في بلدة إبل السقي جنوب لبنان، يواجه خالد نحرا، البالغ 48 عاماً، خطر إغلاق ورشته المتخصصة في تطريز المنتجات والشارات والتذكارات المخصصة لعناصر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، بعد نحو 25 عاماً من العمل، مع اقتراب انسحاب القوة الدولية من المنطقة.
وتوفر الورشة فرص عمل لنحو 12 شخصاً، وتعتمد في نشاطها على أفراد اليونيفيل بوصفهم سوقها الرئيسية، ما يجعل انسحابهم تهديداً مباشراً لاستمرارها ولمصدر دخل العاملين فيها الذين أمضى بعضهم ما بين 15 و20 عاماً في هذه الوظائف، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.
وينتظر نحو 400 موظف لبناني يعملون لدى قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) مصير وظائف ارتبطت بوجودها في الجنوب، في حين تواجه شركات محلية احتمال خسارة عقود شكلت مصدر دخل لها لسنوات، وفي القرى التي أنهكتها الحرب، تستعد عائلات للعودة إلى منازل متضررة ومناطق لم تستعد خدماتها الأساسية، في حين يقترب موعد رحيل قوة دولية امتد حضورها قرابة خمسة عقود.
هكذا يتجاوز انسحاب اليونيفيل مسألة تسليم المواقع العسكرية إلى الجيش اللبناني؛ إذ يثير أسئلة عن حماية المدنيين واستمرار الرعاية الصحية والمياه والتعليم، وعن قدرة الدولة على تعويض الأثر الاقتصادي والخدمي للبعثة في منطقة لا تزال تواجه الدمار والنزوح ومخاطر الذخائر غير المنفجرة.
وفي 20 أغسطس/آب الماضي، تسلم اللواء السابع في الجيش اللبناني موقعاً لليونيفيل قرب الخردلي – الليطاني، وفق الوكالة الوطنية للإعلام، في خطوة عملية نحو إنهاء مهمة البعثة التي بلغ قوامها نحو 7565 جندياً من 46 دولة، بحسب بيانات سبتمبر/أيلول.

انسحاب في بيئة هشة
بموجب قرار مجلس الأمن 2790 الصادر في 28 أغسطس/آب 2025، تنتهي ولاية اليونيفيل في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، على أن يتبع ذلك انسحاب منظم وآمن خلال عام، ورجحت البعثة في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية، مغادرة معظم جنودها بحلول منتصف 2027، مع اقتصار مهامها خلال فترة الانسحاب على حماية أفرادها ومنشآتها وتسليم مواقعها.
وتقول المتحدثة باسم اليونيفيل كانديس أرديل، في حديث خاص لـ«صفر»، إن البعثة تنسق مع السلطات اللبنانية، ولا سيما الجيش، لضمان انسحاب «آمن ومنسق ومسؤول»، واصفة إنهاء المهمة بأنه عملية معقدة في بيئة أمنية «هشة وغير متوقعة».
وتوضح أن نقل المواقع والأصول يجري وسط استمرار الأنشطة العسكرية والدمار ومخاطر الذخائر غير المنفجرة، فضلاً عن استمرار وجود القوات الإسرائيلية في أجزاء من الجنوب.
ومنذ التصعيد الذي بدأ في 2 مارس/آذار 2026، قُتل سبعة من حفظة السلام وأصيب آخرون، بينهم الرقيب الصربي ميلوفان يوفانوفيتش الذي توفي مطلع يونيو/حزيران إثر سقوط قذيفة هاون قرب مرجعيون، وفق بيان للأمين العام للأمم المتحدة.
ويستعد الجيش اللبناني لتولي مسؤوليات إضافية جنوب الليطاني، وكانت قيادته أكدت رداً على اتهامات إسرائيلية أن إجراءاتها موثقة لدى لجنة الإشراف على وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم»، مستشهدة بمهمتها في منشأة ببلدة كفرا التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2025، وتوقفت في مارس/آذار إثر تهديدات إسرائيلية، قبل استئنافها في أغسطس/آب وإغلاقها في 16 أكتوبر/تشرين الأول.
وفي موازاة ذلك، تتداول تقارير خيارات لآلية مراقبة بديلة، مع ذكر إيطاليا وإندونيسيا وبريطانيا وسويسرا ضمن الدول المحتملة، دون حسم شكلها أو صلاحياتها.

