منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عام على وقف إطلاق النار.. انتهاكات متواصلة لحقوق الإنسان في غزة

12 أكتوبر 2026
انتهاكات متواصلة لحقوق الإنسان في غزة
انتهاكات متواصلة لحقوق الإنسان في غزة

كشفت الذكرى الأولى لدخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ عن فجوة واسعة بين الإعلان عن إنهاء الحرب والواقع الذي يعيشه الفلسطينيون، مع استمرار الهجمات الإسرائيلية، وتوسع المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية، وبقاء ملايين الأشخاص في ظروف إنسانية قاسية.

وأكد أكثر من 100 منظمة إنسانية وحقوقية، في بيان مشترك نشرته منظمة العفو الدولية، الجمعة، أن وقف إطلاق النار “موجود بالاسم فقط”، مشيرة إلى استمرار سقوط الشهداء والجرحى، وعدم تلبية الاحتياجات الأساسية لملايين الفلسطينيين، رغم مرور عام على بدء سريان الاتفاق.

ووفقاً للبيان، استشهد أكثر من 1400 فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، بينهم ما لا يقل عن 327 طفلاً، وأصيب أكثر من 5 آلاف شخص، وتوضح هذه الأرقام أن الاتفاق لم يُنهِ الخطر الذي يواجه المدنيين، ولم يضع حداً للأزمة الإنسانية التي خلفتها الحرب.

وفي السياق نفسه، نشرت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية تقريراً بعنوان “وقف إطلاق النار القائم على سياسة الأرض المحروقة في غزة”، تناول استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والهدم وإطلاق النار في مناطق مختلفة من القطاع، رغم الاتفاق المعلن.

ونقلت الصحيفة عن وزارة الصحة في غزة أن أكثر من 1400 فلسطيني استشهدوا منذ بدء وقف إطلاق النار، بينهم ما لا يقل عن 300 طفل وأكثر من 120 امرأة، كما أشارت إلى أن إسرائيل تسيطر على أكثر من 60% من مساحة القطاع.

هجمات متواصلة ووعود لم تتحقق

ترصد التقارير الحقوقية استمرار الهجمات الإسرائيلية وعمليات هدم المباني، ما يقوض الآمال في أن يؤدي وقف إطلاق النار إلى حماية المدنيين وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية.

ونقلت “فاينانشال تايمز” عن أمجد عراقي، من مجموعة الأزمات الدولية، تقييمه بأن وقف إطلاق النار يوفر غطاءً دبلوماسياً لاستمرار الاحتلال، في حين يرفض الجيش الإسرائيلي هذا الوصف.

وتشير وكالة “أسوشيتد برس” إلى أن التقدم في تنفيذ البنود الرئيسية للاتفاق ظل متعثراً، وأن كثيراً من الالتزامات لم تُنفذ، في حين لا يزال أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في ظروف قاسية، مع محدودية أعمال إعادة الإعمار.

وامتدت المطالبات بوقف الحرب والضغط من أجل حماية الفلسطينيين إلى خارج القطاع.

وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن نحو 250 ألف شخص شاركوا في مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في لندن في 10 أكتوبر 2026، وفقاً لتقديرات المنظمين، مطالبين الحكومة البريطانية بوقف مبيعات الأسلحة.

وجاءت المظاهرة في سياق مرور ثلاثة أعوام على هجمات 7 أكتوبر 2023 والحرب التي تلتها، وليس باعتبارها فعالية مخصصة للذكرى السنوية لوقف إطلاق النار.

المأوى تحت وطأة الدمار

يحتاج قرابة مليوني فلسطيني في غزة إلى المأوى، بحسب البيان المشترك للمنظمات الإنسانية والحقوقية، في ظل الدمار الواسع الذي أصاب المنازل والمباني والبنية التحتية. ويشير البيان إلى أن أكثر من 80% من المباني تضررت، وأن نحو ثلثي المباني دُمّرت بالكامل.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم العقبات التي تحول دون عودة السكان إلى مساكنهم، خصوصاً مع استمرار الهدم ومحدودية دخول مواد البناء اللازمة لإصلاح المنازل المتضررة أو إنشاء مساكن بديلة.

وتوضح منظمة هيومن رايتس ووتش أن 94% من سكان القطاع يفتقرون إلى مأوى ملائم، استناداً إلى مسح شمل نحو ألفي أسرة أجراه تجمع المأوى الفلسطيني.

ويختلف هذا المؤشر عن تقدير عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مأوى، لكنه يعكس اتساع نطاق الأزمة حتى بين الأسر التي تجد مكاناً للإقامة من دون أن تتوافر لها ظروف سكن مناسبة.

وتتجاوز آثار الدمار فقدان المنازل إلى تعريض السكان لمخاطر إضافية، فقد أوردت هيومن رايتس ووتش أن انهيار مبنى في مدينة غزة خلال سبتمبر 2026 أدى إلى استشهاد 21 شخصاً، بينهم 12 طفلاً، في واقعة تسلط الضوء على الأخطار التي تهدد السكان وسط تضرر المباني واستمرار الظروف الإنسانية الصعبة.

منظومة صحية خارج طاقتها

تواجه المنظومة الصحية في غزة عجزاً واسعاً عن تلبية احتياجات السكان، بعد الأضرار التي لحقت بالمستشفيات والمرافق الطبية واستمرار الهجمات على الرعاية الصحية.

