تُعد جزر الكناري واحدة من أبرز نقاط العبور للهجرة غير النظامية نحو الاتحاد الأوروبي، بحكم موقعها الجغرافي قبالة السواحل الإفريقية، ما جعلها مساراً رئيسياً للقادمين من غرب إفريقيا باتجاه إسبانيا.
وخلال السنوات الأخيرة، تحوّلت الجزر إلى مركز ضغط إنساني وسياسي، إذ تواجه السلطات الإسبانية تحدي التعامل مع تدفقات المهاجرين وطالبي اللجوء، في وقت تحاول فيه بروكسل توحيد سياسات الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي عبر ميثاق اللجوء والهجرة الجديد.
وتسعى السياسة الأوروبية الجديدة إلى تحقيق توازن بين تعزيز مراقبة الحدود الخارجية للاتحاد، وتسريع إجراءات اللجوء، وتوزيع مسؤولية استقبال المهاجرين بين الدول الأعضاء، بعد سنوات من الخلافات حول عبء الهجرة غير النظامية.
ميثاق اللجوء والهجرة الأوروبي
دخل ميثاق اللجوء والهجرة الأوروبي مرحلة التنفيذ بهدف إعادة تنظيم طريقة تعامل الدول الأوروبية مع طالبي اللجوء والمهاجرين الذين يصلون بطرق غير نظامية.
ويعتمد النظام الجديد على إجراءات الفحص الأولي عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، حيث يخضع القادمون دون تأشيرات أو تصاريح إقامة لتقييم الهوية والأسباب التي دفعتهم إلى طلب الحماية.
ويتيح الميثاق إجراءات حدودية سريعة لبعض الحالات التي ترى السلطات أن فرص قبول طلباتها منخفضة، مع إبقاء الأشخاص في مناطق مخصصة قرب الحدود خلال فترة دراسة الملفات.
وترى المفوضية الأوروبية أن هذه الإجراءات تهدف إلى منع استغلال نظام اللجوء من قبل شبكات التهريب، وتسريع القرارات المتعلقة بالطلبات، مع الحفاظ على الضمانات القانونية الأساسية.
وفي المقابل، تحذّر منظمات حقوقية، منها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، من أن تطبيق الإجراءات الحدودية يجب ألّا يؤدي إلى تقليص حق الأشخاص في طلب اللجوء أو إضعاف مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يمنع إعادة أي شخص إلى مكان يواجه فيه خطر الاضطهاد أو التعرض للانتهاكات.
ضغط متزايد على جزر الكناري
تمثل جزر الكناري حالة خاصة داخل منظومة الهجرة الأوروبية، إذ تستقبل أعداداً كبيرة من الوافدين مقارنة بحجمها السكاني وقدراتها الاستيعابية.
وتواجه السلطات المحلية تحديات مرتبطة بإيواء المهاجرين، وتوفير الرعاية الصحية، وتسريع إجراءات تحديد الوضع القانوني، خاصة مع وصول أعداد كبيرة من القوارب الصغيرة خلال فترات زمنية قصيرة.
ويحذّر مسؤولون محليون من أن استمرار الضغط قد يؤدي إلى زيادة العبء على مراكز الاستقبال والخدمات العامة، خصوصاً إذا بقيت الجزر نقطة التجميع الأساسية للمهاجرين الذين ينتظرون قرارات اللجوء أو الترحيل.
ويطالب المسؤولون الإسبان بزيادة التضامن الأوروبي، وتطبيق آليات أكثر عدلاً لتقاسم المسؤولية بين الدول الأعضاء بدلاً من ترك العبء الأكبر على دول الحدود الجنوبية.
قوارب الموت.. الوجه الأخطر للهجرة
رغم تشديد الرقابة البحرية، لا تزال رحلات القوارب الصغيرة مستمرة عبر الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري، وهو أحد أخطر مسارات الهجرة في العالم.
وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن هذا المسار شهد خلال السنوات الماضية حالات وفاة وفقدان بسبب طول الرحلة، وضعف القوارب المستخدمة، واعتماد المهاجرين على شبكات تهريب غير آمنة.
ولا يقتصر الخطر على الرحلة البحرية فقط، إذ يواجه بعض المهاجرين مخاطر الاستغلال والابتزاز والعنف أثناء وجودهم في أيدي المهربين.
وترى منظمات حقوق الإنسان أن الحد من الوفيات لا يمكن أن يتحقق عبر الإجراءات الأمنية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى معالجة أسباب الهجرة، وتوسيع طرق الهجرة القانونية، وتعزيز برامج الحماية.
بين أمن الحدود وحقوق الإنسان
تؤكد إسبانيا والاتحاد الأوروبي أن ضبط الحدود ومواجهة شبكات التهريب جزء أساسي من حماية الأرواح ومنع استغلال المهاجرين.
وفي المقابل، تشدد المنظمات الحقوقية على أن إدارة الهجرة يجب أن تظل مرتبطة بالالتزامات الدولية، خصوصاً حماية طالبي اللجوء وضمان حصولهم على إجراءات عادلة.
ويتركز الجدل حول جزر الكناري في سؤال أساسي: هل تستطيع أوروبا بناء نظام هجرة أكثر تنظيماً دون تحويل المناطق الحدودية إلى أماكن انتظار طويلة أو مراكز احتجاز مفتوحة؟
وتبقى الإجابة مرتبطة بقدرة الاتحاد الأوروبي على الجمع بين ثلاثة عناصر رئيسية: حماية الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وضمان حقوق الإنسان.

