منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الاستغلال عبر وسائل التواصل.. عندما يتحوّل المحتوى الرقمي إلى انتهاك لحقوق الأطفال

06 أغسطس 2026
جهود دولية لحماية الأطفال من خطر التكنولوجيا
جهود دولية لحماية الأطفال من خطر التكنولوجيا

في عالم رقمي يتوسع بوتيرة متسارعة، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للتواصل والترفيه، بل تحوّلت إلى ساحات تتصارع فيها حقوق الطفل مع مصالح شركات التكنولوجيا وحريات التعبير.

وتصدّرت أستراليا المشهد كأول دولة في العالم تفرض حظرًا على حسابات وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون 16 عامًا في ديسمبر 2025، وهو ما دفع دولًا عدة إلى أن تحذو حذوها.

وفي يونيو 2026، كشف رئيس الوزراء الأسترالي أنطوني ألبانيز عن نيته مضاعفة الغرامات القصوى على شركات التكنولوجيا المخالفة من 49.5 مليون دولار أسترالي إلى 99 مليون دولار، معتبرًا أن الشركات “لا تفعل ما يكفي للامتثال للقانون”.

وقالت وزيرة الاتصالات أنيكا ويلز، إن المنصات تستخدم “حيلًا قذرة” لتقويض الحظر، قائلة: “اليوم، ترسل أستراليا رسالة إلى هذه الشركات: نحن نرى ما تفعلونه، نحن لسنا هنا للعب الألعاب. إذا كنتم تريدون ممارسة الأعمال في أستراليا، فستمتثلون للقوانين الأسترالية” .

محتوى ضار على الإنترنت

في تعليق يعكس التحدي الذي يواجه المنظمين، أعربت المفوضة جولي إنمان غرانت عن إحباطها من القيود المفروضة على صلاحيات هيئتها، مشيرة إلى أن الهيئة تلقت 108,000 شكوى بشأن محتوى ضار على الإنترنت في العام المنتهي في 30 يونيو 2026، مقارنة بـ55,000 في السنة المالية السابقة، إلا أن العتبة القانونية العالية أدت إلى إصدار أوامر إزالة في 2% فقط من الحالات.

وفي لحظة مؤثرة، اعتذرت إنمان غرانت أمام اللجنة الملكية لمعاداة السامية والتماسك الاجتماعي قائلة: “هذا أحد أكثر الأشياء التي أندم عليها.. نحن هنا لمساعدة الناس، وأريد فقط أن أعترف بأنني أعلم أن الكثيرين في المجتمع اليهودي يعانون، وأنا آسفة حقًا لأوجه القصور في المخطط عندما لم نتمكن من المساعدة”.

وحذرت من أن العالم يشهد “حواجز حماية أكثر مرونة من أي وقت مضى” على الرغم من امتلاك “أقوى التكنولوجيا في العالم، المملوكة لأغنى علماء التكنولوجيا في العالم”، واصفة ذلك بأنه “وصفة لكارثة” .

الابتزاز واستغلال الأطفال

وكشفت تقارير هيئة eSafety الأسترالية الصادرة في يوليو 2026 عن “فجوات كبيرة” في كيفية تعامل شركات التكنولوجيا الكبرى مع الابتزاز الجنسي واستغلال الأطفال، حيث تلقت الهيئة أكثر من 2,000 شكوى بشأن الابتزاز الجنسي في ستة أشهر فقط، وكان الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا هم الأكثر تضررًا، بينما يستهدف الجناة المراهقين الأصغر سنًا بشكل متزايد.

وأشارت إنمان غرانت إلى أن المحققين لا يزالون يشاهدون “النصوص والصور نفسها” المستخدمة عبر عمليات احتيال متعددة، قائلة: “في عدة حالات، قدمنا لهذه المنصات أدلة على كيفية استغلال خدماتها من قبل المجرمين بتأثير مدمر، مع توجيهات واضحة حول كيفية وقف الإساءة، ولكننا لم نرَ ردودًا كافية رغم توفر التكنولوجيا اللازمة”.

