يعيد تقرير أممي جديد حول التعاون مع جورجيا، صادر ضمن وثائق الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، تسليط الضوء على تدهور واضح في البيئة الحقوقية المرتبطة بالفضاء المدني وحرية التعبير والتجمع السلمي. التقرير لا يقرأ الوضع في جورجيا من زاوية المساعدة الفنية فقط، بل يربط التعاون الأممي مع الدولة بتحديات متصاعدة تتعلق بالقوانين الجديدة، والاحتجاجات، والإعلام، والمجتمع المدني، والمناطق المتأثرة بالنزاع في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.
ويغطي التقرير الفترة من 1 يناير إلى 31 ديسمبر 2025، ويستند إلى معلومات من الحكومة الجورجية، ومكتب المدافع العام، ومنظمات دولية، ومنظمات غير حكومية، ومصادر علنية موثوقة، كما يشير إلى أن مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان نفذ خلال الفترة المشمولة بالتقرير 31 نشاطاً لبناء القدرات في جورجيا، استفاد منها 920 مشاركاً، من بينهم 593 امرأة.
عام متوتر ومؤسسات تحت الضغط
يضع التقرير التطورات الحقوقية في سياق سياسي متوتر، فقد كان “حركة الحلم الجورجي” الحزب الوحيد المنخرط فعلياً في التشريع لمعظم عام 2025، في حين لم تشارك ثلاثة من أحزاب المعارضة الأربعة المنتخبة في البرلمان في أعماله خلال العام، كما يشير التقرير إلى استمرار الاحتجاجات قرب مبنى البرلمان وفي مواقع مركزية أخرى في تبليسي، وإلى طلب الحزب الحاكم من المحكمة الدستورية حظر ثلاثة أحزاب معارضة كانت تقاطع البرلمان.
هذا السياق مهم لأنه يوضح أن القوانين المتعلقة بالجمعيات والإعلام والاحتجاج لم تصدر في فراغ، بل داخل لحظة سياسية شديدة الاستقطاب، وعندما تصدر تشريعات تقيد المجتمع المدني والإعلام في بيئة سياسية منقسمة، يصبح أثرها الحقوقي أكبر؛ لأن القانون قد يتحول من أداة تنظيم إلى أداة ضغط على الأصوات المعارضة أو الناقدة.
وأبرز ما يتوقف عنده التقرير هو استمرار اتجاه تشريعي يؤثر سلباً في الفضاء المدني وحرية تكوين الجمعيات والتعبير والتجمع السلميين. ففي عام 2025، اعتمدت جورجيا قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، وتعديلات على قانون المنح، وقانون التجمعات والمظاهرات، وقانون المخالفات الإدارية، والقانون الجنائي.
وتشير المفوضية السامية إلى أن بعض هذه النصوص قد تكون واسعة جداً، وتخلق حالة من الغموض القانوني، وتفتح الباب أمام تفسير تعسفي من السلطات، كما تلقت المفوضية معلومات تفيد بأن بعض منظمات المجتمع المدني خفضت أنشطتها خوفاً من مخالفة التعديلات الجديدة، إلى جانب تقارير عن ترهيب وخطاب عدائي وتهديدات ضد فاعلين مدنيين وأصوات ناقدة للحكومة والحزب الحاكم.
هنا تظهر المشكلة الأساسية: القانون لا يحتاج دائماً إلى إغلاق منظمة حتى يقيدها، أحياناً يكفي أن يخلق بيئة خوف وغموض تجعل المنظمات تقلل نشاطها، أو تتجنب قضايا حساسة، أو تعيد ترتيب عملها لتفادي العقوبات.
الإعلام تحت القيود
يتناول التقرير أيضاً تأثير التعديلات القانونية في الإعلام، ففي نيسان/أبريل 2025، اعتمد البرلمان تعديلات على قانون البث فرضت قيوداً على حصول مؤسسات الإعلام على دعم مباشر أو غير مباشر من جهات أجنبية، ومنه التمويل، ونقل المعدات، والتدريب، وبرامج تطوير الإعلام، مع استثناءات محدودة تتعلق بالإعلانات التجارية والرعاية ووضع المنتجات والخدمات داخل البرامج.
وترى المفوضية أن القيود الواسعة على التمويل غير التجاري القادم من الخارج قد تؤدي إلى إضعاف وتقليص المشهد الإعلامي في جورجيا، خصوصاً في ظل غياب مصادر تمويل بديلة، كما نقل التقرير مخاوف من عقوبات إدارية على الخطاب الذي يُعد “مسيئاً” للمسؤولين العموميين، ومن تعديلات على قانون حرية التعبير قد تضعف حماية المصادر الصحفية وتزيد خطر الدعاوى الاستراتيجية ضد المشاركة العامة.
