تُعد العاملات المنزليات المهاجرات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أكثر الفئات العمالية عرضة للهشاشة، إذ تتقاطع ظروف عملهن مع ثغرات قانونية، وأنظمة استقدام تقيد حركتهن، وضعف آليات الحماية والرقابة.
ورغم اعتماد العديد من الاقتصادات العربية على هذه الفئة في تلبية احتياجات الأسر، فإن تقارير حقوقية وشهادات ميدانية لا تزال توثق أنماطاً متكررة من الانتهاكات في بعض البلدان، تشمل عدم دفع الأجور، وساعات العمل الطويلة، والعنف الجسدي والنفسي، والاعتداءات الجنسية، إضافة إلى مصادرة الوثائق الشخصية والقيود المفروضة على حرية التنقل.
وتدفع الأوضاع الاقتصادية الصعبة في العديد من الدول المصدرة للعمالة النساء إلى البحث عن فرص عمل خارج بلدانهن، حيث يصبح قطاع الخدمة المنزلية أحد الخيارات المتاحة، خصوصاً للنساء محدودات التعليم أو المهارات المهنية.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن ارتفاع معدلات البطالة في بعض الدول العربية يدفع مزيداً من النساء إلى أسواق العمل الخارجية، في وقت يستمر فيه قطاع العمل المنزلي في استيعاب ملايين العاملات القادمات من جنوب وجنوب شرق آسيا وإفريقيا.
الضعف القانوني للعاملات
رغم الإصلاحات التي شهدتها بعض الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، فلا تزال أنظمة مرتبطة بالإقامة القائمة على صاحب العمل تشكل أحد أبرز مصادر الضعف القانوني للعاملات المنزليات.
ويربط هذا النظام الوضع القانوني للعامل غالباً بصاحب العمل، ما قد يمنح الأخير نفوذاً واسعاً على قدرة العاملة في تغيير الوظيفة أو مغادرة البلاد أو الوصول إلى الحماية القانونية.
وتؤكد منظمات حقوقية دولية أن استثناء العاملات المنزليات من قوانين العمل العامة في عدد من الدول يحرمهن من ضمانات أساسية، ويزيد احتمالات تعرضهن للاستغلال، خصوصاً في ظل صعوبة التفتيش داخل المنازل باعتبارها أماكن عمل مغلقة.
وقالت الأمينة العامة للاتحاد الدولي لعاملات المنازل أدريانا باز إن استبعاد العاملات المنزليات من الحماية القانونية يؤدي إلى “هشاشة منهجية” للعمال المهاجرين، محذرة من أن العاملات في مناطق النزاع يواجهن مخاطر إضافية، تشمل فقدان المأوى وصعوبة الوصول إلى المساعدة أو العودة إلى بلدانهن.
إجراءات لتصويب الأوضاع
في الأردن، اتخذت وزارة العمل خلال عام 2026 إجراءات لتصويب أوضاع العمالة المنزلية المخالفة، تضمنت تمديد فترة تصحيح الأوضاع ومنح إعفاءات من بعض الغرامات المرتبطة بالتأخير ومخالفات الإقامة.
وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات تهدف إلى تنظيم سوق العمل وحماية حقوق العمال والعاملات، في حين ناقشت المنظمة الدولية للهجرة في الأردن سبل تعزيز الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر ضعفاً.
ويرى حقوقيون أن هذه الإجراءات تمثل خطوة تنظيمية مهمة، لكنها لا تعالج بشكل كامل الأسباب البنيوية للهشاشة، ما لم ترافقها إصلاحات أوسع تضمن استقلالية العاملات عن صاحب العمل وتعزز قدرتهم على الوصول إلى العدالة.
عاملات في لبنان
يُعد لبنان من أبرز الأمثلة على الجدل المرتبط بوضع العاملات المنزليات المهاجرات، حيث تقدر أعدادهن بمئات الآلاف، معظمهن من سريلانكا والفلبين وإثيوبيا وبنغلاديش.
وأعلنت وزارة العمل اللبنانية عن مشروع عقد موحد جديد للعاملات والعمال المنزليين، يتضمن بنوداً تتعلق بالأجر والإجازات وحرية تغيير صاحب العمل، في خطوة اعتبرتها الوزارة جزءاً من مسار إصلاح نظام الكفالة.
ورحبت جهات حقوقية بالخطوة باعتبارها تطوراً مهماً، لكنها شددت على أن وجود عقد قانوني لا يكفي وحده دون آليات تنفيذ ورقابة فعالة.
وأكدت منظمة العمل الدولية أن العقد يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يحتاج إلى إجراءات تضمن قدرة العاملات على استخدام حقوقهن فعلياً، في حين حذرت منظمات حقوقية من أن غياب الرقابة والمساءلة قد يجعل النصوص القانونية غير كافية لحماية العاملات على أرض الواقع.
وتشير تقارير حقوقية إلى استمرار تسجيل حالات وفاة وانتهاكات بين العاملات المنزليات في لبنان، وسط انتقادات لضعف آليات الحماية وصعوبة الوصول إلى العدالة.
ضعف الحماية القانونية
تواجه العاملات المهاجرات في دول أخرى مثل العراق وليبيا أوضاعاً صعبة تشمل ضعف الحماية القانونية، وتقييد الحركة، وتأخر دفع الأجور، ومصادرة الوثائق في بعض الحالات.
وفي ليبيا، حذرت منظمات دولية من مخاطر الاستغلال التي يتعرض لها العمال المهاجرون، في ظل ظروف أمنية وسياسية معقدة تؤثر في قدرتهم على الوصول إلى الحماية أو الخدمات الأساسية.
ودعت منظمات حقوقية إلى ضمان حرية التنقل، وحماية العمال من الاستغلال، وتوفير آليات آمنة للعودة الطوعية لمن يرغب في مغادرة مناطق الخطر.
دعوات دولية للإصلاح
تؤكد تقارير دولية متخصصة في الهجرة والعمل أن الاعتماد الكبير على العاملات المنزليات المهاجرات لم يصاحبه في العديد من الدول إطار قانوني يضمن لهن الحقوق الأساسية.
وتدعو هذه التقارير إلى إنهاء أنظمة التأشيرات المرتبطة بصاحب العمل، وتوسيع نطاق الحماية القانونية، وضمان الحق في تغيير العمل، والوصول إلى القضاء، وتوفير آليات رقابية فعالة.
وتشدد منظمة العمل الدولية من خلال اتفاقيتها رقم 189 الخاصة بالعمال المنزليين على ضرورة مساواة العاملات المنزليات ببقية العمال في الحقوق الأساسية، ومنها الأجور العادلة، وساعات العمل المنظمة، والحماية من سوء المعاملة.
فجوة بين الإصلاح والتطبيق
تكشف أوضاع العاملات المنزليات المهاجرات في المنطقة العربية عن فجوة مستمرة بين الإصلاحات القانونية المعلنة وبين واقع التطبيق اليومي.
ومع استمرار الاعتماد على هذه العمالة، تبقى الحاجة قائمة إلى إعادة النظر في التشريعات التي تجعل وضع العاملات مرتبطاً بصاحب العمل، وتعزيز آليات التفتيش والمساءلة، وضمان وصولهن إلى الحماية القانونية دون خوف.
ويبقى ملف العاملات المنزليات المهاجرات اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدول على الانتقال من تنظيم سوق العمل إلى حماية الإنسان داخل هذا السوق، باعتبار أن العمل اللائق لا يكتمل إلا عندما تكون الكرامة والحقوق جزءاً أساسياً من بيئة العمل.
