منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

شهادات معلّقة وأحلام مؤجلة.. جيل «زد» يدفع ثمن تسليع التعليم

24 أكتوبر 2026
شهادات معلّقة وأحلام مؤجلة.. جيل «زد» يدفع ثمن تسليع التعليم
شهادات معلّقة وأحلام مؤجلة.. جيل «زد» يدفع ثمن تسليع التعليم

يفقد أبناء الجيل”زد” الثقة في الوعود التي يقدمها التعليم الجامعي، ولديهم أسباب وجيهة لذلك.. فأكبر فئة من البرامج الجامعية لا تحقق عائداً على الاستثمار، في حين تفرض الجامعات اليوم رسوماً دراسية ومصروفات تصل إلى 100 ألف دولار سنوياً، وتغرق أعداد قياسية من الشباب في ديون القروض الطلابية، في حين تتراجع نسبة الأمريكيين الذين يرون أن التعليم الجامعي مهم للغاية إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.

ويمثل هذا التراجع مراجعة صحية، تأخرت كثيراً، لنظام أقنع الشباب لعقود بأن النجاح ينتظرهم بعد أربع سنوات من الدراسة واستثمار مالي من ستة أرقام.

قرر أليخاندرو رودريغيز أن يمتهن مهنة فني سيارات بورش بدلاً من الالتحاق بكلية لمدة أربع سنوات.
قرر أليخاندرو رودريغيز أن يمتهن مهنة فني سيارات بورش بدلاً من الالتحاق بكلية لمدة أربع سنوات.

قال أليخاندرو رودريجيز لصحيفة “نيويورك بوست”: “تتمسك الأجيال الأكبر سناً بقوة بمسار التعليم الجامعي؛ لأنه كان في السابق أقل تكلفة بكثير.. كانوا قادرين على الالتحاق بالجامعة مقابل نحو 15 ألف دولار، وهو ما يعادل تقريباً تكلفة فصل دراسي واحد الآن”.

وكان رودريجيز، البالغ من العمر 20 عاماً، من مدينة هيوستن بولاية تكساس، طالباً متفوقاً في مقررات المستوى المتقدم عندما تخرج من المدرسة الثانوية قبل عامين، لكنه اختار التخلي عن المسار الجامعي التقليدي، والتحق بدلاً من ذلك بمعهد “يونيفرسال تكنيكال إنستيتيوت”، ويعمل حالياً متدرباً فنياً لدى شركة بورشه، ويأمل في التدرج في المناصب داخل هذا المجال.

وتؤكد الأرقام صحة ما يقوله رودريجيز بشأن تكلفة التعليم الجامعي، فقد تضاعفت تكلفة الحصول على شهادة جامعية من جامعة حكومية تمتد الدراسة فيها أربع سنوات، بعد احتساب التضخم، منذ عام 1995 فقط.

ويغرق الأمريكيون اليوم تحت وطأة ديون قياسية من القروض الطلابية الفيدرالية تبلغ 1.7 تريليون دولار، وينتمي رودريجيز إلى عدد متزايد من الشباب الذين يتجهون إلى مسارات بديلة؛ إذ ارتفع الالتحاق ببرامج الشهادات المهنية بما يعادل عشرة أضعاف معدل الالتحاق بالبرامج الجامعية التقليدية التي تستغرق أربع سنوات، بين عامي 2025 و2026.

ولا عجب في ذلك، بالنظر إلى الأوضاع التي يواجهها الخريجون، فهناك 31% من طلاب الجامعات الأمريكية يلتحقون ببرامج لا تحقق عائداً إيجابياً على الاستثمار، ويقول ثلثا المقترضين من أبناء الجيل Z إن ديونهم أخرت تحقيق محطة رئيسية في حياتهم، في حين يشعر 82% منهم بالقلق بشأن سداد هذه الديون.

ولا تقتصر الأسباب التي تدفع الطلاب إلى الابتعاد عن التعليم الجامعي على تكلفته؛ إذ أصبح العثور على وظيفة بعد التخرج مهمة شاقة أيضاً.

