الخاصة بالطاقة والتنمية المستدامة، مؤكدا أن التوسع في التقنيات الحديثة يجب أن يتزامن مع حماية البيئة وخفض الانبعاثات الكربونية.

يشهد العالم سباقاً متسارعاً في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي منذ إطلاق نماذج الذكاء التوليدي واسعة الانتشار خلال السنوات الأخيرة، ما دفع الحكومات والمنظمات الدولية إلى تكثيف النقاشات المتعلقة بحوكمة هذه التكنولوجيا، وتتركز المخاوف العالمية حول قضايا الخصوصية والأمن السيبراني والتضليل المعلوماتي وتأثير الأتمتة في الوظائف، إضافة إلى اتساع الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والنامية.

وفي المقابل، يتوقع خبراء الاقتصاد والتكنولوجيا أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق قفزات كبيرة في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والزراعة والصناعة، الأمر الذي يجعل التوصل إلى إطار دولي متوازن لإدارة هذه التكنولوجيا أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الدولي خلال العقود المقبلة.