منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حين لا ينجو أحد.. المدنيون في النيجر محاصرون بين رصاص المتطرفين وقبضة الدولة

28 مايو 2026
مخاوف من عنف غير مسبوق طال المدنيين خلال السنوات الأخيرة
مخاوف من عنف غير مسبوق طال المدنيين خلال السنوات الأخيرة

في إقليم تيلابيري بغرب النيجر، يعيش السكان داخل “منطقة رمادية” قاتلة جراء تصاعد المواجهات بين الجيش والجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي “داعش في الساحل” و”جبهة نصرة الإسلام والمسلمين”.

ولم تعد أزمة المدنيين مقتصرة على هجمات المتطرفين لنهب القرى، بل امتدت لتشمل المقاربة الأمنية الرسمية التي وسّعت دوائر الاشتباه الجماعي، فتحول الراعي والمزارع والنازح إلى متهمين بالتواطؤ حتى تثبت براءتهم.

وتتجسد هذه المفارقة في المؤشرات الميدانية؛ إذ تشير بيانات منظمة (ACLED)لعام 2025 إلى قفزة بنسبة 35%في الحوادث الأمنية المستهدِفة للمدنيين في تيلابيري، حيث يكمن الخطر الأكبر في وقوع جزء متزايد من هذه الانتهاكات تحت لافتة “مكافحة الإرهاب”، ما يفرض حصاراً عسكرياً يهدد وجودهم ويجعل النجاة اليومية مجرد تأجيل مؤقت للموت.

المأساة الحقيقية في غرب النيجر تتجاوز لغة الأرقام لتصيب جوهر القانون الدولي الإنساني، وتحديداً مبدأ التمييز الحاسم بين المدنيين والمقاتلين، حين تقترب القوات العسكرية من القرى النائية عقب أي هجوم مسلّح، يصبح كل راعٍ ممسك بعصاه، وكل مزارع يحرث أرضه، وكل نازح يحمل متاعه هرباً من الموت، متجهاً صوب المجهول، موضع شك دائم وسجين اتهام مسبق بالتواطؤ مع الجماعات المسلحة.

هذا الانهيار الإنساني أدى إلى صياغة معادلة صفرية مرعبة فرضت على السكان: “مقتولون إن بقوا، ومشتبه بهم إن فروا”، ووفقاً لتقارير منظمة العفو الدولية الصادرة في أواخر عام 2025، فإن غياب آليات التحقق الدقيقة والاعتماد على التقارير الاستخباراتية المحلية المشوبة بالخلافات القبلية، حوّل التدابير الأمنية من درع لحماية المواطنين إلى سيوف شهرت فوق رقابهم، ما يجعل صفة “المدني” ميزة قانونية ملغاة عملياً على أرض الواقع في تيلابيري.

تتجلى هذه المفارقة الصارخة في شهادات جمعتها منظمات حقوقية محلية في النيجر خلال الربع الأول من عام 2026، حيث يفيد مزارعون في مناطق “بانيبانغو” و”والام” بأن إعلان مناطقهم “مناطق عسكرية مغلقة” أو فرض حظر التجوال لفترات طويلة لم يمنع الجماعات المتطرفة من اختراق القرى ليلاً، في حين يواجه السكان نهاراً تدقيقاً أمنياً عنيفاً يصل حد الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري من قبل القوات النظامية بحجة عدم التبليغ أو تسهيل حركة المسلحين.

فخ النزوح القاتل

حين تضيق سبل العيش وتصبح القرى ساحات مفتوحة للإعدامات الميدانية، لا يجد سكان غرب النيجر مفرّاً سوى النزوح؛ غير أن هذا القرار الذي يُفترض أن يكون خطوة نحو الأمان، يتحول في النيجر إلى فخ جديد تتماهى فيه المخاطر، فالمسارات التي يسلكها النازحون ليست محفوفة بعبوات الجماعات المسلحة البدائية وكمائنها فحسب، بل إنها مراقبة بعيون أمنية تنظر إلى جموع الفارين بريبة وشك متأصلين.

بناءً على تحديثات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) الصادرة في يناير 2026، تجاوز عدد النازحين داخلياً في إقليم تيلابيري وحده حاجز الـ 200,000 نازح، يعيش معظمهم في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية. هذه الأرقام المخيفة تعكس حركة هروب جماعي من قسوة الحرب، لكنها من منظور التدابير الأمنية الصارمة للمجلس العسكري الحاكم تمثل معضلة ديموغرافية وأمنية يتم التعامل معها بأدوات هجومية توشك أن تفرغ القرى من سكانها الأصليين وتضعهم في معسكرات أشبه بالسجون المفتوحة.

