منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الألغام والذخائر العنقودية.. خطر يختبئ تحت التراب في لبنان ويهدد حياة الآلاف

03 أغسطس 2026
بعد نهاية الحروب تبقى الألغام والمخلفات غير المنفجرة ممثلة خطرا على المدنيين
بعد نهاية الحروب تبقى الألغام والمخلفات غير المنفجرة ممثلة خطرا على المدنيين

رغم مرور عقود على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، ونحو عشرين عاماً على حرب يوليو 2006، لا تزال الألغام الأرضية والذخائر العنقودية تمثل أحد أخطر التهديدات الإنسانية والأمنية في لبنان، إذ تبدو مناطق واسعة من الجنوب والبقاع وجبل لبنان هادئة ظاهرياً، في حين تظل الأرض حُبلى بآلاف الأجسام المتفجرة التي تهدد حياة المدنيين، وتعرقل التنمية الزراعية والاقتصادية، وتحول دون عودة العديد من السكان إلى أراضيهم بأمان.

وينضم لبنان رسمياً إلى معاهدة حظر الألغام المضادة للأفراد، بعد إيداع وثيقة الانضمام لدى الأمم المتحدة، ليصبح الدولة رقم 162 المنضمة إلى المعاهدة، في خطوة تعكس الرغبة في مواجهة الإرث الإنساني الثقيل الذي خلفته عقود من النزاعات المسلحة.

ويُنظر إلى هذا الانضمام باعتباره تطوراً مهماً على صعيد حماية المدنيين وتعزيز الجهود الوطنية والدولية الرامية إلى إزالة الألغام وتطهير الأراضي الملوثة ودعم الضحايا، فضلاً عن مواءمة التشريعات والسياسات اللبنانية مع المعايير الدولية الخاصة بنزع السلاح الإنساني والحد من مخاطر المتفجرات على المجتمعات المحلية.

وتعود مشكلة التلوث بالألغام والمتفجرات في لبنان إلى سلسلة من النزاعات المسلحة التي شهدها البلد منذ سبعينيات القرن الماضي، بدءاً من الحرب الأهلية (1975-1990)، مروراً بالاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب، وصولاً إلى حرب يوليو 2006 وما تلاها من مواجهات متفرقة على الحدود الجنوبية.

أخطر مخلفات الحروب

وتُعد الذخائر العنقودية من أخطر مخلفات الحروب في لبنان، إذ تنثر القنبلة الواحدة عشرات أو مئات القنابل الصغيرة على مساحة واسعة، وعندما تفشل بعض هذه القنابل في الانفجار فور سقوطها، تتحول إلى ألغام كامنة قد تبقى فعالة لسنوات طويلة، مهددة المدنيين والمزارعين والرعاة والأطفال.

ووفق بيانات المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام، لا يزال لبنان يواجه تلوثاً واسعاً بالألغام والذخائر العنقودية وبقايا المتفجرات الحربية، حيث بلغت المساحة المتبقية الملوثة نحو 23.19 كيلومتر مربع، موزعة بين 15.79 كيلومتر مربع ملوثة بالألغام الأرضية، و4.67 كيلومتر مربع ملوثة بالذخائر العنقودية، إضافة إلى 2.73 كيلومتر مربع من المناطق الخطرة الأخرى، وبحسب إحصاءات عام 2025، تم العثور على أكثر من 450 ألف قطعة من المخلفات الحربية والتخلص منها.

ولا يقتصر أثر الألغام على المناطق الملوثة نفسها، بل يمتد إلى المجتمعات المحيطة بها، ووفق تقديرات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، فإن التلوث بالألغام والذخائر العنقودية يؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على ما لا يقل عن 200 ألف شخص في لبنان، خصوصاً في المناطق الريفية والزراعية جنوب البلاد.