وانتقدت عدم استخدام معظم المنصات، بما فيها Instagram وWhatsApp وGmail وDiscord وiMessage من Apple، لأدوات تحليل اللغة للكشف عن محاولات الابتزاز، معتمدة بدلاً من ذلك بشكل كبير على إبلاغ المستخدمين.

وأضافت: “من المذهل أننا لم نشهد اعتمادًا أكبر لهذه التدخلات”، مشيرة إلى أن التكنولوجيا موجودة بالفعل لكشف إساءة معاملة الأطفال بشكل أفضل، بما في ذلك الإساءة التي تُبث مباشرة عبر مكالمات الفيديو.

جهود لحماية الأطفال

في بريطانيا، كثّفت هيئة تنظيم الاتصالات Ofcom جهودها لحماية الأطفال، وفي 16 يوليو 2026 أعلنت فتح تحقيق رسمي في امتثال TikTok لالتزاماتها بموجب قانون السلامة عبر الإنترنت، مع التركيز بشكل خاص على نموذج التحقق من العمر.

وأعربت كيت ديفيز، مديرة الاستراتيجية والأبحاث في Ofcom، عن شكوك جدية بشأن تقنية استدلال العمر التي تعتمد على تحليل سلوك المستخدم، قائلة: “هذه التقنية ليست مدرجة في إرشاداتنا كطريقة فعالة للتحقق من العمر”.

وفي الوقت نفسه، كشف تقرير Ofcom أن نسبة الأطفال الذين واجهوا فحوصات عمر فعالة للغاية ارتفعت من 25% إلى 43% بين يوليو 2025 ويناير 2026، مع إتمام أكثر من 69 مليون فحص عمر عبر 32 خدمة على الإنترنت خلال النصف الثاني من 2025، بزيادة 23 ضعفًا عن الفترة السابقة.

لكن التقرير حذّر من أن بعض خدمات البالغين لا تزال تعمل دون فحوصات عمرية، وأن الأطفال يمكنهم بسهولة اكتشاف هذه المواقع عبر محركات البحث، مما دفع Ofcom إلى العمل مع Google وMicrosoft Bing لإيجاد حلول عملية .

تواصل الغرباء مع الأطفال

في تطور تشريعي، أكدت وزيرة الدولة البريطانية للعلوم والابتكار ليز كيندال في رسالتها إلى Ofcom في 15 يونيو 2026 أن الحكومة ستحظر على شركات التواصل الاجتماعي تقديم خدماتها لمن هم دون 16 عامًا.

وستحظر ميزات مثل البث المباشر وتواصل الغرباء مع الأطفال في الألعاب الإلكترونية، وستجعل هذه الميزات مغلقة افتراضيًا لمن هم في سن 16 و17 عامًا، وستحظر أيضًا روبوتات الدردشة الذكاء الاصطناعي من تقديم محتوى صريح جنسيًا لمن هم دون 18 عامًا.

وأكدت كيندال أن “الإنفاذ المرئي والموثوق سيكون ضروريًا لبناء الثقة بأن هذه الحماية حقيقية وفعالة في الممارسة العملية”، وأشارت إلى أن الاستجابة العامة لتشاور الحكومة حول “النشأة في العالم الرقمي” تجاوزت 116,000 رد.

أما في فرنسا، فقد وافق الجمعية الوطنية مؤخرًا على حظر للأطفال دون 15 عامًا، ومن المتوقع صدور التشريع النهائي خلال العام الجاري، لتلتحق بركب الدول التي تتبنى سياسات تقييد عمرية صارمة.

اتهامات لاذعة واعتذارات

في الولايات المتحدة، شهد 22 يوليو 2026 جلسة استماع في مجلس الشيوخ، حيث أدلى رؤساء تنفيذيون لشركات Meta وTikTok وX وغيرها بشهاداتهم أمام لجنة القضاء، في مشهد جمع بين الاتهامات اللاذعة والاعتذارات العلنية.

وفي لحظة مؤثرة، وقف مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة Meta، واعتذر لأهالي الضحايا الذين رفعوا صور أطفالهم قائلاً: “أنا آسف لكل ما مررتم به جميعًا.. لا ينبغي لأحد أن يمر بما عانت منه عائلاتكم”.

