منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عمل في الحقول بلا حماية كافية.. عاملات الزراعة في لبنان خارج مظلة قانون العمل

12 سبتمبر 2026
موظفو الإغاثة خلف القضبان.. مدنيون في اليمن يدفعون كلفة تعطيل المساعدة
موظفو الإغاثة خلف القضبان.. مدنيون في اليمن يدفعون كلفة تعطيل المساعدة

عرفت المزارعة اللبنانية زينب مهدي الأرض قبل أن تعرف النزوح، وتنتمي إلى عائلة توارثت العمل الزراعي جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت العائلة تمتلك مزرعة تقارب عشرة دونمات في الناقورة جنوب لبنان، تزرع فيها الخضروات والأفوكادو والزيتون والحمضيات وتحافظ على بذور بلدية توارثتها المواسم.

دفعت الحرب زينب البالغة 51 عاماً، إلى مغادرة الناقورة نحو مدينة صور في أبريل 2024، بعدما فقدت عائلتها أرضاً ومحاصيل ومصدر رزق، لكنها لم تترك الزراعة، ففي صور أصبحت تشرف على مشروع “بذور صور” الذي درب أكثر من 400 امرأة نازحة على الزراعة العضوية والحفاظ على البذور البلدية.

قصة زينب تظهر امرأة تعرف الزراعة وتمارسها وتشرف على نقل خبرتها إلى أخريات، لكنها تفتح سؤالاً يتجاوز تجربتها إلى التالي: متى تتحول إسهامات المرأة في الأرض إلى عمل معترف به يمنحها دخلاً وحقوقاً وحماية؟ ومتى يبقى جزء منها داخل اقتصاد الأسرة أو العمل غير المنظم؟

نساء يزرعن أكثر مما تظهره السجلات

تقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” إن الاعتراف بدور النساء في الزراعة اللبنانية لا يزال ضعيفاً رغم إسهاماتهن الكبيرة، وتشير إلى أنهن يمثلن ما يصل إلى 43% من القوة العاملة الزراعية، ويقضين ساعات طويلة في أعمال مثل الزراعة وإزالة الأعشاب والحصاد والتصنيع، إلى جانب دورهن في تربية المواشي.

العمل في الحقل لا يعني الظهور في السجل

في المقابل، تظهر بيانات سجل المزارعين الذي تعمل عليه وزارة الزراعة أن نحو 17,500 امرأة مسجلات من أصل 85 ألف مزارع، أي نحو 20.6%، وفق ما أفاد به وزير الزراعة اللبناني نزار هاني في حديث لـ”صفر“.

ولا تعني المقارنة بين النسبتين أن أكثر من نصف العاملات غير مسجلات؛ إذ يقيس كل رقم فئة مختلفة، لكنها تكشف أهمية التمييز بين العمل في الزراعة والتسجيل بصفة مزارعة، فالمرأة قد تعمل في مزرعة الأسرة دون أجر، أو تعمل موسمياً، أو تزرع أرضاً ليست مسجلة باسمها، من دون أن يمنحها ذلك بالضرورة صفة مهنية مستقلة.

وهنا تظهر أربع دوائر لا تعني إحداها الأخرى تلقائياً: العمل في الأرض، والتسجيل بصفة مزارعة، وملكية الأرض أو حيازتها، والحصول على حماية مرتبطة بالعمل.

عمل عائلي لا يعني دخلاً مستقلاً

يقول محمد الحسيني المزارع ورئيس تجمع مزارعي جنوب لبنان: “إن الزراعة في المناطق الجبلية اعتمدت تاريخياً على أفراد الأسرة بوصفهم جزءاً أساسياً من اليد العاملة، قبل أن يتراجع هذا النمط مع انخفاض مردود الزراعة وزيادة الاعتماد على العمالة المأجورة في بعض المحاصيل”.

لكن النساء، بحسب الحسيني، ما زلن يشاركن في أعمال زراعية متعددة، خصوصاً في المشاريع التي تديرها العائلات بنفسها.

أربع دوائر لا تعني إحداها الأخرى

وتظهر هنا إحدى المناطق الأقل وضوحاً في العمل الزراعي النسائي، فالمرأة قد تشارك في الزراعة والري والحصاد والفرز والتوضيب والتصنيع والبيع، لكن العمل داخل مشروع الأسرة لا يعني بالضرورة حصولها على أجر مستقل أو امتلاكها الأرض أو التحكم في عائد الإنتاج.

ويقر وزير الزراعة نزار هاني بوجود معوقات أمام النساء الريفيات تشمل ضعف حيازة الأراضي بأسمائهن والعمل العائلي غير المعلن وصعوبة الوصول إلى التمويل والتدريب والأسواق.

