منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ضحايا صراع النفوذ الدولي.. المدنيون في مالي بين الحرب وانتهاك الحقوق

13 يوليو 2026
المدنيون في مالي يدفعون ثمن الصراع
المدنيون في مالي يدفعون ثمن الصراع

بينما تتنافس القوى الدولية والإقليمية على النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي، يواصل المدنيون في مالي دفع الثمن الأكبر لحرب تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، لتتحول إلى أزمة حقوق إنسان متعددة الأبعاد.

ومع تصاعد هجمات الجماعات المسلحة، واتساع العمليات العسكرية للقوات الحكومية وحلفائها، وانحسار آليات الحماية الدولية، أصبحت حياة ملايين الماليين رهينة لعنف لا يميز بين مقاتل ومدني، وسط تراجع فرص المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب.

وإجمالاً لم تعد الأزمة في مالي مجرد صراع أمني، بل باتت نموذجاً لتداخل الحسابات الجيوسياسية مع الانتهاكات الحقوقية، في ظل تنافس على النفوذ بين فاعلين دوليين وإقليميين، مقابل تآكل مستمر لحقوق المدنيين الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة والأمن والغذاء والتعليم وحرية التعبير.

وتشير التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 3.8 مليون شخص في مالي يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، نتيجة استمرار النزاع المسلح وتداعياته الاقتصادية والمناخية، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب انعدام الأمن، خصوصاً في ظل تورط جميع أطراف النزاع في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.

ووفق أحدث تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش (غير حكومية، مقرها نيويورك)، شهدت مالي منذ تصاعد المواجهات في أبريل 2026 عمليات قتل خارج نطاق القانون وهجمات عشوائية ونهباً للممتلكات واستهدافاً لمخيمات النازحين، نفذتها جماعات مسلحة إسلامية، إلى جانب القوات الحكومية وحلفائها، في حين ظل الضحايا محرومين من العدالة والمحاسبة.

استمرار استهداف المدنيين

تقول منظمات حقوقية دولية إن الوضع الحقوقي في مالي شهد تدهوراً ملحوظاً خلال العام الماضي، مع استمرار استهداف المدنيين من قبل الجماعات المسلحة، وتورط القوات الحكومية والقوات الأجنبية المتحالفة معها في عمليات قتل تعسفي واعتقالات تعسفية واختفاءات قسرية، فضلاً عن التضييق على وسائل الإعلام والمعارضين السياسيين.

ولم تتوقف آثار الحرب عند سقوط الضحايا، بل امتدت إلى موجات نزوح واسعة، إذ تشير البيانات إلى نزوح أكثر من 737 ألف شخص داخل مالي أو اللجوء إلى دول الجوار، في حين يواجه نحو 1.5 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل تعطل الزراعة وإغلاق الطرق وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق واسعة من البلاد.

وتحذر وكالات الأمم المتحدة من أن استمرار القتال يهدد بانهيار الخدمات الأساسية، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم، حيث أغلقت مدارس ومراكز صحية في العديد من المناطق نتيجة انعدام الأمن، ما يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم والرعاية الصحية.

ويرى مراقبون أن الأزمة المالية لم تعد تقتصر على مواجهة الجماعات المسلحة، بل أصبحت جزءاً من صراع نفوذ دولي في منطقة الساحل، خاصة بعد انسحاب القوات الفرنسية، وتعزيز السلطات العسكرية تعاونها الأمني مع روسيا، وإنهاء بعثة الأمم المتحدة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي.

غير أن تغير التحالفات العسكرية لم ينعكس على أوضاع المدنيين، إذ تؤكد المنظمات الحقوقية أن الانتهاكات استمرت، بل تصاعدت في بعض المناطق، مع غياب التحقيقات المستقلة واستمرار الإفلات من العقاب.

ويؤكد خبراء حقوق الإنسان أن تراجع الحريات العامة، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية، يضاعف من هشاشة المدنيين، ويحد من قدرة الضحايا على توثيق الانتهاكات أو المطالبة بالإنصاف، ومع استمرار غياب المساءلة الدولية وتراجع آليات الحماية وتفاقم الأزمة الإنسانية، تبدو مالي أمام تحد يتجاوز إنهاء القتال، ليصل إلى ضرورة إعادة الاعتبار للقانون الدولي الإنساني وضمان حماية المدنيين ومحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات.