وظائف وعقود مهددة
تؤكد أرديل أن اليونيفيل توظف نحو 400 لبناني، إلى جانب تعاملها مع شركات محلية بموجب عقود خدمات، مقرة بأن تعويض الأثر الاقتصادي للبعثة في الجنوب “لن يكون سهلاً”.
وتبلغ ميزانيتها السنوية المعتمدة نحو 552.8 مليون دولار، وفق قناة LBC، مع تأثر التمويل بحجب واشنطن جزءاً من إسهاماتها في الأمم المتحدة. ولا تمثل هذه الميزانية إنفاقاً محلياً بالكامل، وإن كان جزء منها ينعكس على السوق اللبنانية.
وكانت مجلة «إكزكيوتيف» قد قدرت، في تحقيق نشرته عام 2010، أن نحو 40% من مشتريات البعثة ذهبت إلى قرابة 160 مورداً لبنانياً، بقيمة تقارب 33 مليون دولار خلال عام 2009. وهي أرقام تاريخية لا تصلح لتقدير الخسائر الراهنة، لكنها توضح طبيعة الارتباط الاقتصادي الذي نشأ حول وجود القوة.
وبدأ تقليص هذا الحضور قبل انتهاء الولاية، مع إعلان اليونيفيل خفض عددها بنحو ألفي جندي بسبب الأزمة المالية للأمم المتحدة.
وعن وجود خطط لمساعدة الموظفين والمنشآت الصغيرة المتأثرة، تقول أرديل إن البعثة تقدر إسهامات العاملين والمتعاقدين معها وتسعى إلى انتقال سلس، لكن قدرتها على اتخاذ إجراءات لتعويض التداعيات تبقى محدودة.

العودة إلى قرى لم تتعافَ
يأتي الانسحاب وسط خسائر بشرية واسعة؛ إذ بلغت حصيلة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بين 2 مارس/آذار و12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وفق وزارة الصحة العامة، نحو 4389 قتيلاً و12424 مصاباً، في حين نزح أكثر من مليون شخص خلال الحرب.
وتبدي أرديل قلق البعثة من حجم الدمار الذي أصاب المنازل والمنشآت المدنية وأثره في تأخير التعافي وعودة النازحين، مشيرة إلى استمرار اليونيفيل، ضمن ولايتها وقدراتها، في تسهيل وصول المساعدات ودعم إصلاحات محدودة وربط المجتمعات المحلية بالشركاء الإنسانيين.
وتؤكد أن المسؤولية الأساسية عن حماية المدنيين وتقديم الخدمات تقع على الحكومة اللبنانية، وأن البعثة تنسق مع وكالات الأمم المتحدة لتحديد الفجوات المحتملة بعد مغادرتها.
وتضيف أن استثمارات اليونيفيل في المستشفيات الحكومية والصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني وشبكات المياه البلدية ستبقى لخدمة السكان. غير أن استمرار هذه المؤسسات لا يضمن وحده كفاية خدماتها، ما لم تتوافر الموارد اللازمة لوصول الناس إليها، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.
بعبدا تحذر من تداعيات متعددة
يقول رفيق شلالا، المسؤول الإعلامي في القصر الجمهوري في بعبدا، لـ«صفر»، إن إنهاء مهمة اليونيفيل ستكون له انعكاسات أمنية واقتصادية واجتماعية وصحية، بالنظر إلى دور البعثة في دعم المجتمعات المحلية طوال عقود.
ويشير إلى أن إسهاماتها امتدت إلى التعليم، من خلال مشاريع دعمت مدارس حكومية جنوبية بالمستلزمات وتحسين البنية التحتية، إلى جانب مبادرات أخرى لخدمة السكان.
ويعكس هذا التقدير الرسمي اتساع المسؤوليات التي تنتظر الدولة اللبنانية؛ فهي مطالبة بتسلم المهام الأمنية، وفي الوقت نفسه تأمين الخدمات وإعادة تأهيل المناطق المتضررة ودعم مصادر الرزق، وسط تساؤلات عن حجم المساندة الدولية التي ستبقى متاحة للجيش والمؤسسات المدنية.
حقوق لا تنتهي بانتهاء المهمة
يرى المحامي اللبناني المتخصص في حقوق الإنسان حسن خليل أن رحيل اليونيفيل لا ينهي التزامات الدولة تجاه سكان الجنوب.
ويقول خليل لـ«صفر» إن المرحلة المقبلة تتطلب ترتيبات واضحة تمنع نشوء فجوات في حماية المدنيين، وتعزز قدرة المؤسسات اللبنانية على أداء مسؤولياتها الأمنية والإنسانية.
ويضيف أن ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، من الرعاية الصحية والمياه إلى التعليم وسبل العيش، يستلزم خططاً عملية وموارد كافية، حتى لا يتحمل السكان وحدهم كلفة التحولات الأمنية والاقتصادية.
ولا يعني انتهاء مهمة اليونيفيل أن فراغاً أمنياً أو انهياراً خدمياً سيقعان حتماً. لكن تسلم المواقع العسكرية، مهما بلغت أهميته، لن يكون وحده مقياس نجاح المرحلة المقبلة.
ففي القرى التي تنتظر عودة أهلها، وبين العاملين الذين يترقبون مصير وظائفهم، سيُقاس أثر الانسحاب بما إذا كان الناس سيتمكنون من الاحتفاظ بأرزاقهم، والوصول إلى العلاج والمياه والتعليم، والعودة إلى منازلهم بأمان، أما السؤال الذي سيبقى بعد رحيل آخر جندي دولي، فهو ما إذا كانت الدولة وشركاؤها قد أعدوا ما يكفي كي لا يدفع سكان الجنوب ثمن انتقال لم يختاروا توقيته.