تكمن الأزمة الحقوقية العميقة هنا في أن رحلة النزوح تلغي تلقائياً الحماية القانونية المفترضة للمدني، وتضعه في دوامة المساءلة القاسية عند نقاط التفتيش العسكرية.

وتوثق تقارير هيومن رايتس ووتش لعام 2025 سلسلة من الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها النازحون أثناء محاولتهم الوصول إلى عاصمة الإقليم أو القرى الأكبر حجماً؛ حيث يتم احتجاز الرجال والشباب لأسابيع بهدف “التدقيق الأمني” دون أي غطاء قانوني أو توجيه تهم رسمية، وسط ظروف احتجاز غير إنسانية أدت إلى تسجيل حالات وفاة جراء الجفاف والتعذيب.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المساعدات الإنسانية الموجهة لهؤلاء النازحين باتت تُستخدم أداة للضغط والسيطرة السياسية والأمنية. تشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) لعام 2025 وعام 2026 إلى أن القيود المفروضة على حركة المنظمات الدولية في غرب النيجر، بحجة الدواعي الأمنية وحماية عمال الإغاثة، قد حرمت أكثر من 40% من النازحين من الحصول على الغذاء والرعاية الصحية الطارئة.

وفي كثير من الأحيان يُنظر إلى تقديم الإغاثة للمجتمعات المحلية في المناطق الساخنة على أنه دعم غير مباشر للمسلحين، ما يضطر المنظمات إلى الانصياع لإملاءات عسكرية تحدد أين وكيف تُوزع المساعدات. هذا التوظيف الأمني للملف الإنساني يكمل حلقة الحصار على المدنيين، ويؤكد أن الانتقال من مكان إلى آخر في غرب النيجر لا يعني النجاة، بل يعني تبديل نمط التهديد، من الموت برصاص المجموعات المسلحة إلى الموت جوعاً أو كمداً داخل مراكز النزوح وتحت وطأة الاشتباه الرسمي الدائم.

غياب المساءلة وتآكل الثقة

لا يمكن قراءة المشهد الحقوقي المأساوي في غرب النيجر بمعزل عن البنية الهيكلية لآليات الحكم العسكري وغياب المحاسبة والمساءلة القانونية الفعالة. فمنذ التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد، تراجعت الرقابة القضائية المدنية على أعمال الجيش والقوات الأمنية إلى أدنى مستوياتها، ما خلق مناخاً من الإفلات التام من العقاب.

ويتجلى هذا بوضوح في تقرير اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في النيجر (CNDH) الصادر في أواخر عام 2025، والذي أشار بجرأة غير معهودة إلى تكدس مئات الشكاوى المتعلقة بتجاوزات عسكرية ضد المدنيين في تيلابيري دون فتح تحقيقات مستقلة أو تقديم المتورطين إلى محاكمات علنية عادلة.

هذا التآكل الحاد في منظومة العدالة يسفر عن نتائج كارثية تزيد من تعقيد المشهد الأمني بدلاً من حسمه، فعندما يرى المزارع أو الراعي المحلي أن مقتل قريبه أو مصادرة مواشيه وممتلكاته على يد القوات النظامية يمر دون محاسبة أو تعويض، يسقط آخر معاقل الثقة بين المواطن والدولة.

تؤكد دراسات معهد الدراسات الأمنية (ISS) في إفريقيا لعام 2025 وعام 2026 أن الانتهاكات التي ترتكبها القوات الأمنية بذريعة الحماية والاشتباه تعد من أبرز العوامل التي تدفع الشباب المحليين نحو أحضان الجماعات المسلحة، ليس عن قناعة بأيديولوجيتها المتطرفة، بل بحثاً عن الحماية أو رغبة في الانتقام والثأر للكرامة المهدورة.

وبذلك، تتحول المقاربة الأمنية القائمة على البطش والاشتباه إلى ماكينة لتفريخ “الإرهاب” وإعادة إنتاج العنف، حيث تجد الجماعات المسلحة في المظالم الحقوقية للمدنيين أرضية خصبة للتجنيد والدعاية ضد الدولة.

ولا يقتصر غياب مبدأ المحاسبة على الصعيد المحلي، بل يمتد ليشمل تراجع الضغوط الدولية نتيجة التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل؛ حيث أدى طرد القوات الدولية والبعثات الدبلوماسية الغربية وتقليص دور الأمم المتحدة إلى غياب “الشهود الدوليين” على ما يجري في الميدان.

وفي هذا الفراغ الرقابي باتت التقارير الصادرة عن منظمات المجتمع المدني النيجرية تواجه تهم الخيانة أو إضعاف الروح المعنوية للجيش، ما دفع العديد من النشطاء الحقوقيين المحليين إلى الصمت أو الفرار خوفاً من الملاحقة الممنهجة بحسب ما وثقته الشبكة النيجرية للمدافعين عن حقوق الإنسان في تقريرها السنوي لعام 2025. هذا الانسداد الحقوقي الكامل يحرم المدنيين في غرب النيجر من أي صوت يدافع عنهم أو ينقل معاناتهم، ويجعل من مفهوم “الحماية الحكومية” مجرد غطاء سياسي لعمليات عسكرية واسعة النطاق لا تقيم وزناً للتبعات الإنسانية القانونية.

أرقام مفزعة ومستقبل مظلم

تظهر البيانات المجمعة حتى النصف الأول من عام 2026 أن الأزمة الإنسانية في غرب النيجر، وتحديداً في المثلث الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، قد بلغت مستويات غير مسبوقة من التدهور والتعقيد.

ووفقاً للمؤشرات المحدثة الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي (WFP) لعام 2026، فإن أكثر من 1.2 مليون شخص في إقليم تيلابيري يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهي زيادة مخيفة تُعزى بشكل مباشر إلى تعطل المواسم الزراعية ومصادرة المواشي، ليس فقط بسبب هجمات الإرهابيين، بل نتيجة إعلان السلطات لمساحات شاسعة “مناطق عمليات عسكرية يمنع التواجد فيها”.

وتفيد إحصاءات منظمة اليونيسف (UNICEF) لعام 2025 وعام 2026 بأن هناك ما يزيد عن 900 مدرسة مغلقة في إقليم تيلابيري بسبب التهديدات الأمنية المباشرة أو تحويل المدارس إلى ثكنات عسكرية مؤقتة أو مراكز لإيواء النازحين، ما حرم ما يقرب من 80 ألف طفل من حقهم الأساسي في التعليم.

هذا الحرمان التعليمي طويل الأمد يخلق جيلاً كاملاً من الشباب الأميين والمنعزلين، والذين يشكلون صيداً سهلاً لشاشات التجنيد لدى الجماعات المتطرفة أو عصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ما يعني أن تداعيات غياب الحماية والتمييز اليوم ستستمر لعقود قادمة لتغذي دورة الصراع اللامتناهية.

الأمن يتحول إلى عبء يومي

قال المحلل السياسي النيجري، سيدي حبللا، إن التدهور الأمني المتسارع في البلاد لم يعد مجرد تطور ميداني معزول، بل تحول إلى واقع يومي ينعكس بشكل مباشر على تفاصيل حياة المواطنين، ويعيد تشكيل أنماط تحركهم وإحساسهم بالأمان، مشيراً إلى أن ما كان يُعد سابقاً أمراً بديهياً، كالتنقل بحرية داخل المدن والقرى، أصبح اليوم محفوفاً بالمخاطر، بل ومستحيلاً في بعض المناطق والأوقات.

وأكد حبللا في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن المواطنين في مناطق عدة، خاصة في الغرب، لم يعودوا قادرين على التنقل كما في السابق، موضحاً أن الحركة باتت مقيدة بساعات محددة، وأن الليل تحديداً أصبح زمناً مغلقاً أمام الحياة الطبيعية.

ونبه إلى أن هناك مناطق لا يمكن المرور بها إطلاقاً بعد حلول الظلام، وأخرى يُتجنب الاقتراب منها حتى في ساعات النهار، بسبب الخوف من الهجمات أو الاشتباه، مضيفاً أن هذا الواقع خلق حالة من القلق الدائم، حيث يعيش المواطن بين حسابات الخطر والتوجس، ما انعكس سلباً على أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

وأشار إلى أن جوهر الأزمة يكمن في تصاعد خطر الجماعات الإرهابية، مؤكداً أن المجتمع النيجري لم يكن معتاداً على هذا النمط من التهديدات في السابق، ما جعل تأثيرها أكثر حدة وعمقاً، مضيفاً أن الإرهاب اليوم هو العامل الرئيسي الذي يهدد أمن المواطنين واستقرارهم، ويقوض قدرة الدولة والمجتمع على الحفاظ على نمط حياة طبيعي.