تقاطع المصالح الإقليمية

يرى الباحث في القضايا الاجتماعية والإنسانية بإفريقيا، الدكتور علي محمود كلني، أن المدنيين في مالي باتوا الضحية الأولى لحرب مفتوحة وصراع نفوذ دولي متصاعد، مؤكداً أنه مع كل موجة جديدة من العنف، تتجدد المأساة الإنسانية التي يعيشها ملايين الماليين، في حين تتراجع قضيتهم تدريجياً إلى هامش الاهتمام الدولي.

وأوضح كلني، في حديثه لـ”صفر”، أن شمال ووسط مالي شهدا مؤخراً هجمات منسقة نفذتها جماعات مسلحة ومتطرفة، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وأجبرت آلاف الأسر على النزوح، في استمرار لدائرة عنف لا تلوح في الأفق مؤشرات حقيقية على اقتراب نهايتها.

وأضاف أن هذه الهجمات، وهي الثانية خلال أقل من شهرين، تأتي في سياق تصعيد ميداني متواصل يعكس هشاشة الوضع الأمني، وتنامي قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات واسعة النطاق، في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على توفير الحماية الكافية للسكان، وتتفاقم الأعباء الإنسانية على المجتمعات المحلية.

واستدرك: “لكن الأزمة في مالي لم تعد مجرد نزاع داخلي، بل تحولت إلى ساحة لتنافس جيوسياسي تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية، وهو ما أضفى على الصراع أبعاداً أكثر تعقيداً، وجعل المدنيين يدفعون ثمن حسابات تتجاوز حدود بلادهم”.

وأوضح كلني، أنه منذ توجه السلطات العسكرية في باماكو إلى تعزيز شراكتها مع روسيا وتقليص حضور الشركاء الغربيين، دخلت مالي مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والدبلوماسي، انعكست بصورة مباشرة على مسار الأزمة، في بقيت معاناة المدنيين القاسم المشترك والثابت الوحيد وسط تغير التحالفات وتبدل موازين النفوذ.

وأكد أن محدودية الحراك الدولي تثير تساؤلات جدية حول مدى التزام المجتمع الدولي بمبدأ المساواة في حماية الضحايا، بعيداً عن اعتبارات التحالفات السياسية وموازين النفوذ، لافتاً إلى أنه بينما يتبادل أطراف النزاع الاتهامات بشأن مسؤولية استمرار الحرب، يبقى المدنيون خارج حسابات الصراع، محرومين من الأمن والخدمات الأساسية، ويواجهون يومياً مخاطر التهجير والجوع وانهيار سبل العيش.

وشدد على أن حماية السكان المدنيين يجب أن تظل التزاماً غير قابل للمساومة، بصرف النظر عن طبيعة الأطراف المتحاربة أو مواقفها السياسية، محذراً مما سماه بـ”الصمت الدولي”؛ لأنه لن يوقف نزيف الدم، ولن يوفر الحماية لملايين المدنيين الذين يعيشون يومياً تحت وطأة الهجمات المسلحة والنزوح القسري رهينة للتجاذبات السياسية.

تراجع الاهتمام الدولي

من جانبه، قال الباحث الموريتاني محمد السالك ولد داهي، إن مالي تعيش منذ أكثر من عقد أزمة مركبة تتداخل فيها التحديات الأمنية مع الانقسامات السياسية والتنافس الدولي، في حين ظل المدنيون الخاسر الأكبر في هذا المشهد المعقد.

وأوضح ولد داهي، في حديثه لـ”صفر”، أن العمليات العسكرية وهجمات الجماعات المسلحة، وتدهور الأوضاع الإنسانية، أدت إلى نزوح مئات الآلاف من السكان، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، في ظل اتهامات متكررة لجميع أطراف النزاع بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، الأمر الذي فاقم معاناة السكان وأضعف فرص الوصول إلى حلول مستدامة.

ويرى أن حجم الاهتمام الدولي بالأزمة المالية لا يزال دون مستوى الكارثة الإنسانية التي يعيشها المدنيون، مشيراً إلى أن هذا التراجع يعود إلى جملة من العوامل، في مقدمتها انشغال المجتمع الدولي بأزمات وصراعات أخرى، إلى جانب صعوبة الوصول الميداني إلى العديد من المناطق المتضررة.

وأضاف أن التحولات التي شهدتها باماكو في علاقاتها الخارجية، ولا سيما تقاربها مع روسيا وتراجع حضور الشركاء الغربيين، ألقت بظلالها على طبيعة التفاعل الدولي مع الأزمة، وجعلت الاعتبارات الجيوسياسية تتقدم في كثير من الأحيان على الأولويات الإنسانية.

