منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حين أتمسك بهويتي البريطانية السوداء في زمن تضيق فيه مساحات التسامح

07 يونيو 2026
أغلفة مجلات في معرض «الموسيقى سوداء: قصة بريطانية» بمتحف فيكتوريا وألبرت إيست
أغلفة مجلات في معرض «الموسيقى سوداء: قصة بريطانية» بمتحف فيكتوريا وألبرت إيست

 

كنت أقف داخل المقر الجديد لإحدى أعرق المؤسسات الثقافية في بريطانيا، لكن المكان بدا وكأنه حفل «ديسكو صامت» أكثر منه معرضاً فنياً. إلى يميني امرأة بيضاء في منتصف العمر تحدق إلى الأمام بتركيز، تتمايل برفق وتهز رأسها على إيقاع لا أسمعه، في حين تحجب سماعات ضخمة أذنيها. وخلفي شابة سوداء رفعت شعرها إلى الخلف لتمنح السماعة حرية كاملة في احتضان عالمها الصوتي؛ كانت تتمايل، ترتفع قليلاً ثم تنخفض، حاضرة جسداً وغائبة في عالمها الخاص.

وعلى مقربة مني كان يقف شاب مفتول العضلات من أصول مختلطة، ظل جسده ساكناً تقريباً، لكن رأسه مضفر الشعر لم يتوقف عن الحركة، في حين ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة تكشف متعة خالصة. أما أنا فكنت ثابت القدمين، لكنني شعرت بخفة غريبة، كما لو أنني ثمل قليلاً. كنا نستمع إلى مقاطع موسيقية مختلفة، في زوايا مختلفة من قاعات شبه معتمة، ومع ذلك كنا نخوض تجربة جماعية واحدة.

مدير المعرض، غاس كاسيلي-هايفورد، لا يخفى أن هدفه من معرض «الموسيقى سوداء» في متحف فيكتوريا وألبرت إيست بشرق لندن هو توجيه رسالة واضحة. فنحن نخوض باستمرار نقاشات حول دور الثقافة العامة: لمن تعود هذه الفنون أصلاً؟ خاصة عندما تكون ممولة من أموال دافعي الضرائب.

الذين يسعون اليوم إلى إقصاء المصور والناشط الثقافي ميسان هاريمان من مركز ساوثبانك الثقافي يملكون حججاً كثيرة، لكن إحداها تتمثل في الخوف من تراجع ما يعدونه «التميز الفني». وقد عبّر أحد كتاب مجلة «سبكتيتور» عن هذا القلق بسخرية حين تحدث عن «عدد أقل من الحفلات الأوركسترالية المملة، وعدد أكبر من الفعاليات العصرية المبهجة». كلمة «عصرية» هنا لا تُستخدم للإشادة، بل أداة ازدراء، وكأنها مرادف لغياب القيمة.

لكن هذه رؤية سطحية إلى حد يدعو للسخرية.

فمعرض «الموسيقى سوداء» لا يتناول ثقافة هامشية أو ظاهرة جانبية مثيرة للاهتمام فحسب، بل يستعرض عنصراً أساسياً أسهم في تشكيل الطريقة التي تطورت بها قطاعات واسعة من المجتمع البريطاني. وفي الوقت ذاته، فإن هذه الموسيقى كانت جزءاً من تكوين الثقافة الشعبية السائدة في بريطانيا.

المعرض ببساطة يؤكد حقيقة طالما تجاهلها البعض: أن الموسيقى السوداء، وما ارتبط بها من تجارب وثقافات، كانت في صميم حياتنا على هذه الجزيرة. وجاءت وفاة كانيا كينغ هذا الأسبوع، مؤسسة جوائز «موسيقى الأصول السوداء» (موبو)، لتذكرنا مجدداً بحجم هذا الإرث وتأثيره.

لكن هذه الحقيقة العامة ليست وحدها ما جعلنا نتنقل بين القاعات، نهز رؤوسنا على الإيقاع ونتأمل الصور والمنحوتات والملابس ونشاهد المقاطع الإخبارية القديمة. بالنسبة إليّ، كان الأمر يتعلق بتاريخ شخصي، بالذاكرة، وبمشروع ثقافي عام يقول لك إن فنك أيضاً فن رفيع، وإن قصصك لا تقل أهمية أو عمقاً عن قصص الآخرين.

بدأت رحلتي مع الريغي.

استمعت إلى أغنيات من ستينيات القرن الماضي مثل «ماي بوي لوليبوب» للمغنية ميلي سمول، ثم توقفت عند فرقة «سيمارونز» التي تُعرف بأنها أول فرقة ريغي بريطانية. واستوقفتني لافتة مضيئة لنادي «فور آيسز» في منطقة دالستون. هناك كان أبناء جيل ما بعد «ويندراش» من المهاجرين القادمين من جزر الكاريبي يتجهون لقضاء سهراتهم الموسيقية في شرق لندن.

وكانت شرطة العاصمة البريطانية مهتمة بالنادي أيضاً، ولكن لأسباب مختلفة؛ إذ اعتادت تنفيذ حملات المداهمة والاستعراض الأمني داخله. كان أخي الأكبر يرتاد ذلك المكان، في حين كان والداي يمضيان الليل تقريباً بلا نوم حتى يسمعا صوت باب المنزل يغلق مع عودته في الساعات الأولى من الصباح.

في ذلك الزمن كان الناس يخاطرون من أجل الموسيقى.