ويقول: ” تعتمد الوزارة المساواة في الوصول إلى برامجها، وتعمل على تسجيل النساء بصفتهن مزارعات ومنتجات فعليات وليس فقط على أساس ملكية الأرض، إلى جانب جمع بيانات مصنفة بحسب الجنس والعمر والمنطقة والنشاط ودعم التعاونيات والمؤسسات النسائية وتسهيل الوصول إلى التمويل والمعدات والإرشاد الزراعي”.

لكن أثر هذه السياسات لا يقاس بعدد المسجلات وحده، بل بما إذا كان الاعتراف الإداري يترجم إلى وصول فعلي إلى الموارد والدخل والقرار الاقتصادي.

خارج مظلة قانون العمل

تتجاوز الفجوة مسألة التسجيل إلى الحماية القانونية نفسها، فقد قالت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز ضد المرأة “سيداو” في ملاحظاتها الختامية بشأن لبنان عام 2022 إنها تأسف لأن قانون العمل لا يشمل بعد عمال الزراعة، وأوصت بتعديل القانون لمد الحماية إليهم، إلى جانب تعزيز وصول النساء الريفيات إلى الموارد الاقتصادية والأرض والائتمان والتكنولوجيا والأسواق والحماية الاجتماعية.

وتكشف وثائق لبنان المقدمة إلى اللجنة أن السلطات نفسها أقرت بوجود هذه الفجوة؛ إذ أشارت إلى أن اللجنة الوطنية لشؤون المرأة ووزارتي العمل والزراعة كانت تدرس مقترحات لتمكين العمال الزراعيين من الاستفادة من قانون العمل أو قانون بديل، والعمل على إتاحة مزايا الضمان الاجتماعي لهم.

وتصبح الفجوة أكثر حساسية بالنسبة إلى العاملات الموسميات أو النساء اللواتي يعملن داخل مزارع الأسرة من دون أجر أو علاقة عمل واضحة؛ لأن الاعتراف بوجود المرأة في الحقل لا يساوي تلقائياً الاعتراف بها بوصفها عاملة تتمتع بحقوق مرتبطة بعملها.

ويرى أستاذ القانون الدولي الدكتور صلاح الرقاد أن استبعاد العاملات الزراعيات من جوانب الحماية القانونية والاجتماعية يثير إشكالاً حقوقياً؛ لأن الحق في العمل والحماية الاجتماعية ينبغي أن يكفل من دون تمييز بسبب طبيعة العمل أو مكانه.

ويضيف الرقاد لـ”صفر” أن العمل غير المدفوع داخل الأسرة ينبغي ألا يحجب إسهامات المرأة الاقتصادية، وأن معالجة الفجوة تتطلب إطاراً يضمن العمل اللائق والحماية الاجتماعية وعدم التمييز.

الاعتراف يبدأ من العمل لا من ملكية الأرض

لا تقدم البيانات المتاحة صورة كاملة عن عدد النساء اللواتي يعملن في الزراعة دون عقد أو أجر مستقل أو تغطية اجتماعية، وهو نقص في البيانات يصبح في ذاته عقبة أمام قياس حجم الفجوة وتقييم أثر السياسات الموجهة لمعالجتها.

وفي 2026 أطلقت “الفاو” نطاقاً إحصائياً جديداً للنوع الاجتماعي في النظم الزراعية والغذائية، مؤكدة أن جعل الفوارق مرئية وقابلة للقياس شرط لتتبعها ومعالجتها، في ظل استمرار معوقات هيكلية أمام النساء في العمل والدخل والوصول إلى الموارد والفرص.

 

متى تصبح العاملة الراعية أكثر هشاشة؟

بالنسبة إلى زينب، لم تنتهِ علاقتها بالأرض عندما غادرت الناقورة، وجدت في صور أرضاً أخرى تزرعها وتنقل عبرها خبرتها إلى مئات النساء، لكن قصتها تذكر أيضاً بأن معرفة المرأة بالزراعة وقدرتها على الإنتاج لا تجيب وحدها عن موقعها القانوني والاقتصادي داخل القطاع.

فالمرأة التي تزرع وتحصد وتنتج لا تحتاج فقط إلى اسم في سجل أو فرصة في مشروع، الاعتراف الكامل بعملها يبدأ عندما يصبح الجهد الذي تقدمه مرئياً في القانون والبيانات، ومتصلاً بحقوق واضحة في الدخل والموارد والحماية الاجتماعية، عندها لا تعود المرأة “مساعدة” في أرض الأسرة، بل عاملة ومنتجة لها حقوق بقدر ما عليها من عمل.