منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رغم حماية القانون..آلاف الأطفال في تونس يغادرون مقاعد المدرسة

10 أكتوبر 2026
رغم حماية القانون..آلاف الأطفال في تونس يغادرون مقاعد المدرسة
رغم حماية القانون..آلاف الأطفال في تونس يغادرون مقاعد المدرسة

ثلاث سنوات كاملة فصلت آلاء منصوري عن مقعدها الدراسي في تونس، خرجت من المدرسة في الرابعة عشرة تحت وطأة ضغوط الأقران والشعور بعدم الأمان، ثم عادت عبر برنامج “الفرصة الثانية” لتقلب مسار الحكاية، ففي يوليو/ تموز 2026، حققت المرتبة الأولى وطنياً في امتحان شهادة ختم التعليم الأساسي التقني “النوفيام” بمعدل 14.52 من 20.

نجاة آلاء من الانقطاع الطويل تكشف، في المقابل، حجم المشكلة أكثر مما تخفيه، ففي بلد يمتلك منذ ثلاثة عقود مجلة متخصصة لحماية الطفل، ويشغل برامج لإعادة المنقطعين إلى التعليم، ما زال عشرات الآلاف من الأطفال يغادرون المدارس سنوياً، في حين لا يجد بعضهم بديلاً تعليمياً واضحاً.

بين هذين الوجهين تتحرك القضية؛ منظومة قانونية تقول إن الطفل محمي، وواقع يضع قدرة هذه الحماية على الوصول إليه قبل خروجه من المدرسة أمام اختبار حقيقي.

 آلاف الأطفال يغادرون المدرسة سنويا

عشرات الآلاف يغادرون المدرسة

بحسب الأمم المتحدة في تونس، استفاد نحو 7 آلاف يافع بين 12 و18 عاماً من خدمات برنامج “الفرصة الثانية” عبر مساري: “معاك”، و”انطلق”، حتى أغسطس/ آب 2026، في حين افتتح فرع خامس للبرنامج في باجة بطاقة تصل إلى 500 مستفيد سنوياً.

لكن حجم الانقطاع أكبر بكثير، فاليونيسف تشير إلى أن نحو 63 ألفاً إلى 100 ألف طفل يتركون المدرسة سنوياً في تونس، وأن قرابة 30 ألفاً منهم لا يملكون بديلاً تعليمياً واضحاً، في حين لا يكمل 27% من الأطفال المرحلة الأولى من التعليم الثانوي.

وتتسع الفجوة مع الفقر؛ فالأطفال يمثلون 42% من الفقراء في تونس رغم أنهم يشكلون نحو 27% من السكان، وتقل فرص الأطفال في الأسر الأفقر في إكمال تعليمهم مقارنة بأقرانهم الأكثر ثراءً.

"الفرصة الثانية".. طريق للعودة إلى التعليم

قانون عمره ثلاثة عقود

لا تفتقر تونس إلى إطار قانوني لحماية الأطفال، فمنذ عام 1995 تعمل بمجلة حماية الطفل التي تعد كل من لم يتجاوز 18 عاماً طفلاً، وتجعل “المصلحة الفضلى للطفل” أساساً للقرارات المتعلقة به، وتلزِم بحمايته من العنف والإهمال والاستغلال والاعتداء.

وتعتمد المنظومة على مندوبي حماية الطفولة الذين يمكنهم التدخل عند وجود خطر على سلامة الطفل الجسدية أو النفسية، واتخاذ إجراءات للحماية أو إحالة الملف إلى قاضي الأسرة. لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، بات تحديث المجلة مطروحاً لمواكبة مخاطر لم تكن حاضرة بالقدر نفسه عند صدورها، بينها العنف المدرسي والرقمي وحماية الأطفال ذوي الإعاقة والأطفال في الحركة.

وتشير وثائق حقوقية وأممية إلى فجوة تتعلق بمفهوم “الطفل الضحية“، في حين يتضمن مشروع تحديث المجلة أحكاما لحماية الطفل الضحية والشاهد خلال مراحل العدالة. كما دعت الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل في أغسطس/آب 2026 إلى تخصيص باب للطفل الضحية ومواكبة المخاطر التي أوجدها توسع استخدام الفضاء الرقمي.

حين تصبح المدرسة مكاناً غير آمن

لا يرتبط الانقطاع بالفقر وحده، ففي يناير/ كانون الثاني 2026 وثق المرصد الاجتماعي التونسي حالات عنف داخل مؤسسات تعليمية أو في محيطها، بينها اقتحامات وتهديدات وبلاغات عن اعتداءات جنسية، مع التأكيد أن الحالات المرصودة لا تمثل إحصاءً وطنياً شاملاً للعنف المدرسي.