وهذا يربط ملف جورجيا مباشرة بما حذر منه تقرير “تسخير العدالة”، حيث لا تكون المشكلة في إغلاق الإعلام فقط، بل في خلق منظومة قانونية ومالية تجعل العمل الصحفي المستقل أكثر كلفة وخطورة.
الاحتجاج بين الحق والعقوبة
شهد الإطار القانوني للتجمعات والاحتجاجات في جورجيا خلال عام 2025 تعديلات متكررة، ووفق التقرير، رفعت هذه التعديلات العقوبات على المخالفات المرتبطة بالاحتجاج، ومنها رفع الحد الأقصى للاحتجاز الإداري من 15 إلى 60 يوماً، وجعل الاحتجاز الإداري العقوبة الوحيدة لبعض الأفعال غير العنيفة، مثل تغطية الوجه أثناء التجمع أو إغلاق الرصيف.
وتحذر المفوضية من أن تطبيق مثل هذه العقوبات قد يشكل في بعض الحالات حرماناً تعسفياً من الحرية، كما أشار تقييم لمكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى أن فرض الحرمان من الحرية على سلوك غير عنيف، دون دليل على ضرر أو نية إحداث ضرر، قد يرقى إلى تجريم لسلوك محمي بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
المشكلة هنا ليست في تنظيم الاحتجاج، بل في تحويل أفعال غير عنيفة إلى أسباب للاحتجاز، فعندما يصبح الاحتجاج محاطاً بعقوبات قاسية، يتراجع الحق في التجمع، حتى لو بقي منصوصاً عليه في القانون.
استخدام القوة وغياب المحاسبة
يذكر التقرير أن مظاهرات عامي 2024 و2025 ترافقت مع ادعاءات باستخدام غير ضروري أو غير متناسب للقوة من قبل أجهزة إنفاذ القانون، إضافة إلى اعتقالات واحتجازات تعسفية شملت صحفيين وعاملين في الإعلام، وتشير بيانات حكومية إلى فتح تحقيقات جنائية واسعة في مزاعم عنف الشرطة، تشمل مئات الضحايا المزعومين وأكثر من 900 شاهد وآلاف الساعات من المقاطع المصورة والفحوصات الطبية الشرعية، ومع ذلك، يؤكد التقرير أنه حتى وقت إعداده لم يتم توجيه تهم أو تعليق عمل أي ضابط شرطة أو مساءلته في هذه القضايا.
هذا الفارق بين حجم التحقيقات وغياب المساءلة الفعلية يطرح سؤالاً أساسياً حول فعالية العدالة، ففتح التحقيق لا يكفي إذا لم يكن سريعاً ومستقلاً ومحايداً وشاملاً وقادراً على الوصول إلى المحاسبة.
ويثير التقرير مخاوف إضافية بعد دمج خدمة التحقيق الخاصة التي كانت مسؤولة عن التحقيق في مزاعم العنف وسوء المعاملة من قبل موظفي إنفاذ القانون، داخل مكتب الادعاء العام في حزيران/يونيو 2025، ويشدد التقرير على أهمية ألّا يؤدي هذا الدمج إلى تقويض الاستقلال الفعلي أو المتصور للتحقيقات في انتهاكات الشرطة، خصوصاً في سياق الاحتجاجات.
تراجع في المساواة
يشير التقرير إلى تعديلات تشريعية طالت أكثر من 15 قانوناً في عام 2025، شملت استبدال مصطلحات مثل “الجندر” و”المساواة الجندرية” بتعبيرات مثل “النساء والرجال” و” المساواة بين النساء والرجال”، كما تمت إزالة “الهوية الجندرية” من بعض قوائم الأسس المحمية من التمييز، ومنها قوانين تتعلق بالتمييز والجرائم المدفوعة بالكراهية والتحريض على الكراهية والعنف.
ويرى التقرير أن هذه التعديلات تثير مخاوف من تراجع مكتسبات جورجيا في مجال المساواة ومكافحة التمييز، وقد تؤدي إلى تمييز ضد الأشخاص العابرين وغير الثنائيين، كما أشار إلى استبدال آليات مؤسسية معنية بالمساواة الجندرية، مثل المجلس البرلماني للمساواة الجندرية والمجالس البلدية، بآليات مؤقتة تركز على قضايا النساء والأطفال.