وشدد على أن حماية المدنيين يجب أن تظل التزاماً قانونياً وأخلاقياً لا يخضع لحسابات الاصطفاف السياسي أو صراع النفوذ بين القوى الكبرى، مؤكداً أن القانون الدولي الإنساني يفرض على جميع أطراف النزاع احترام حقوق السكان المدنيين وضمان حمايتهم، بصرف النظر عن طبيعة التحالفات أو المواقف السياسية.

وأشار إلى أن إنهاء المأساة في مالي لن يتحقق عبر المقاربة العسكرية وحدها، بل يتطلب تسوية سياسية شاملة تقوم على الحوار الوطني، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتحقيق التنمية في المناطق المهمشة، وضمان احترام حقوق الإنسان، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها.

واختتم ولد داهي بتأكيد أن المجتمع الدولي مطالب بالاضطلاع بدور أكثر فاعلية في دعم الاستقرار وحماية المدنيين، مؤكداً أن استمرار النزاع لا يهدد مالي وحدها، بل ينعكس بصورة مباشرة على أمن واستقرار منطقة الساحل وغرب إفريقيا بأسرها، ويزيد من مخاطر انتشار الجماعات المسلحة واتساع موجات النزوح وتفاقم الأزمات الإنسانية في الإقليم.

صراع جيوستراتيجي محتدم

بقوله إن “التدخل الروسي في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والذي جاء عقب سلسلة الانقلابات العسكرية، قدم باعتباره بديلاً قادراً على إنهاء نشاط الجماعات المتطرفة والإرهاب”، فسر أستاذ القانون الدولي في فرنسا، الدكتور مجيد بودن، هذا الطرح بأنه أظهر في الواقع نتائج مغايرة لما تم ترويجه.

وأوضح بودن في حديثه لـ”صفر” أن مرور عدة سنوات على تنامي الحضور الروسي في المنطقة لم يؤدِّ إلي الحد من الهجمات الإرهابية، بل شهدت هذه الجماعات توسعاً في نطاق عملياتها، وتمكنت من بسط نفوذها على مناطق واسعة، في ظل استمرار التدهور الأمني وتراجع قدرة الحكومات على فرض سيطرتها الكاملة على أراضيها.

وأضاف أن الوجود الروسي جاء ليحل محل النفوذ الفرنسي، مستنداً إلى خطاب يقوم على رفض الإرث الاستعماري الفرنسي، والدفاع عن سيادة الدول الإفريقية وحق شعوبها في تقرير مصيرها، “لكن الواقع يكشف أن هذه الوعود لم تتحقق، بل إن المنطقة تعيش اليوم مستويات غير مسبوقة من التوتر وعدم الاستقرار، وهو ما يوفر بيئة خصبة لتوسع التنظيمات الإرهابية وتعزيز نفوذها”.

ويرى أن ما يُقدم باعتباره دعماً لسيادة الدول الإفريقية تحكمه في المقام الأول اعتبارات استراتيجية واقتصادية، موضحاً أن الدعم العسكري والدبلوماسي لا يأتي بمعزل عن مصالح روسيا في المنطقة، وفي مقدمتها الوصول إلى الثروات الطبيعية وموارد التعدين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

وأكد أن ما تشهده منطقة الساحل اليوم يعكس صراعاً جيوستراتيجياً بين قوى دولية تتنافس على النفوذ والموارد، في حين تجد الدول الإفريقية نفسها في موقع هش، نتيجة ما تعانيه من أزمات داخلية، وانتشار الجماعات المسلحة، وضعف مؤسسات الدولة، وهو ما يحد من قدرتها على ممارسة سيادتها بصورة كاملة.

وأضاف أن استعادة الاستقرار في مالي والنيجر وبوركينا فاسو تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول العسكرية، وتقوم على تعزيز مؤسسات الدولة، ودعم التنمية المستدامة، وتمكين المجتمعات المحلية، ما يضمن معالجة الأسباب البنيوية للصراع، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه الأمنية.

واختتم بودن بتأكيد أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مطالبان بالاضطلاع بدور أكثر فاعلية في مساندة دول الساحل على استعادة الاستقرار، عبر مقاربة متوازنة تجمع بين حماية المدنيين، ودعم مؤسسات الدولة، وتحقيق التنمية، ما يمنح شعوب المنطقة فرصة حقيقية للخروج من دوامة العنف والصراعات التي أنهكتها لسنوات طويلة.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print