ووجه السيناتور جوش هاولي انتقادات لاذعة لزوكربيرغ قائلاً: “هناك عائلات الضحايا هنا، هل ترغب في الاعتذار لهم؟” وفي مواجهته مع زوكربيرغ حول تعويض الضحايا، أجاب الأخير: “لا أعتقد ذلك”.

وكشف السيناتور ريتشارد بلومنتال عن رسائل بريدية داخلية لشركة Meta يعود تاريخها إلى أغسطس 2021، كتب فيها نيك كليغ، رئيس الشؤون العالمية، محذرًا من أن “السياسيين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا يعبرون علنًا وبشكل خاص عن مخاوفهم بشأن تأثير منتجاتنا على الصحة النفسية للشباب”.

الصحة النفسية للشباب

في سياق متصل، كشفت جلسة الاستماع عن رسائل داخلية تظهر أن مسؤولي Meta ناقشوا ضرورة تعزيز فرق “الرفاهية” في الشركة مع تزايد المخاوف بشأن تأثير المنصات على الصحة النفسية للشباب، في حين أشارت بيانات معهد Childlight إلى قفزة مذهلة في حالات الإساءة للأطفال التي سهلتها التكنولوجيا في الولايات المتحدة من 4,700 حالة في عام 2023 إلى أكثر من 67,000 في عام 2024.

أما في كوريا الجنوبية، فقد كشف كيم جونغ تشول، رئيس هيئة الإعلام والاتصالات الكورية، في 16 يوليو 2026 عن دراسة الهيئة، على مراحل، خطة لتقييد الأطفال دون 14 عامًا من إنشاء حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، والحد من التعرض للتصاميم والخوارزميات المشجعة للاستخدام المفرط لمن هم بين 14 و19 عامًا، مشيرًا إلى وجود حوالي سبعة مشاريع قوانين مقترحة ذات صلة.

وأشارت افتتاحيات الصحف الكورية إلى أن نسبة المراهقين المعرضين لخطر الإفراط في الاعتماد على الهواتف الذكية بلغت مستوى قياسيًا بلغ 43% في عام 2025، مع استمرار التنمر الإلكتروني وإساءة استخدام التزييف العميق في التصاعد.

وفي تطوّر قضائي، أصدرت المحكمة الفيدرالية الأسترالية في مايو 2026 أمرًا ضد شركة X Corp بدفع غرامة قدرها 650,000 دولار أسترالي لفشلها في الامتثال الكامل لإشعار الشفافية الصادر عن هيئة eSafety.

ضغوط متزايدة في الهند

واجهت Meta ضغوطًا متزايدة في الهند، حيث أصدرت الحكومة إشعارًا صارمًا للشركة بعد تقارير إعلامية عن إعلانات على Instagram تروّج لمواد استغلال الأطفال جنسيًا، وأمرت بإزالة جميع الإعلانات والمحتوى المخالف.

وردًا على ذلك، نشرت Meta تدوينة مفصلة أكدت فيها أنها حددت وعطلت العديد من الحسابات المخالفة قبل نشر التقرير، مشيرة إلى أنها أزالت تلقائيًا أكثر من 4 ملايين حساب مشبوه من Facebook وInstagram خلال العام الماضي، بالإضافة إلى 36 مليون قطعة محتوى لإساءة استغلال الأطفال.

وفي الهند وحدها أزالت 160,000 حساب مشبوه خلال ستة أشهر . وقالت الشركة: “نحن نتعامل مع استغلال الأطفال بصفته جريمة مروعة، ونعمل بقوة لمكافحة هذا النوع من الإساءة على منصاتنا وخارجها كل يوم” .

ويشهد عام 2026 يشهد تحوُّلًا في كيفية تعامل الدول مع استغلال الأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحرك الحكومات على مسارين متوازيين: المسار التشريعي الذي يفرض حظرًا عمريًا وتدابير تحقق صارمة، والمسار القضائي الذي يحاسب الشركات على تصميماتها المسببة للإدمان وتقصيرها في حماية الأطفال.