منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط دعوات لإلغاء العقوبة.. مجلس حقوق الإنسان يناقش الإعدام خارج نطاق القضاء

18 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان يناقش الإعدام خارج نطاق القضاء
مجلس حقوق الإنسان يناقش الإعدام خارج نطاق القضاء

أكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام التعسفي، موريس تيدبول-بينز، أن عقوبة الإعدام تتعارض مع الحظر المطلق للتعذيب ومع احترام الكرامة الإنسانية، مشددًا على أن استمرار تطبيقها في الوقت الراهن يمثل انتهاكًا لحقوق الإنسان، داعيًا الدول إلى تكثيف الجهود من أجل الإلغاء العالمي لهذه العقوبة.

جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع الثامن، في إطار الحوار التفاعلي مع المقرر الخاص المعني بعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام التعسفي، حيث قدم المقرر تقريره العام، إلى جانب تقرير زيارته الرسمية إلى لبنان، وسط نقاش واسع بين الدول حول مستقبل عقوبة الإعدام، وضمانات المحاكمات العادلة، وحماية الحق في الحياة، ومواجهة الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة.

وقال تيدبول-بينز إن هذه المداخلة تعد الأخيرة له بالحضور الشخصي أمام المجلس، موضحًا أن ولايته ستنتهي في أبريل 2027، معربًا عن تقديره لكل من ساهم في تنفيذ مهمته خلال السنوات الماضية، وخاصة الضحايا وأسرهم الذين اعتبرهم محور عمله ومصدر إلهامه.

وأضاف أن ولايته ركزت منذ عام 2021 على تعزيز تطبيق المعايير الدولية، واعتماد نهج يضع الضحايا في قلب التحقيقات المتعلقة بعمليات القتل خارج نطاق القضاء ومنع وقوعها، مشيرًا إلى أهمية التعاون مع الدول ومنظمات المجتمع المدني والجهات الأكاديمية والآليات الدولية لتحقيق العدالة وجبر الضرر.

الإعدام شكل من أشكال التعذيب

وأوضح المقرر الخاص أن تقريره تناول، في ضوء تطور القانون الدولي والمعرفة الطبية الحديثة، مدى توافق عقوبة الإعدام مع الحظر المطلق للتعذيب، مؤكدًا أن النتيجة التي توصل إليها واضحة، وهي أن هذه العقوبة لا تتوافق مع هذا الحظر.

وأشار إلى أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أكدت في تعليقها العام رقم 36 بشأن الحق في الحياة عام 2019، أن تطبيق عقوبة الإعدام قد يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان، موضحًا أن الأدلة الطبية والنفسية التي جمعها خلال مقابلاته مع ناجين من عقوبة الإعدام وأسرهم تكشف عن معاناة طويلة ومستمرة.

وقال إن الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام يعيشون تحت تهديد دائم بالموت، وهو ما يسبب قلقًا شديدًا وخوفًا مستمرًا وتدهورًا نفسيًا عميقًا، إلى جانب المعاناة الناتجة عن ظروف الاحتجاز القاسية وأساليب التنفيذ التي قد تتضمن أخطاء وإجراءات مؤلمة.

وأكد أن المعاناة الناتجة عن عقوبة الإعدام ليست نتيجة جانبية، بل جزء أساسي من طبيعة هذه العقوبة، معتبرًا أنها “شكل ممتد من التعذيب يصل إلى أقصى درجات القسوة عند لحظة التنفيذ”.

ولفت إلى أن المحكوم عليهم بالإعدام غالبًا ما تكون أصواتهم غائبة عن النقاش العام، حيث تختفي قصصهم خلف جدران السجون، كما تتأثر أسرهم نفسيًا وجسديًا نتيجة انتظار مصير أحد أفرادها.

وأضاف أن التمييز والعنصرية يمثلان عاملين متكررين في العديد من قضايا عقوبة الإعدام، وهو ما يزيد من خطورة استمرار هذه العقوبة.

توثيق انتهاكات ضد المدنيين

وفي ما يتعلق بتقريره الخاص بلبنان، أوضح المقرر الخاص أنه أجرى زيارة رسمية للبلاد بين سبتمبر وأكتوبر من العام الماضي، حيث التقى مسؤولين حكوميين وقضائيين وأمنيين، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني والضحايا والمنظمات الدولية.

وقال إنه زار عددًا من المناطق اللبنانية، بينها بيروت وطرابلس وصيدا وبعلبك والنبطية وصور والناقورة، بهدف الاطلاع على أوضاع مرتبطة بعمليات القتل غير المشروع والانتهاكات خلال النزاعات.

وأشار إلى أنه وثق خلال الزيارة حالات قتل خارج نطاق القضاء، قال إنها نتجت عن هجمات استهدفت مدنيين، إضافة إلى عمليات قتل طالت أشخاصًا محميين بموجب القانون الدولي، بينهم أفراد من الطواقم الطبية والصحفيون.

وأضاف أن هذه الهجمات، وفق تقييمه، تمثل انتهاكات لمبادئ التمييز والتناسب والحذر، وقد ترقى إلى جرائم حرب، كما أشار إلى أنها، بسبب طبيعتها الواسعة والمتكررة، قد تشكل جرائم ضد الإنسانية.