وتُعد الأراضي الزراعية من أكثر القطاعات تضرراً، إذ تمنع المخاطر المتفجرة العديد من المزارعين من الوصول إلى حقولهم أو استثمارها بالكامل، ما ينعكس على سبل العيش والأمن الغذائي والتنمية المحلية.

وأدت المواجهات العسكرية التي شهدها جنوب لبنان منذ أواخر عام 2023 إلى ظهور مخاوف جديدة من زيادة التلوث بالذخائر غير المنفجرة، إذ أكدت تقارير أممية ومنظمات متخصصة أن العمليات العسكرية الأخيرة خلفت كميات إضافية من الذخائر وبقايا المتفجرات التي تتطلب مسحاً وتقييماً وإزالة قبل السماح بعودة آمنة للمدنيين إلى مناطقهم.

وتشير تقديرات وتقارير حقوقية حديثة إلى أن استخدام الذخائر العنقودية في النزاعات المعاصرة يثير مخاوف متزايدة من تراكم أجسام متفجرة جديدة في الجنوب اللبناني، ما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية المرتبطة بالمتفجرات من مخلفات الحرب، خصوصاً في ظل تزايد تحديات جهود إزالة الألغام والمتفجرات، والتي يأتي أبرزها نقص التمويل، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، وظهور تلوث جديد نتيجة التطورات الأمنية الأخيرة.

تطهير الأرض هدف بعيد

من جانبها، اعتبرت أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية الدكتورة هالة أبو حمدان، في حديث لـ”صفر”، أن انضمام لبنان إلى معاهدة حظر الألغام يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية المعنية بحماية المدنيين من مخلفات النزاعات المسلحة.

وأكدت هالة أن الإشكالية الأساسية في الحالة اللبنانية تتمثل في أن خطر الألغام يرتبط في المقام الأول بالممارسات الإسرائيلية، مشيرة إلى أن معظم الألغام المزروعة في الأراضي اللبنانية تعود إلى فترات الاحتلال والعمليات العسكرية الإسرائيلية.

ورأت أن انضمام لبنان إلى الاتفاقية لا يقتصر على البعد القانوني، بل يشكل أيضاً أداة للضغط الدولي من أجل تحميل إسرائيل مسؤولياتها تجاه إزالة الألغام والحد من استخدام هذا النوع من الأسلحة.

وشددت أبو حمدان على أن المجتمع الدولي مطالب بدور أكثر فاعلية في هذا الملف، سواء عبر الضغط لمنع استخدام الألغام أو من خلال دعم جهود التطهير وتقديم المساعدة التقنية واللوجستية للبنان، إلى جانب رعاية الضحايا وتأهيل المصابين جراء الانفجارات.

وأضافت أن لبنان راكم خبرة طويلة في التعامل مع هذا الإرث الخطير، إذ استغرقت عمليات إزالة الألغام من المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية سنوات عديدة، وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، ما يعكس حجم التحدي القائم حتى اليوم.

وخلصت إلى أن القضاء الكامل على خطر الألغام لا يزال هدفاً بعيد المدى، موضحة أن تطهير الأراضي الملوثة، ولا سيما تلك التي شهدت نزاعات وعمليات عسكرية إسرائيلية، يتطلب سنوات طويلة وربما عقوداً من العمل المتواصل قبل ضمان إزالة هذا التهديد بشكل نهائي.

رهينة وقف الأعمال العسكرية

وبالتوافق مع الرأي السابق، يستبعد الكاتب اللبناني المهتم بقضايا حقوق الإنسان، وفيق الهواري، أن يؤدي انضمام لبنان إلى اتفاقية حظر الألغام إلى إنهاء هذا الخطر أو الحد منه بصورة ملموسة في المدى القريب، في ظل استمرار التداعيات الأمنية والعسكرية على الأرض.