وأكد حبللا أن السبيل الأهم لحماية المواطنين يتمثل في مواجهة الإرهاب بشكل حاسم، مشيراً إلى أن الدولة تبذل جهوداً مكثفة في هذا الاتجاه، وتسعى إلى الحد من انتشار التطرف وتعزيز الاستقرار. وأضاف أن السلطات تعمل، في الوقت ذاته، على ترسيخ احترام القانون، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لاستعادة الأمن، موضحاً أن هناك محاولات مستمرة لضبط الوضع العام وتعزيز سلطة الدولة في مختلف المناطق.

ونبه إلى أن السلطات الحالية، رغم التحديات، تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق الأساسية، ومنها حرية التعبير، مشيراً إلى أن هذا التحدي يظل معقداً في ظل الظروف الأمنية الراهنة. وأكد أن الدولة تعلن التزامها بحماية حقوق الإنسان، لكنها تواجه في الواقع ضغوطاً كبيرة تفرضها طبيعة التهديدات القائمة.

وفيما يتعلق بأوضاع النازحين، أوضح حبللا أن الظروف الحالية تختلف بشكل ملحوظ عما كانت عليه في السابق، حيث تأثرت بشكل مباشر بالتغيرات السياسية الأخيرة، خاصة بعد الانقلاب. وأشار إلى أن طرد عدد كبير من المنظمات والجمعيات الخيرية الدولية، ولا سيما الفرنسية والأوروبية، أدى إلى تراجع مستوى الدعم الإنساني المقدم للنازحين.

وأضاف أن هذه المنظمات كانت تلعب دوراً محورياً في توفير المساعدات والخدمات الأساسية، وأن غيابها ترك فراغاً كبيراً لم تتمكن الجهات المحلية من تعويضه بالكامل. ونبه إلى أن هذا الوضع انعكس بشكل واضح على حياة النازحين الذين باتوا يواجهون صعوبات كبرى للحصول على الاحتياجات الأساسية، من غذاء ورعاية صحية وخدمات إيواء.

وأكد حبللا أن الدولة تحاول، رغم محدودية الإمكانات، سد هذا النقص من خلال التواصل مع بعض المنظمات الدولية والجهات الداعمة، إلا أن مستوى الدعم الحالي لا يزال دون ما كان عليه في السابق. وأشار إلى أن هناك جهوداً تُبذل، لكنها لا ترقى إلى حجم الاحتياجات المتزايدة، خاصة في ظل استمرار موجات النزوح وتفاقم الأزمة الأمنية.

واختتم تصريحه بالتنبيه إلى أن استمرار هذا الوضع، دون معالجة شاملة تأخذ في الاعتبار البعدين الأمني والإنساني معاً، قد يؤدي إلى تعميق الأزمة، ليس فقط على مستوى الأمن، بل أيضاً على مستوى الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ما يستدعي تحركاً أكثر فاعلية وتنسيقاً بين مختلف الأطراف المعنية.

العيش اليومي معركة بقاء

من جانبه قال عمر مختار الأنصاري، كاتب وسياسي نيجري، إن التدهور الأمني المتسارع في البلاد، خصوصاً في منطقة تيلابيري، تجاوز كونه أزمة أمنية عابرة، ليتحول إلى تهديد شامل يطول حياة المواطنين اليومية ويقوّض أسس الاستقرار الإنساني والاجتماعي.

وأشار إلى أن تصاعد الهجمات المسلحة منذ عام 2025 غيّر بشكل جذري نمط الحياة، حيث بات التنقل محفوفاً بالمخاطر في ظل انتشار الكمائن والخوف المستمر من الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها ما يُعرف بتنظيم “داعش في الصحراء الكبرى”.

وأكد الأنصاري في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على مصادر العيش، إذ اضطر كثير من المزارعين والرعاة إلى تجنب الحقول والمراعي البعيدة، ما أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج الزراعي وتربية الماشية.

ونبه إلى أن التجارة بدورها شهدت انكماشاً ملحوظاً، مع ارتفاع الأسعار بشكل كبير، في وقت أصبح فيه تأمين الغذاء والدواء يعتمد على قوافل محدودة وغير منتظمة. وأضاف أن المواطنين يعيشون اليوم بين الخوف والجوع، في معادلة قاسية تهدد حاضرهم ومستقبل أجيال كاملة.

