في قلب الصحراء الكبرى، لم يعد الذهب في موريتانيا مجرد معدن نفيس أو مورد للتصدير، بل تحول خلال سنوات قليلة إلى ظاهرة اقتصادية واجتماعية واسعة، جذبت آلاف المنقبين إلى مناطق قاحلة ونائية بحثًا عن فرصة سريعة للربح.
ومع ارتفاع أسعار الذهب عالميًا وتزايد الطلب عليه، اتسعت خريطة التنقيب الأهلي وشبه الصناعي، لتصبح “حمى الذهب” واحدة من أبرز التحولات التي عرفها الاقتصاد الموريتاني خلال العقد الأخير.
لكن خلف هذا الاندفاع نحو المناجم والمقالع الصحراوية، تظهر أسئلة حقوقية وقانونية وبيئية شديدة الحساسية.. من يحمي المنقبين؟ كيف تُراقب ظروف العمل؟ ما حجم الذهب الذي يمر عبر القنوات الرسمية؟ وما أثر استخدام الزئبق والمخلفات التعدينية على الصحة والبيئة؟
وبينما تراهن الدولة على تنظيم القطاع وتحويله إلى رافعة للتنمية، تحذر تقارير دولية من أن التعدين الأهلي، إذا بقي خارج رقابة فعالة، قد يتحول من فرصة اقتصادية إلى مصدر للتلوث، والتهريب، والاستغلال، والمخاطر المهنية.
اقتصاد يعتمد على المعادن
تُعد موريتانيا من الدول التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الصناعات الاستخراجية، ووفق مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، شكّل القطاع الاستخراجي 76.28% من إجمالي صادرات موريتانيا و18.91% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023، مع إنتاج الحديد والذهب والنحاس والفضة والنفط والغاز.
هذا الاعتماد يجعل الذهب موردًا استراتيجيًا، خصوصًا في ظل تقلبات أسعار السلع وتراجع إنتاج بعض المعادن الأخرى أو تغير دورة الإنتاج في المناجم الكبرى، ومن هنا تنظر السلطات إلى الذهب، لا سيما التعدين الأهلي وشبه الصناعي، باعتباره مجالًا يمكن أن يوفر فرص عمل وموارد مالية، إذا أُخضع للتنظيم والرقابة.
ويظل منجم تاسيست، الذي تديره شركة كينروس، القلب الصناعي لإنتاج الذهب في موريتانيا، ووفق تقرير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية لعام 2024، أنتجت موريتانيا 22.3 طن من الذهب خلال العام، جاء معظمها من تاسيست بنحو 19.4 طن، بينما ساهم التعدين الأهلي بنحو 1.97 طن.
لكن الاعتماد الكبير على تاسيست يطرح تحديًا اقتصاديًا، فقد بلغ إنتاج المنجم 622,394 أوقية عام 2024، قبل أن يتراجع بنسبة 23% عام 2025 مع الانتقال إلى خامات أقل جودة، وتتوقع كينروس أن يستقر الإنتاج قرب 500 ألف أوقية عام 2026، من دون عودة إلى مستوى أعلى من 600 ألف أوقية قبل 2028.
إنتاج غير رسمي
رغم نمو الإنتاج الرسمي، لا تزال مشكلة الذهب غير الرسمي حاضرة بقوة، فقد أشارت مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، في تقييمها لموريتانيا، إلى أن 70% من الذهب الأهلي كان يُسوّق عبر شبكات غير رسمية، بما يعني أن جزءًا كبيرًا منه كان عرضة للتهريب خارج القنوات القانونية.
وتشير تقديرات نقلتها تقارير متخصصة إلى أن نحو 30 طنًا من الذهب ربما خرجت من موريتانيا بصورة غير مشروعة بين 2016 و2022، استنادًا إلى مقارنة الإنتاج الرسمي بتقديرات التعدين الأهلي.
وهنا يصبح الملف ليس اقتصاديًا فقط، بل حوكميًا أيضًا؛ فكل غرام ذهب يخرج خارج القنوات الرسمية يعني خسارة محتملة في الضرائب والرسوم والعملات الأجنبية، ويضعف قدرة الدولة على معرفة حجم القطاع الحقيقي وتنظيم مخاطره.