ويرى الهواري، في حديث لـ”صفر”، أن توقيت الانضمام إلى الاتفاقية يتزامن مع واقع ميداني معقد، حيث أسفرت المواجهات العسكرية الأخيرة عن تدمير واسع في عدد من القرى والبلدات الجنوبية، إلى جانب إقامة مواقع عسكرية إسرائيلية جديدة وزرع حقول ألغام في بعض المناطق الحدودية، ما يعوق عودة السكان إلى أراضيهم ويضاعف المخاطر التي تهدد المدنيين.

ويحذر الكاتب اللبناني من أن آثار الحرب لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية المباشرة، بل تمتد إلى التلوث طويل الأمد للتربة والبيئة الزراعية نتيجة الذخائر والمتفجرات المستخدمة، الأمر الذي يفاقم التحديات الإنسانية والاقتصادية التي تواجهها المجتمعات المحلية.

ويخلص الهواري إلى أن معالجة ملف الألغام والذخائر غير المنفجرة تظل رهينة بوقف الأعمال العسكرية ومنع تجدد النزاعات على الأراضي اللبنانية، إلى جانب توفير دعم دولي مستدام لجهود إزالة الألغام وإعادة تأهيل المناطق المتضررة وضمان عودة السكان إليها بأمان.

جهود إعادة الإعمار والتعافي

من جهته، يرى المحلل السياسي اللبناني قاسم قصير، أن السلوك الإسرائيلي خلال الحروب الأخيرة في فلسطين ولبنان وإيران يعكس تجاهلاً متزايداً للقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية المدنيين والبيئة أثناء النزاعات المسلحة.

وقال قصير، في حديث لـ”صفر”، إن إسرائيل لم تكتفِ باستهداف البنية التحتية المدنية، ومنها المستشفيات والمدارس، بل استخدمت أيضاً أسلحة ومواد ذات آثار مدمرة طويلة الأمد في الإنسان والبيئة، منها الفسفور الأبيض والذخائر العنقودية، ما أدى إلى تلويث مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتحويل أجزاء منها إلى مناطق خطرة تعج بالمتفجرات ومخلفات الحرب.

وأشار إلى أن لبنان كان قد أحرز قبل اندلاع المواجهات الأخيرة تقدماً ملموساً في جهود إزالة القنابل العنقودية والمتفجرات من مخلفات الحروب السابقة، من خلال عمل فرق متخصصة استمر لسنوات طويلة، ورغم ذلك بقيت مناطق ملوثة تشهد بين الحين والآخر حوادث تؤدي إلى سقوط ضحايا، خصوصاً بين الأطفال والرعاة والشبان العاملين في الأراضي الزراعية.

وأكد قصير أن معالجة هذا الملف في المرحلة الراهنة تبقى مرتبطة أولاً بوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى قراهم ومناطقهم، باعتبار أن هذه الخطوات تشكل المدخل الأساسي لبدء عمليات المسح والتطهير وإزالة المخاطر المتفجرة.

ولفت إلى أن لبنان يواجه هذه التحديات في ظل أوضاع اقتصادية شديدة الصعوبة وتراجع في إمكانات العديد من المؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني، ما يزيد من تعقيد جهود إزالة الألغام والتعامل مع آثار الحرب، مؤكداً أن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، ستتطلب موارد مالية ضخمة وجهوداً تقنية وبشرية واسعة لإزالة المتفجرات من المناطق المتضررة وإعادة تأهيل البنية التحتية والمنازل المدمرة وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية.

وعن دور المجتمع الدولي، يرى قصير أن حجم الاستجابة الحالية لا يزال دون مستوى التحديات القائمة، موضحاً أن بعض المؤسسات والدول تبذل جهوداً، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى الحاجة الفعلية، سواء على صعيد وقف الاعتداءات أو دعم المتضررين أو الإسهام في معالجة التداعيات الإنسانية والتنموية للحرب، قائلاً: “نجاح لبنان في مواجهة خطر الألغام والذخائر غير المنفجرة سيظل مرهوناً بتوافر دعم دولي أكثر فاعلية واستدامة خلال مرحلة إعادة الإعمار والتعافي”.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان