كيرستي بريميلو*
يقال إنه لا توجد مرآة أصدق لروح أي مجتمع من الطريقة التي يعامل بها أطفاله. وقد انتهى مجلس نقابة المحامين في إنجلترا وويلز للتو من مراجعة متخصصة بشأن الحد الأدنى لسن المسؤولية الجنائية. واليوم، لا يزال هذا السن عند العاشرة، وهو الأدنى في أوروبا، ولذلك أوصينا برفعه إلى 14 عاماً.
كان ينبغي لمجتمعنا أن يتجاوز أفكار القرن التاسع عشر، حين كان شارلز ديكنز يهاجم الظلم الذي يخيم على حياة الأطفال. لكن الغضب الذي عبّر عنه ديكنز تجاه القانون والمجتمع بسبب قسوتهما على الأطفال لا يزال مألوفاً حتى يومنا هذا. فما زالت إنجلترا وويلز من بين الدول القليلة التي تلجأ إلى نظام العدالة الجنائية للتعامل مع أطفال صغار تسببوا في إلحاق الأذى بالآخرين.
فبموجب القانون الحالي، يمكن احتجاز طفل يبلغ من العمر عشر سنوات لدى الشرطة بعد القبض عليه، ليخضع للإجراءات والظروف نفسها التي يخضع لها أي مشتبه به بالغ. ويواجه الأطفال فترات الاحتجاز الأولية ذاتها المطبقة على الكبار. وخلال العام المنتهي في مارس/آذار 2024، احتُجز 45% من الأطفال الذين ألقي القبض عليهم طوال الليل، في حين تشير الدراسات إلى أن متوسط مدة احتجازهم بلغ نحو إحدى عشرة ساعة ونصف الساعة.
والأخطر من ذلك أن الأطفال يواجهون صعوبة حقيقية في استيعاب المتطلبات الذهنية المعقدة التي تفرضها منظومة العدالة الجنائية، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للإيحاء والانصياع والموافقة على ما يُملى عليهم أثناء التحقيقات. ومهما جرى تعديل الإجراءات القانونية لتناسب أعمارهم، فإن الأطفال يظلون عاجزين في كثير من الأحيان عن المشاركة الفعلية في الإجراءات، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول عدالة الأحكام التي تصدر بحقهم.
خذوا على سبيل المثال ديلان -وهو اسم مستعار- الذي تجاوز الثلاثين من عمره اليوم، وكان هذا العام يسعى مجدداً للحصول على حريته بعد أن أعيد إلى السجن للمرة السادسة بسبب مخالفات لشروط الإفراج المرتبط بعقوبة صدرت بحقه عندما كان في الثالثة عشرة من عمره.
كان ديلان في الثانية عشرة عندما هرب من دار لرعاية الأطفال، ثم اقترب برفقة شقيقه من امرأة وطلب منها سيجارة. وعندما رفضت، حاولا انتزاع حقيبتها، فسقطت أرضاً قبل أن يلوذا بالفرار. وانتهت الواقعة بمحاكمته وإدانته، ثم احتجازه وإخضاعه لعقوبة “الاحتجاز من أجل حماية المجتمع”، وهي النسخة المخصصة للأطفال من عقوبة السجن غير محددة المدة التي ثبت لاحقاً أنها معيبة للغاية.
في ذلك الوقت، لم يكن يدرك أن تلك العقوبة ستلقي بظلالها على معظم العقدين التاليين من حياته.
أنهى ديلان دراسته الثانوية داخل مركز الاحتجاز، وأُفرج عنه قبل بلوغه الثامنة عشرة. وتمكن أحياناً من الاستقرار داخل المجتمع، لكن كلما واجه أزمة شخصية، كانت صدمات طفولته المبكرة، وصعوبة العثور على سكن مناسب، تتداخل مع قبضة نظام العدالة الجنائية التي لم تتركه يوماً.
وبسبب تلك العقوبة، كان يمكن إعادته إلى السجن بسهولة حتى دون ارتكاب جريمة جديدة، بل لمجرد عدم إقامته في نزل معتمد. وأخيراً، اعترفت هيئة الإفراج المشروط هذا العام بأن العقوبة نفسها أصبحت سبباً رئيسياً في تكرار إعادته إلى السجن، إذ ارتبطت المخالفات بعدم التزامه بالشروط أكثر من ارتباطها بأي خطر حقيقي على المجتمع. وبعد ما يقرب من عشرين عاماً على صدور الحكم، حصل أخيراً على الإفراج غير المشروط. صحيح أن هذه العقوبات ألغيت عام 2012، لكن كثيراً ممن صدرت بحقهم لا يزالون خاضعين لها حتى اليوم.
وحتى إذا لم يبقَ الطفل تحت طائلة شروط الإفراج، فإن وصمة المرور عبر منظومة العدالة الجنائية تظل تلاحقه وتثقل مستقبله.
الحقيقة التي تؤكدها الأدلة هي أن إدخال الأطفال إلى نظام العدالة الجنائية يزيد احتمالات عودتهم إلى ارتكاب الجرائم، ولا يقللها. فبيانات وزارة الداخلية البريطانية تظهر أن ثلثي الأحداث الجانحين يعودون إلى ارتكاب جرائم جديدة، وأن 80% من المجرمين البالغين المعتادين دخلوا نظام العدالة لأول مرة وهم أطفال.
كما أن هذا النظام لا يؤثر في جميع الأطفال بالقدر نفسه، إذ يمثل الأطفال ذوو الإعاقة، وأبناء الأقليات العرقية، نسبة أكبر من حجمهم الطبيعي داخل منظومة العدالة. كذلك فإن الأطفال الذين سبق لهم التعامل مع مؤسسات الرعاية الاجتماعية أكثر عرضة للإدانة أو تلقي إنذارات جنائية. وغالبية الأطفال الموجودين داخل النظام القانوني تعرضوا في طفولتهم لصدمات قاسية، منها العنف، والاعتداءات الجنسية والجسدية، وإصابات الدماغ، وغياب أحد الوالدين أو وفاته.
وخلال العام المنتهي في مارس/آذار 2025، أُدين 1590 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عاماً، لكن 22 طفلاً فقط صدرت بحقهم أحكام بالاحتجاز الفوري. أما الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و12 عاماً ودخلوا نظام العدالة لأول مرة، فقد بلغ عددهم 233 طفلاً، ولم يُحتجز منهم سوى طفل واحد.
وهذا يعني أن حالات احتجاز الأطفال نادرة للغاية، وبالتالي فإن البدائل خارج منظومة العدالة الجنائية تستحق أن تؤخذ على محمل الجد. فحين تقرر المحكمة في النهاية أن الطفل لا يحتاج إلى السجن، يكون الأوان قد فات؛ لأنه يكون قد مر بالفعل بكل مراحل النظام الجنائي.
إن البرامج التي تحول الأطفال بعيداً عن منظومة العدالة الجنائية لا تؤدي إلى زيادة معدلات الجريمة بينهم، بل تثبت فائدتها للأطفال وللمجتمع معاً؛ لأنها تقلل احتمالات ارتكاب الجرائم مستقبلاً، وتمثل استخداماً أكثر كفاءة للمال العام.
لقد ظل الحد الأدنى لسن المسؤولية الجنائية في إنجلترا وويلز ثابتاً لأكثر من ستة عقود، في حين لم تتوقف المعرفة العلمية عن التطور. واليوم تؤكد الأدلة أن دماغ المراهق يتمتع بدرجة عالية من المرونة العصبية، تجعله أكثر تأثراً بالبيئات السلبية، لكنه في الوقت نفسه أكثر قدرة على التغير الإيجابي وإعادة البناء.
ولهذا، لا يجوز للقانون أن يظل جامداً في حين تتقدم المعرفة العلمية.
إن حماية الطفولة وحماية المجتمع ليستا هدفين متعارضين، بل هما في نهاية المطاف مهمة واحدة.
فعدالة أي نظام قانوني لا تُقاس بمدى سرعة معاقبته للأطفال، وإنما بقدرته على حماية مستقبلهم بحكمة.
*نقلاً عن الجارديان