وأفادت هيومن رايتس ووتش بأنه لا يوجد مستشفى في القطاع يعمل بكامل طاقته، مشيرة إلى أن 35 مستشفى ومستشفى ميدانياً من أصل 57 كانت تعمل جزئياً.

وسجلت منظمة الصحة العالمية، وفقاً لما أوردته هيومن رايتس ووتش، 56 هجوماً على الرعاية الصحية بين يناير وأغسطس 2026. ويعني استمرار هذه الهجمات، إلى جانب نقص الموارد وتعطل أجزاء من المنظومة الصحية، أن المرضى والمصابين يواجهون صعوبات إضافية في الحصول على العلاج.

التعليم في مواجهة الدمار

لا تقتصر آثار الحرب على المستشفيات؛ إذ تشير هيومن رايتس ووتش إلى أن 93% من المدارس في غزة دُمّرت أو تضررت.

ويهدد هذا الدمار قدرة الأطفال على العودة إلى التعليم، ويزيد الأعباء التي تتحملها الأسر التي فقدت مساكنها أو مصادر دخلها وتواجه صعوبة في تلبية احتياجاتها الأساسية.

الأمن الغذائي تحت الضغط

يظل انعدام الأمن الغذائي أحد أبرز التحديات التي تواجه سكان القطاع، في ظل الاحتياجات الواسعة والقيود التي تعرقل وصول الإمدادات الإنسانية.

ويقدّر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن نحو 1.4 مليون شخص سيواجهون مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند المرحلة الثالثة أو أعلى، خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2026.

ويعبّر هذا الرقم عن تقدير للفترة المحددة، وليس إحصاءً ثابتاً لجميع سكان القطاع طوال العام، وتشير المرحلة الثالثة أو أعلى إلى مواجهة الأسر صعوبات حادة في الحصول على الغذاء، مع تراجع قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.

وتتداخل أزمة الغذاء مع نقص المأوى وتدهور الخدمات الصحية؛ إذ لا تستطيع الأسر التي فقدت منازلها أو مصادر دخلها تحمل أعباء إضافية، في حين يظل توفير الغذاء والمياه والرعاية الطبية مرتبطاً بقدرة الجهات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين وإدخال الإمدادات اللازمة.

تقلص المساحة المتاحة للسكان

تشير “فاينانشال تايمز” إلى أن السيطرة الإسرائيلية تمتد إلى أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، في ظل استمرار العمليات العسكرية والهدم والقيود المفروضة على الحركة في مناطق مختلفة، وذكرت هيومن رايتس ووتش أن المنطقة الواقعة داخل الخط الأصفر باتت تشكل نحو 64% من مساحة القطاع.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إنسانية في ظل اكتظاظ السكان في المساحات المتاحة لهم وحاجتهم إلى المأوى والخدمات الأساسية، كما أن استمرار الهدم وتقييد الوصول إلى مناطق واسعة يزيدان صعوبة عودة السكان إلى منازلهم، ويعقدان جهود إعادة بناء البنية التحتية واستعادة الخدمات.

ولا يمكن فصل هذه الأوضاع عن حجم الاحتياجات المالية واللوجستية اللازمة للتعافي؛ إذ يتطلب إصلاح المنازل والمرافق الصحية والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي موارد ضخمة، فضلاً عن ضرورة توافر الظروف التي تسمح بتنفيذ أعمال الإغاثة وإعادة الإعمار على نطاق واسع.

الإبادة الجماعية

خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في تقرير صدر في سبتمبر 2025، إلى أن السلطات و القوات الإسرائيلية ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.

كما تناولت اللجنة، في مواد نشرتها في يونيو 2026، الاستهداف المتعمد للأطفال الفلسطينيين، وخلصت إلى أن الأفعال التي بحثتها تشكل جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

وتظل هذه الاستنتاجات منسوبة إلى لجنة التحقيق الأممية، ولا ينبغي عرضها باعتبارها حكماً قضائياً نهائياً صادراً عن محكمة.

إعادة الإعمار

قدّر تقييم مشترك للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي، أُعلن في أبريل 2026، احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات.

ويعكس هذا التقدير حجم الأضرار التي لحقت بالمباني والبنية التحتية والخدمات، فضلاً عن الاحتياجات اللازمة لاستعادة النشاط الاقتصادي والحياة اليومية.

وتتجاوز إعادة الإعمار إعادة بناء المنازل المدمرة؛ إذ تشمل إصلاح المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي، واستعادة الخدمات الأساسية، وتوفير الظروف التي تسمح للسكان بالعيش بأمان وكرامة.

بعد عام على بدء وقف إطلاق النار، تكشف الأرقام عن فجوة واسعة بين الاتفاق المعلن والواقع الذي يعيشه الفلسطينيون في غزة، فلا يزال استشهاد الفلسطينيين وإصابتهم مستمرين، ويحتاج ملايين الأشخاص إلى المأوى، في حين يعجز القطاع الصحي عن العمل بكامل طاقته، وتواجه الأسر أزمات الغذاء والسكن والخدمات الأساسية.

ولا يتوقف إنهاء الأزمة عند تثبيت وقف إطلاق النار، بل يتطلب حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتوفير المأوى والغذاء والعلاج، وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة الإعمار، إلى جانب المساءلة عن الانتهاكات التي وثّقتها الجهات الحقوقية والأممية.