لا تنشأ الأزمات الحقوقية من فراغ، ولا تُختزل في لحظة اندلاع النزاع، بل تتشكل تدريجياً عندما تتآكل قدرة الدولة على حماية مواطنيها، أو حين تتحول أدواتها إلى مصدر تهديد مباشر لهم، في مثل هذه السياقات، لا يعود المدنيون مجرد ضحايا عرضيين، بل يصبحون محور الصراع ذاته، تُنتهك حقوقهم الأساسية بشكل منهجي، وتُقوّض سبل عيشهم، ويُدفعون إلى هامش الحياة دون ضمانات أو حماية فعّالة.
في الكاميرون، تجاوزت الأزمة في المناطق الناطقة بالإنجليزية إطارها السياسي واللغوي، لتتحول إلى أزمة حقوق إنسان متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الانتهاكات الأمنية مع التدهور الإنساني العميق، فمنذ عام 2016، لم يعد الصراع مقتصراً على مطالب تتعلق بالهوية أو التمثيل السياسي، بل أصبح مشهداً يومياً للعنف، يشمل عمليات قتل خارج نطاق القانون، واعتقالات تعسفية، واختفاءات قسرية، إلى جانب استهداف مباشر للمدنيين من قبل أطراف النزاع المختلفة.
وقد أدى هذا الواقع إلى نزوح مئات الآلاف داخلياً، وفرار عشرات الآلاف عبر الحدود، في ظل أوضاع إنسانية هشة تتسم بانعدام الأمن الغذائي، وتدهور الخدمات الصحية، وانهيار شبه كامل للمنظومة التعليمية، حيث أُغلقت مئات المدارس أو تحولت إلى ساحات صراع، كما بات الأطفال عرضة للتجنيد القسري، في حين تعاني النساء مستويات متزايدة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط غياب شبه تام لآليات المساءلة.
وفي ظل هذا المشهد، تتراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، ويتعمق الإحساس بالعزلة والتهميش، في حين تتسع فجوة الحماية القانونية والإنسانية، فالدولة التي يُفترض أن تكون الضامن الأول للحقوق، تجد نفسها إما عاجزة عن أداء هذا الدور أو طرفاً في تقويضه، وهو ما يفتح المجال أمام فاعلين غير حكوميين لملء الفراغ بوسائل عنيفة وغير خاضعة للمساءلة.
هكذا، لم تعد الأزمة في الكاميرون مجرد نزاع على السلطة أو الهوية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة المنظومة الدولية والمحلية على حماية المدنيين، وصون كرامتهم، وإعادة الاعتبار لحقوقهم الأساسية في بيئة تتآكل فيها معايير العدالة والإنصاف يوماً بعد يوم.
نزوح مئات الآلاف
تشير تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية إلى نزوح أكثر من 638 ألف شخص داخل هذه المناطق، في حين يحتاج نحو 1.7 مليون إلى مساعدات إنسانية. كما تجاوز عدد القتلى 6500 منذ بداية النزاع، وفق تقديرات دولية.
هذا الواقع أنتج حدوداً داخلية غير معلنة، تختلف فيها إمكانية الوصول إلى التعليم والخدمات والأمان، رغم وحدة الدولة شكلياً.
ولا يُفهم النزوح في الكاميرون بوصفه حركة جغرافية فقط، بل تحول جذري في حياة الأفراد، حيث يفقد السكان منازلهم وشبكاتهم الاجتماعية وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عدد النازحين داخلياً بلغ نحو 969 ألف شخص بحلول 2025، في حين لجأ عشرات الآلاف إلى نيجيريا، كما يؤكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أكثر من 3.3 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
وفي هذا السياق، وصف المجلس النرويجي للاجئين الأزمة بأنها واحدة من “أكثر أزمات النزوح إهمالاً في العالم”، ما يعكس فجوة واضحة في الاستجابة الدولية.
انتهاكات متعددة وحقوق متآكلة
لم يعد النزاع يقتصر على التنافس السياسي، بل تحول إلى أزمة حقوق إنسان متكاملة تمس عدة حقوق أساسية في آن واحد، الحق في الحياة عبر القتل خارج القانون، والحق في الأمان نتيجة العنف المستمر، والحق في التعليم بسبب إغلاق مئات المدارس.
وتؤكد هيومن رايتس ووتش أن جميع أطراف النزاع ارتكبت “انتهاكات خطرة”، تشمل استهداف المدنيين والاعتقالات التعسفية، ما يعكس انهيار منظومة الحماية القانونية.
ورغم تأكيد الرئيس بول بيا، التزامه ببناء دولة موحدة ومستقرة، تشير تقارير إعلامية إلى فجوة واضحة بين هذا الخطاب والواقع، فقد نقلت وكالة رويترز عن متحدث باسم التيارات الانفصالية أن الصراع لا يزال قائماً، في حين دعا البابا فرنسيس إلى تعزيز الحوار وحقوق الإنسان، محذراً من تداعيات استمرار النزاع.
ما وراء الأزمة
يرى الحقوقي الدكتور إبراهيم الرفاعي، أن الأزمة لا يمكن اختزالها في بعدها الداخلي، مشيراً إلى وجود سياقات إقليمية أوسع قد تؤثر في مسارها.
ويؤكد د. الرفاعي، في حديثه لـ”صفر”، أن النزوح والانتهاكات الناتجين عن النزاع يمثلان نتيجة مباشرة لانهيار الحماية، حيث تتحول حياة المدنيين إلى حالة مستمرة من عدم الاستقرار.
كما يربط بين الأزمة في الكاميرون وتداعياتها الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بالهجرة وعدم الاستقرار في دول الجوار.
عندما تفقد الدولة وظيفتها
في الإطار القانوني، يُفترض أن تضمن الدولة حماية حقوق مواطنيها، ومنها الحق في الحياة والأمان والتعليم، وفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
غير أن الحالة في الكاميرون تكشف تآكل هذه الوظيفة، حيث يصبح الوصول إلى الحقوق مرتبطاً بالموقع الجغرافي والانتماء اللغوي، بدلاً من كونه حقاً متساوياً.
تكشف أزمة الكاميرون أن أخطر ما في النزاعات ليس فقط العنف المباشر، بل تراجع قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وعندما يصبح جزء من البلاد خارج منظومة الحماية، تتحول الأزمة من صراع سياسي إلى أزمة حقوق إنسان، حيث لم تعد الحقوق الأساسية -الحياة والأمان والتعليم- مضمونة داخل حدود الدولة نفسها.