إلى جانب الفضاء المدني داخل المناطق الخاضعة لسيطرة تبليسي، يتناول التقرير أوضاع حقوق الإنسان في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية والمناطق المجاورة، ويؤكد أن المفوضية السامية لا تزال غير قادرة على الوصول الفوري وغير المعرقل إلى المنطقتين، وأن السلطات المسيطرة لم ترد على طلبات الوصول خلال فترة التقرير.
ويشير التقرير إلى استمرار مزاعم انتهاكات تطول بالأساس الجورجيين الإثنيين في منطقتي غالي وأخالغيوري، وتشمل التعذيب وسوء المعاملة، والاحتجاز التعسفي، وانتهاكات حقوق السكن والأرض والملكية، والقيود على التعليم باللغة الجورجية، وضعف الوصول إلى سبل العيش والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، والتمييز على أساس إثني، وتقييد حرية الحركة والحياة الأسرية، وممارسات “ترسيم الحدود”.
هذا الجزء يجعل التقرير أكثر تعقيداً؛ لأنه لا يتناول فقط قوانين داخلية، بل أيضاً أوضاعاً في مناطق لا تصل إليها آليات المراقبة الدولية بشكل كافٍ، ما يضاعف هشاشة السكان المتأثرين.
أرقام تكشف حجم القيود
يوثق التقرير استمرار تقييد حرية التنقل عبر خطوط التقسيم الإدارية، وما يترتب على ذلك من أثر في الوصول إلى التعليم، والصحة، والمعاشات، والأسواق، والخدمات الأساسية، كما يشير إلى تسجيل الحكومة الجورجية في عام 2025 ثلاث حالات تتعلق بتركيب أسلاك أو لافتات “حدودية” أو خنادق في أبخازيا، و55 حالة مماثلة في أوسيتيا الجنوبية.
وفي ملف الاحتجاز، تشير الحكومة الجورجية إلى أن 74 شخصاً احتجزوا في عام 2025: 40 في أبخازيا و34 في أوسيتيا الجنوبية، وتورد مصادر أخرى أرقاماً قريبة، مع بقاء عدد من الأشخاص محرومين من حريتهم في نهاية العام.
كما يشير التقرير إلى أن برنامج الإحالة الطبي في المناطق الخاضعة لسيطرة تبليسي قدم دعماً طبياً ممولاً من الدولة لـ1,406 مرضى في عام 2025، بينهم 1,131 من أبخازيا و260 من أوسيتيا الجنوبية، ما يوضح أثر القيود في الحركة في الوصول إلى الرعاية الصحية.
قراءة تحليلية
تكشف وثيقة جورجيا اتجاهين متوازيين: الأول، تضييق متزايد على الفضاء المدني والإعلام والاحتجاج داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة؛ والثاني، استمرار هشاشة حقوقية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بسبب القيود على الوصول الدولي، وحرية الحركة، والتعليم، والصحة، والمساءلة.
الأخطر في الجزء الأول أن التراجع لا يظهر فقط من خلال العنف أو المنع المباشر، بل عبر قوانين جديدة: قوانين تمويل، قوانين تجمعات، قوانين بث، عقوبات إدارية، وتعديلات جنائية. هذه الأدوات قد تبدو قانونية وإجرائية، لكنها عندما تكون واسعة وغامضة وقاسية، تنتج أثراً عملياً يتمثل في تقليص المساحة العامة.
أما في المناطق المتأثرة بالنزاع، فالمشكلة ترتبط بغياب الوصول والرقابة والمحاسبة، عندما لا تستطيع آليات حقوق الإنسان الوصول، يصبح السكان أكثر عرضة للانتهاكات وأقل قدرة على طلب الحماية.
وما يمكن استخلاصه أن تقرير المفوض السامي يضع جورجيا أمام اختبار حقوقي واضح: هل يمكن للدولة أن تتعاون مع آليات حقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه تعتمد قوانين تضعف المجتمع المدني والإعلام والاحتجاج؟ وهل يمكن الحديث عن حماية الحقوق دون مساءلة فعلية عن استخدام القوة ضد المتظاهرين والصحفيين؟ وهل يمكن معالجة أوضاع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية دون وصول دولي مستقل ودون ضمان حقوق السكان المتأثرين؟
التوصيات الأممية واضحة: مراجعة التعديلات القانونية بما ينسجم مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وحماية الحق في التجمع السلمي، وضمان التحقيق المستقل في الانتهاكات، واستعادة بيئة مواتية للمجتمع المدني، ومكافحة التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