التعدين الأهلي كفرصة
أنشأت موريتانيا وكالة معادن موريتانيا عام 2020 لتنظيم وتحديث التعدين الأهلي وشبه الصناعي، وتقول الوكالة في استراتيجيتها متعددة السنوات 2024-2029 إن هدفها هو تحويل هذا القطاع إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع ضمان أعلى معايير السلامة وحماية البيئة.
ووفق بيانات منشورة عن القطاع، أنتج التعدين الأهلي رسميًا 14.7 طن من الذهب بين 2020 وأغسطس 2024 بفضل جهود التنظيم التي تقودها وكالة معادن موريتانيا، لكن السلطات لا تزال بحاجة إلى تحسين الإطار التنظيمي لأن جزءًا من الإنتاج يبقى خارج القنوات الرسمية.
هذه الأرقام تشرح سبب تمسك الدولة بهذا القطاع: فهو مصدر دخل لعائلات كثيرة، ويوفر فرصًا للشباب في مناطق محدودة البدائل الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه قطاع شديد الهشاشة، لأن كثيرًا من أنشطته تقوم على أدوات بدائية، ومخيمات مؤقتة، ومخاطر صحية ومهنية عالية.
الموقف الرسمي
الموقف الرسمي الموريتاني يقوم على فكرة “التنظيم بدل المنع”، فالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أكد، بحسب ما تنقله وكالة معادن موريتانيا، ضرورة وضع آليات تمكّن قطاع التعدين الأهلي وشبه الصناعي من المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع تنظيمه والإشراف عليه وضمان السلامة وتوفير فرص للشباب.
وتضع وكالة معادن موريتانيا ضمن استراتيجيتها سبعة محاور وثلاثين هدفًا، تشمل تعزيز المعرفة الجيولوجية، تنظيم القطاع، تطوير البنية التحتية والخدمات، تحديث طرق الإنتاج، إدخال بدائل للزئبق وفق اتفاقية ميناماتا، إطلاق مشاريع استثمارية نموذجية، ودعم الأثر الاجتماعي للمجتمعات المحلية.
بمعنى آخر، تعترف الدولة ضمنيًا بأن القطاع لا يمكن تركه على حالته العشوائية، وأن تحويله إلى قطاع منتج ومستدام يتطلب قانونًا ورقابة وبنية تحتية وأسواقًا رسمية وآليات سلامة.
الإطار القانوني
يستند قطاع التعدين في موريتانيا إلى مدونة التعدين المعتمدة بموجب القانون رقم 2008-011، مع تعديلات لاحقة في 2009 و2012 و2014، إضافة إلى قوانين تنظم الاتفاقيات التعدينية.
لكن التحدي القانوني الأكبر لا يكمن في وجود النصوص، بل في القدرة على تطبيقها داخل مناطق واسعة ونائية، فالتعدين الأهلي بطبيعته سريع الحركة، ويمكن أن ينتقل آلاف المنقبين إلى موقع جديد بمجرد ظهور إشارات لوجود الذهب، ما يجعل الرقابة الفنية والبيئية والضريبية مهمة صعبة.
كما أن وكالة معادن موريتانيا نشرت في أواخر 2022 مسودة قانون لتنظيم نشاط التعدين الأهلي والصغير للذهب وتحديد الوضع القانوني للوكالة، وهو ما يعكس اتجاهًا رسميًا نحو ملء فراغات قانونية في قطاع نما بسرعة أكبر من قدرة الدولة على تنظيمه.
الرأي الدولي
ينظر البنك الدولي إلى التعدين الأهلي والصغير عالميًا بوصفه قطاعًا لا يمكن تجاهله، فوفق تقديراته، يعمل في التعدين الأهلي والصغير 45 مليون شخص مباشرة في 80 دولة، بينما يرتبط به 270 مليون شخص في خدمات مساندة، ليصل عدد المتأثرين به مباشرة وغير مباشرة إلى نحو 315 مليون شخص. كما يقدّر البنك أن التعدين الأهلي أصبح ينتج نحو 20% من الذهب العالمي.
لكن البنك الدولي يربط مستقبل القطاع بشرطين؛ الشرعية والمهنية. فالنمو السريع خارج التنظيم ينتج آثارًا سلبية تشمل ظروف عمل سيئة، وهشاشة اجتماعية، وتدهورًا بيئيًا، بينما يمكن للتنظيم الجيد أن يجعل القطاع مصدرًا للشمول الاقتصادي والتنمية المحلية.
وبالنسبة لموريتانيا، يعني ذلك أن الرهان الدولي ليس على القضاء على التعدين الأهلي، بل على نقله من اقتصاد الظل إلى اقتصاد منظم يضمن السلامة والحقوق والشفافية.
المخاطر الحقوقية
حقوقيًا، يثير التعدين الأهلي عدة إشكالات، أولها الحق في العمل اللائق، لأن كثيرًا من المنقبين يعملون في ظروف قاسية داخل الصحراء، مع ضعف معدات الحماية، ومحدودية الرعاية الصحية، وخطر انهيار الحفر أو التعرض للمواد الكيميائية.
ثانيها الحق في الصحة، خاصة عند استخدام الزئبق في معالجة الذهب، فالزئبق مادة شديدة السمية، ويمكن أن يسبب أضرارًا عصبية وتنفسية وتلوثًا طويل الأمد للتربة والمياه، وتشير اتفاقية ميناماتا إلى أن التعدين الأهلي والصغير للذهب هو أكبر مصدر لانبعاثات وإطلاقات الزئبق عالميًا.
ثالثها حقوق المجتمعات المحلية، لأن مخيمات التعدين يمكن أن تظهر بسرعة حول مواقع الاستخراج، ومعها ضغط على المياه، والصحة، والنظافة، والأمن، وتوازنات المجتمعات المحلية، خصوصًا في مناطق صحراوية محدودة الموارد.
خطر الزئبق
يمثل الزئبق أحد أخطر جوانب حمى الذهب، فقد أُعدت دراسة فنية حول بدائل خالية من الزئبق لمعالجة خامات الذهب في قطاع التعدين الأهلي والصغير في موريتانيا خلال 2022 و2023، بالشراكة مع فاعلين في القطاع، لمساعدة الحكومة على تقييم بدائل استخدام الزئبق في استخراج الذهب.
كما تضع وكالة معادن موريتانيا في استراتيجيتها هدفًا واضحًا يتمثل في تشجيع تقنيات صديقة للبيئة وإدخال بدائل لمعالجة الذهب بالزئبق، بما يتوافق مع اتفاقية ميناماتا.
وهذا الاعتراف الرسمي والدولي بخطورة الزئبق مهم، لأنه يعني أن المشكلة لم تعد مجرد مخاوف نظرية، بل تحديًا تنظيميًا وصحيًا يتطلب بدائل عملية يمكن للمنقبين تحمل تكلفتها واستخدامها بسهولة.
البيئة الصحراوية الهشة
تبدو الصحراء، للوهلة الأولى، مساحة واسعة قادرة على استيعاب أنشطة التعدين، لكن النظم البيئية الصحراوية شديدة الهشاشة. فندرة المياه وبطء تجدد الغطاء النباتي وصعوبة إدارة النفايات تجعل أي نشاط عشوائي واسع النطاق ذا أثر طويل الأمد.
وتشير تقارير بيئية حول التعدين الأهلي في موريتانيا إلى أن المخاطر تشمل تشويه المناظر الطبيعية، وتراكم النفايات غير المدارة، واستخدام تقنيات قائمة على الزئبق في المعالجة اليدوية للذهب، بما يهدد صحة العمال والبيئة.
كما أوصت مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية موريتانيا بتعزيز الإفصاح عن الإدارة البيئية والرقابة على الاستثمارات الاستخراجية، ومراجعة الممارسة الفعلية لتقييمات الأثر البيئي.
بين الاستثمار والعدالة
تسعى موريتانيا إلى تنويع قطاع الذهب وتقليل الاعتماد على تاسيست، مستندة إلى تقديرات حكومية تشير إلى إمكانات تفوق 25 مليون أوقية من الذهب، أي أكثر من 777 طنًا، كما أعلنت كينروس أن احتياطات تاسيست المؤكدة والمحتملة بلغت 4.4 مليون أوقية حتى نهاية 2025.
لكن توسيع الاستثمار لا يكفي وحده. فالتجارب الأفريقية تُظهر أن توسع التعدين من دون حماية بيئية وحقوقية يمكن أن ينتج نزاعات حول الأرض، وتلوثًا، وتهريبًا، وتهميشًا للمجتمعات المحلية. لذلك فإن نجاح موريتانيا لن يُقاس فقط بعدد الأطنان المنتجة، بل بقدرتها على تحويل الذهب إلى تنمية آمنة وعادلة.