ذكريات… ذكريات

ثم انتقلت إلى قسم «لوفرز روك»، ذلك الفرع الرومانسي من موسيقى الريغي الذي جعلنا، نحن المراهقين آنذاك، نظن أن لدينا فرصة للفوز بإعجاب الفتيات. لكن الحقيقة أن الفتيات كن يبحثن عن شبان أكبر سناً وأكثر جاذبية. جانيت كاي، وكارول طومسون، ولويزا مارك؛ جميعهن ألهبن أحلاماً نادراً ما تحققت.

بعد ذلك عدت إلى عالم «تو تون»، حيث التقت موسيقى الريغي والسكا بالصخب القادم من الروك والبانك في خلطة موسيقية وُلدت في منطقة الميدلاندز. كانت فرق مثل «ذا سبيشالز» و«ذا بيت» و«مادنس» و«ذا سيليكتر» جزءاً أساسياً من حفلات مدارسنا الثانوية.

لقد منحت تلك الموسيقى للمراهقين في المدن الداخلية -سوداً وبيضاً وآسيويين، ومن خلفيات وأذواق متنوعة- مساحة مشتركة للالتقاء والرقص دون قيود.

وأثناء استماعي للمقاطع الموسيقية، تذكرت ظهيرة صيفية كنت أقف فيها مع ثلاثة من أصدقائي البيض على أطراف حديقة عامة، عندما ظهرت فجأة مسيرة للجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة، نظر إليّ أحد أصدقائي بقلق وقال: «علينا أن نغادر»، لكن صديقاً آخر استدار نحو المسيرة بازدراء، ثم قال بهدوء: «لن أهرب لأن لدي أصدقاء سوداً… اللعنة عليهم». وبقينا في مكاننا نراقب الموكب وهو يمر في الشارع الرئيسي.

وبمجرد هزة رأس أخرى داخل المعرض، وجدت نفسي أمام مرحلة «بريت فانك»، حين تمكن البريطانيون السود في الثمانينيات والتسعينيات من استيعاب موسيقى الديسكو و«آر أند بي» الأمريكية، ثم تطوير نسختهم الخاصة وإعادة تصديرها إلى الولايات المتحدة نفسها.

كانت فرق مثل «لينكس» و«سنترال لاين» و«لايت أوف ذا وورلد» و«لوس إندز» وجونيور جيسكومب مصدر فخر لنا. شاهدنا شباناً بريطانيين يتحدثون مثلنا ويشبهوننا يحققون النجاح على قوائم «بيلبورد» الأمريكية ويظهرون في برامج أسطورية مثل «سول ترين».

وفي أواخر الثمانينيات كرر جازي بي وفرقة «سول تو سول» الإنجاز ذاته. في ذلك الوقت كنت أحلم بأن أكون قليلاً مثل ديفيد غرانت، نجم فرقة «لينكس»، بصوته العاطفي وتسريحة شعره اللامعة. نجحت في الحصول على التسريحة… أما الصوت، فلننتقل إلى موضوع آخر.

أعتقد أن المرأة التي رأيتها تتمايل في المعرض كانت غارقة في عالم الأفروبيت. مررت بجوارها وتوقفت فقط لأستمع إلى مقطع قصير من موسيقى فيلا كوتي، الموسيقي النيجيري الأسطوري الذي تحدى حكومته بشجاعة.

ثم وصلت إلى موسيقى «تريب هوب». كانت هناك أسماء مثل «ماسيف أتاك» و«تريكي» و«مورشيبا» و«بورتيسهيد»، وهي الفرق التي نقلت مركز الثقل الموسيقي من لندن إلى بريستول.

كان ذلك عصر آخر، ومزيج آخر من الأساليب الموسيقية التي عرفناها نحن البريطانيين، سوداً وبيضاً، باعتبارها انعكاساً لشظايا بريطانيا المتعددة، ودليلاً على أن كل تلك الأجزاء يمكن أن تتعايش معاً.

نفد الوقت مني.

كان هناك الكثير مما يجب أن أراه وأسمعه وأفكر فيه، بين الماضي والحاضر. ماذا يمكن أن يفكر المرء بشأن التطور والتقدم عندما يشاهد السترة الواقية من الطعنات التي ارتداها ستورمزي، والمزينة بعلم الاتحاد البريطاني، خلال عرضه التاريخي في مهرجان غلاستونبري؟ أو عندما يرى أزياء ليتل سيمز المسرحية؟ أو أول غيتار امتلكته جوان أرماترادينغ؟ أو الورقة الأصلية التي كتب عليها رود تيمبرتون كلمات الأغنية التي تحولت لاحقاً، بعد أن سلمها لمايكل جاكسون، إلى أغنية «ثريلر» الشهيرة؟

لا تفهموني خطأً

أنا أيضاً أحب الأشكال الكلاسيكية من الفنون التي يفضلها المحافظون والنخبويون اليمينيون ويدافعون عنها بحماس، وأدفع من أموالي لتمويلها كذلك. لكنها في كثير من الأحيان تمنحني نافذة أطل منها على حياة الآخرين وثقافاتهم وعصورهم.

أما هذا المعرض، فهو نافذتي أنا.. إنه حكايتي، وأنا أتمسك بها وأعلن انتمائي إليها. وهنا، منحتها الأموال العامة الاحترام الذي تستحقه.. استمتعوا بها.. يسعدني أن أشاركها معكم.

*نقلاً عن الجارديان