وفيما يتعلق بوضع حقوق الإنسان، أشار الأنصاري إلى أن الانتهاكات لا تقتصر على طرف واحد، بل تحدث من الجانبين، وهو أمر وصفه بالمرفوض بشكل قاطع.

وأكد أن الجماعات الإرهابية ارتكبت جرائم بالغة القسوة، مستشهداً بالهجوم على مسجد فامبيتا في مارس 2025 الذي أودى بحياة عشرات المصلين، بينهم أطفال، إلى جانب إحراق المنازل ونهب الممتلكات.

ونبه إلى وجود شكاوى موثقة تتعلق بعمليات عسكرية أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين واعتقالات عشوائية، خاصة في مناطق تيلابيري ومحيط نيامي، ما يعكس تعقيد المشهد ويطرح تساؤلات جدية حول حماية المدنيين.

حماية المدنيين

وشدد الأنصاري على أن حماية المدنيين يجب أن تكون أولوية مطلقة، مؤكداً أن أي انتهاك، سواء صدر عن جماعات مسلحة أو عن قوات نظامية، يسهم في تقويض ثقة المواطنين في الدولة ويغذي استمرار دوامة العنف وعدم الاستقرار. وأضاف أن غياب المساءلة الفعالة يعمّق الشعور بالهشاشة، ويترك المدنيين في مواجهة مفتوحة مع الخطر دون حماية كافية.

وفي سياق متصل، وصف الأنصاري أوضاع النزوح في تيلابيري بأنها “كارثية”، مشيراً إلى أن مئات الآلاف اضطروا إلى مغادرة منازلهم، وأن قرى بأكملها باتت شبه خالية من سكانها.

وأكد أن المساعدات الإنسانية، رغم وجودها، لا تزال دون المستوى المطلوب، بسبب التحديات الأمنية واللوجستية التي تعوق وصولها بشكل منتظم. ونبه إلى أن النازحين يعانون من نقص حاد في الغذاء والمأوى والرعاية الصحية، مع تأثر الفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً النساء والأطفال، بشكل مضاعف.

وأشار إلى أن التحديات لا تقتصر على النزوح، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة الأساسية، حيث أصبح الحصول على الغذاء معضلة يومية نتيجة تعطل النشاط الزراعي وارتفاع تكاليف النقل، مؤكداً أن النظام الصحي يعاني من ضعف شديد، مع إغلاق أو تدهور العديد من المراكز الصحية، ما أسهم في انتشار الأمراض.

ونبه إلى أن قطاع التعليم يُعد من أكثر القطاعات تضرراً، حيث خرج آلاف الأطفال من المدارس، سواء بسبب إغلاقها أو بسبب الظروف الأمنية الصعبة، وهو ما ينذر بضياع مستقبل جيل كامل.

وفي تقييمه للحلول الممكنة، أكد الأنصاري أن معالجة الأزمة تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على البعد الأمني فقط، بل تشمل أبعاداً سياسية واجتماعية واقتصادية، مشيراً إلى ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين في جميع العمليات العسكرية، مع تعزيز التدريب والرقابة لضمان احترام حقوق الإنسان، كما نبه إلى أهمية دعم الحوار المحلي والمصالحات بين المجتمعات، خاصة بين الرعاة والمزارعين، لسد الفراغات التي تستغلها الجماعات المسلحة.

وأضاف أن تحسين الأوضاع يتطلب أيضاً الاستثمار في التنمية الاقتصادية والخدمات الأساسية في المناطق المتضررة، إلى جانب استعادة المسار الدستوري من خلال تنظيم انتخابات حرة ونزيهة، وتشكيل مؤسسات مدنية تتمتع بشرعية شعبية حقيقية.

وأكد أن استمرار الوضع الانتقالي الحالي يحد من فعالية التعاون الدولي، ويضعف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية والإنسانية.

واختتم الأنصاري تصريحه بالتنبيه إلى أن الشعب النيجري يستحق نظاماً ديمقراطياً مستقراً، تُدار فيه شؤونه عبر مؤسسات منتخبة ومسؤولة، معتبراً أن العودة إلى هذا المسار تمثل الخطوة الأساسية لاستعادة الثقة الداخلية، وتعزيز الشراكات الدولية، وتحقيق أمن مستدام وتنمية حقيقية تلبي تطلعات المواطنين.