وأكد في الوقت ذاته أهمية الإصلاحات المؤسسية في لبنان، خاصة ما يتعلق بتعزيز استقلال القضاء وتطوير آليات التحقيق والمساءلة، مشيرًا إلى ضرورة تعزيز قدرات الطب الشرعي والتحقيق الجنائي وفق المعايير الدولية، ومنها بروتوكول مينيسوتا.

لبنان: ملتزمون بتعزيز التحقيقات

من جانبها، أكدت دولة لبنان تعاونها مع المقرر الخاص خلال زيارته، مشيرة إلى أن التقرير جاء في ظروف استثنائية بسبب استمرار الاعتداءات على البلاد رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

وقالت ممثلة لبنان إن البلاد تكبدت خلال الفترة الماضية خسائر بشرية ومادية كبيرة، شملت سقوط ضحايا ونزوح أعداد كبيرة من السكان، إضافة إلى استهداف مدنيين ومسعفين وصحفيين وبنية تحتية مدنية.

وأكدت أن لبنان يولي أهمية خاصة لتعزيز قدراته الوطنية في مجال التحقيق في الوفيات غير المشروعة، مشيرة إلى وجود توجه لإعادة تفعيل المعهد الوطني للطب الشرعي وتطوير قدراته بما يتوافق مع المعايير الدولية.

وأوضحت أن البرلمان اللبناني أقر قانونًا جديدًا لتنظيم النظام القضائي بهدف تعزيز استقلال القضاء وزيادة ثقة المواطنين في العدالة.

وفيما يتعلق بعقوبة الإعدام، أشارت إلى وجود وقف فعلي لتنفيذ الأحكام منذ عام 2002، وأن هناك مشروع قانون يهدف إلى استبدال العقوبة بالسجن مدى الحياة.

وتطرقت إلى أوضاع الصحفيين، مؤكدة استمرار الاعتداءات التي تستهدف العاملين في المجال الإعلامي، ومشددة على التزام لبنان بالتعاون مع آليات الأمم المتحدة لمواجهة الإفلات من العقاب.

دعم دولي لإلغاء العقوبة

وخلال الحوار، أعربت عدة دول عن دعمها لموقف المقرر الخاص بشأن ضرورة مراجعة عقوبة الإعدام، وقالت فنلندا، باسم مجموعة من الدول، إن التقرير يوضح أن العقوبة تسبب معاناة جسدية ونفسية شديدة، وقد ترقى إلى مستوى التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.

وأكدت دول الشمال والبلطيق أن عقوبة الإعدام تؤثر بشكل غير متناسب على الفئات الأكثر هشاشة، داعية الدول إلى الإبقاء على وقف تنفيذ الأحكام تمهيدًا للإلغاء الكامل.

وشددت النرويج على أن العقوبة لا تتوافق مع الكرامة الإنسانية والحق في الحياة، مطالبة بإجراءات إضافية نحو الإلغاء العالمي.

وأشارت مولدوفا، نيابة عن مجموعة من الدول المعنية بمسألة عقوبة الإعدام، إلى أن التقرير يكشف أن المعاناة المرتبطة بهذه العقوبة تبدأ منذ الاعتقال والمحاكمة وتمتد إلى فترة انتظار التنفيذ وما بعدها بالنسبة للأسر.

وأكدت كوستاريكا استمرار التزامها بإلغاء العقوبة، داعية إلى وقف تنفيذ الأحكام ومراجعة القضايا التي شابتها انتهاكات للإجراءات القانونية.

خلافات حول تفسير القانون

في المقابل، رفضت بعض الدول الاستنتاجات الواردة في التقرير، مؤكدة أن عقوبة الإعدام تدخل ضمن صلاحيات الدول وأن تطبيقها يخضع لأنظمتها القانونية.

وقالت سنغافورة إن هناك فرقًا بين الإعدام خارج نطاق القضاء وعقوبة الإعدام التي تطبق بعد إجراءات قانونية وضمانات قضائية، مؤكدة أن نظامها القضائي يوفر ضمانات كاملة للمتهمين.

وأكدت الصين أن عقوبة الإعدام جزء من نظامها القانوني، وأن تطبيقها يتم وفق معايير صارمة ولا يطبق إلا في الجرائم بالغة الخطورة.

وأشارت ماليزيا إلى الإصلاحات التي قامت بها، ومنها وقف تنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2018 وإلغاء عقوبة الإعدام الإلزامية عام 2023، مع التأكيد على أهمية ضمانات العدالة الجنائية.

وأكدت إندونيسيا وجود ضمانات قانونية وإجرائية، مشيرة إلى عدم تنفيذ أي أحكام إعدام منذ عام 2017.

القانون الدولي هو الطريق

وفي ختام الحوار، أكد موريس تيدبول-بينز أن حماية الحق في الحياة تتطلب تعزيز المساءلة ومنع الإفلات من العقاب، مشددًا على أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يمثل الإطار الأساسي لمعالجة هذه القضايا.

وقال إن الهدف ليس فقط منع الإعدام خارج نطاق القضاء، بل ضمان بناء أنظمة عدالة تحمي الإنسان وتحترم كرامته.

ودعا الدول إلى تعزيز التعاون الدولي، وتطوير قدراتها في التحقيقات الجنائية والطب الشرعي، وحماية الضحايا وأسرهم.

وأكد أن مواجهة الانتهاكات تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وأن العدالة لا تتحقق إلا عندما تكون حياة الإنسان وكرامته في مقدمة الأولويات.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print