تصدر خريج حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة برينستون عناوين الصحف هذا الشهر لتقديمه طلبات لأكثر من 2000 وظيفة دون جدوى.
تصدر خريج حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة برينستون عناوين الصحف هذا الشهر لتقديمه طلبات لأكثر من 2000 وظيفة دون جدوى.

ولنتأمل حالة جاك وايس، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة برينستون، والذي أخبر صحيفة “وول ستريت جورنال” مؤخراً بأنه تقدم لشغل 2300 وظيفة دون أن يحصل على أي منها.

واليوم، يعيش وايس، البالغ من العمر 30 عاماً، عاطلاً عن العمل مع والديه، رغم حصوله على شهادة من إحدى جامعات رابطة آيفي ليج المرموقة.

ووفقاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، فإن الميزة التقليدية التي كان يتمتع بها خريجو الجامعات حديثاً عند البحث عن عمل تتلاشى تدريجياً منذ سنوات.

ويشهد الشباب العاملون الذين لا يحملون شهادات جامعية مستويات بطالة تقترب من أدنى معدلاتها القياسية، في حين يواجه أقرانهم الحاصلون على شهادات جامعية بعضاً من أسوأ نتائج التوظيف خلال العقدين الماضيين.

كما توصل باحثون إلى أن 45% من خريجي الجامعات يعملون، بعد مرور عشر سنوات على تخرجهم، في وظائف لا تتطلب الشهادة التي حصلوا عليها.

ووفقاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، فإن ما يقرب من نصف الخريجين الجدد يعانون من “نقص التوظيف”، أي إن مؤهلاتهم التعليمية تفوق ما تتطلبه الوظائف التي يشغلونها بالفعل.

يتزايد الإقبال على برامج الشهادات بوتيرة أسرع بكثير من برامج الكليات التقليدية.
يتزايد الإقبال على برامج الشهادات بوتيرة أسرع بكثير من برامج الكليات التقليدية.

واختارت جاسمين جوبي، البالغة من العمر 22 عاماً وتعمل مساعدة طبيب أسنان، عدم الالتحاق ببرنامج جامعي مدته أربع سنوات، وفضلت بدلاً من ذلك دراسة برنامج لتأهيل مساعدي أطباء الأسنان مدته ثمانية أشهر في معهد “كونكورد”.

وانتهى الأمر بعيادة الأسنان التي تدربت فيها خلال فترة التدريب العملي إلى تعيينها بدوام كامل، واليوم، يتخرج معظم أصدقائها من الجامعات، ويلجأ بعضهم إليها طلباً للنصيحة بشأن كيفية العثور على وظيفة.

وقالت: “شعرت بأن بدء بناء شبكة من العلاقات المهنية والحصول على موطئ قدم في هذا المجال أكثر أهمية بالنسبة إليّ من قضاء أربع سنوات وإنفاق الكثير من المال للحصول على شهادة، فالطريقة التي يُنظَّم بها التعليم الثانوي تقوم على رسالة مفادها: انظروا، ستلتحقون بالجامعة، وستقضون فيها أربع سنوات، ثم ستفعلون ما تريدون بشهادتكم. وبصراحة، أعتقد أنه ينبغي توضيح المسارات الأخرى أمام هؤلاء الطلاب أيضاً”.

تقول ياسمين جوبي إن زملاءها الذين التحقوا بالجامعة يطلبون منها نصائح مهنية.
تقول ياسمين جوبي إن زملاءها الذين التحقوا بالجامعة يطلبون منها نصائح مهنية.

ومن الصحيح أن التعليم الجامعي تحول، على مدى الجيلين الماضيين، من امتياز إلى مسار افتراضي متوقع في ثقافتنا، وأصبح أكثر تكلفة بكثير خلال هذه العملية، فقد وُعد الشباب بأن الشهادة الجامعية هي مفتاح النجاح، لكن عندما يحصل الجميع على الشهادات، لا يعود أحد يتمتع بميزة حقيقية.

وكان تآكل ثقة الجمهور في التعليم العالي كارثياً، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “جالوب” في أكتوبر 2026 أن نسبة الأمريكيين الذين يرون أن التعليم الجامعي “مهم للغاية” تراجعت إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 31%، بعد أن كانت 75% في عام 2010 فقط.

*نقلاً عن نيويورك بوست

ترجمة: زينب مكي