وتربط اليونيسف بين العنف المدرسي والانقطاع عن الدراسة والهجرة غير النظامية، في حين أظهرت نتائج المسح الوطني حول العنف في الوسط المدرسي معدلات مقلقة من الإساءة الجسدية والنفسية، وهنا تعود تجربة آلاء؛ فقد قالت في شهادتها المنشورة لدى الأمم المتحدة إن الشعور بعدم الأمان في محيط المدرسة كان من أصعب ما واجهته قبل الانقطاع.

ويرى الحقوقي التونسي كريم عبد السلام، في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن المشكلة لا تكمن في غياب التشريعات بقدر ما تكمن في الفجوة بين النص والتطبيق.

ويقول إن ثلاثة عقود من التشريعات لم تحدث النقلة المطلوبة، معتبراً أن “النصوص القانونية” لا تكفي من دون توعية وتربية وثقافة وآليات رسمية تقوم على الوقاية قبل وقوع الضرر. كما يربط بين مخاطر الطفولة والفقر والتحولات التي أحدثتها وسائل التواصل والفضاء الرقمي.

الفقر يضغط على حق الطفل في التعليم

الفقر يدفع الأطفال خارج التعليم

تقدر اليونيسف أن نحو 4% من الأطفال بين 5 و17 عاماً يعملون، في حين أظهر آخر مسح وطني متخصص في عمل الأطفال، والمنجز عام 2017، نسبة بلغت 7.9%، ارتفعت في المناطق الريفية إلى 15.7%. وتبقى هذه بيانات قديمة نسبياً، ما يكشف بدوره الحاجة إلى مؤشرات أحدث تساعد في تحديد الفئات الأكثر عرضة للانقطاع والاستغلال.

ولمواجهة أثر الفقر وسعت تونس برامج الحماية الاجتماعية. وبحسب تقرير لليونيسف، باتت منحة شهرية قدرها 30 ديناراً تغطي أكثر من 420 ألف طفل بين 6 و18 عاماً من الأسر محدودة الدخل، ويصل العدد إلى نحو 600 ألف بإضافة الأطفال دون السادسة، في حين استفاد أكثر من 2800 طفل من ذوي الإعاقة من منحة إضافية.

وفي 2025 أعيد إدماج 1096 يافعاً من المنقطعين عن الدراسة في التعليم أو التكوين المهني، واستفاد نحو 12 ألف طفل من خدمات متعددة التخصصات، كما أعلنت الحكومة في أغسطس/ آب 2026 رصد 67 مليون دينار إضافية للمساعدات الاجتماعية المرتبطة بالعودة المدرسية والجامعية، إلى جانب مساعدات مالية وعينية ومجانية النقل لبعض المستفيدين.

القانون وحده لا يكفي

ويقول الحقوقي أحمد الصاوي، المتخصص في قضايا حقوق الطفل، لـ”صفر” إن جودة النصوص القانونية لا تعني بالضرورة وصول الحماية إلى الطفل، وإن ضمان الحقوق يحتاج إلى منظومة متكاملة “تبدأ بالأسس التشريعية وتستكمل بالمتابعة والتطبيق والمحاسبة والتقويم والإصلاح”.

ويرى الصاوي أن الفقر والظروف التي تواجه الأسرة والمجتمع تنعكس مباشرة على حق الطفل في التعليم والصحة والرعاية، داعياً إلى دعم الأسر ورفع الوعي باعتبارهما جزءاً من حماية حقوق الأطفال.

وبين القانون وبرامج الدعم ومندوبي الحماية ومسارات إعادة الإدماج، تمتلك تونس أدوات متعددة لحماية الأطفال، في حين تتجه الإصلاحات خلال 2026 إلى تحديث مجلة حماية الطفل وتوسيع الخدمات ومواجهة العنف المدرسي والرقمي. لكن الأرقام تكشف أن الامتحان الأصعب ليس في وجود النص أو البرنامج، بل في قدرته على الوصول إلى الطفل في الوقت المناسب.

آلاء منصوري وجدت طريق العودة بعد ثلاثة أعوام خارج المدرسة، وحولتها “الفرصة الثانية” من طفلة منقطعة عن التعليم إلى الأولى وطنياً في مسارها، لكن حق التعليم ينبغي ألا ينتظر دائماً فرصة ثانية. فالاختبار الحقيقي لمنظومة حماية الطفل ليس فقط قدرتها على إعادة طفل إلى المدرسة بعد أن يغادرها، بل قدرتها على الوصول إليه قبل أن يضطر إلى المغادرة أصلاً.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية