منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تيلابيري.. غرب النيجر يتحول إلى بؤرة مفتوحة للعنف وتفكك الدولة

28 مايو 2026
العنف في النيجر يتسبب في نزوح آلاف المدنيين
العنف في النيجر يتسبب في نزوح آلاف المدنيين

في غرب النيجر، حيث تتداخل الحدود مع مالي وبوركينا فاسو، تتحول منطقة تيلابيري إلى إحدى أكثر بؤر العنف دموية في البلاد، لم يعد ما يجري هناك مجرد موجة أمنية عابرة، بل أصبح نمطاً متكرراً من الهجمات والنزوح وتراجع سلطة الدولة، في منطقة تتحرك فيها الجماعات المسلحة عبر الحدود مستفيدة من هشاشة الأمن واتساع الصحراء وتشابك طرق التهريب.

وتشير بيانات مشروع تتبع مواقع النزاعات المسلحة ACLED، إلى أن النيجر سجلت نحو 1939 وفاة مرتبطة بالعنف المسلح خلال عام 2025، في حين شهدت تيلابيري وحدها أكثر من 1200 وفاة، أي ما يزيد على 61% من إجمالي الضحايا في البلاد.

ويكشف هذا التركز الحاد للعنف أن الإقليم لم يعد هامشاً حدودياً، بل مركز لأزمة أمنية وإنسانية آخذة في الاتساع.

عنف يستهدف المجتمع

لم يعد العنف في تيلابيري مقتصراً على المواجهات بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة، بل اتجه بصورة متزايدة نحو استهداف القرى والسكان المدنيين، ففي مارس 2025 وثقت تقارير حقوقية هجوماً على مسجد في إحدى قرى الإقليم، أسفر عن مقتل 44 مدنياً أثناء الصلاة، في حادثة عكست انتقال العنف إلى الفضاءات الدينية والاجتماعية الأكثر حساسية.

الهجمات غالباً ما تترافق مع إحراق منازل ونهب ممتلكات وسرقة ماشية، وهي ممارسات لا تستهدف قتل المدنيين فقط، بل تفكيك اقتصاد القرى القائم على الزراعة والرعي.

وبهذا المعنى، يتحول العنف إلى أداة للإفقار القسري، إذ تمتد آثاره إلى ما بعد لحظة الهجوم، لتضرب قدرة السكان على البقاء والاستقرار.

وتُظهر تيلابيري نموذجاً واضحاً لتراجع وظائف الدولة في المناطق الحدودية، فالإقليم يقع ضمن نطاق جغرافي شديد التعقيد، على تماس مع مثلث ليبتاكو–غورما، حيث تنشط جماعات مسلحة وشبكات تهريب ومسارات غير رسمية للحركة عبر الحدود.

هذا الامتداد الجغرافي يمنح الجماعات المسلحة قدرة كبرى على التنقل والمناورة، في مقابل حضور أمني رسمي محدود وغير مستقر، كما أن السيطرة على الأرض لا تبدو ثابتة لأي طرف، بل تتغير باستمرار، ما يخلق حالة من “التجزئة الأمنية” التي تجعل التدخلات العسكرية محدودة الأثر، وتترك المدنيين في مواجهة تهديد دائم.

صراع الموارد والهوية

لا ينفصل العنف في تيلابيري عن التوترات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمعات الريفية. فالصراع على المياه والمراعي والأرض، خاصة بين المجتمعات الزراعية والرعوية، بات يشكل أحد مداخل التوتر المحلي، وتستغله الجماعات المسلحة لتعزيز نفوذها أو تقديم نفسها بوصفها قوة حماية بديلة في مناطق يغيب عنها حضور الدولة.

وتؤدي هذه الديناميات إلى إضعاف شبكات الوساطة التقليدية داخل القرى، وتفكيك البنى الاجتماعية التي كانت تلعب دوراً في احتواء الخلافات، ومع تكرار الهجمات، باتت قرى كثيرة تعمل بصورة متقطعة أو تُفرغ من سكانها، في حين يتآكل تدريجياً معنى الحياة المستقرة في الريف النيجرِي.

تسبب تصاعد الهجمات في تيلابيري والمناطق المحيطة بها في دفع آلاف المدنيين إلى النزوح الداخلي أو عبور الحدود نحو دول الجوار، ولا يرتبط النزوح هنا بهجوم واحد فقط، بل بالخوف المستمر من عودة الهجمات، وغياب ضمانات الحماية، وصعوبة معرفة الجهة القادرة فعلياً على تأمين السكان.

ومع تعدد الفاعلين المسلحين، وتداخل القوات الرسمية وغير الرسمية، يعيش المدنيون حالة من الضبابية؛ فلا يعرفون دائماً من مصدر التهديد ومن مصدر الحماية، وهذا الوضع يعمق الهشاشة الإنسانية ويدفع السكان إلى خيارات قاسية بين البقاء في مناطق خطرة أو النزوح نحو ظروف أكثر فقراً وعدم استقرار.

إعادة تشكيل الأمن

شكّل انقلاب يوليو 2023 نقطة تحول في السياسة الأمنية للنيجر، بعدما أعادت السلطات العسكرية صياغة علاقاتها الخارجية، وأنهت التعاون العسكري مع فرنسا، واتجهت نحو شراكات أمنية جديدة، بينها التعاون مع أطراف روسية.

لكن هذا التحول لم ينعكس، في تراجع واضح للعنف. فعلى الرغم من إعلان تعبئة أمنية شاملة في ديسمبر 2025، ومنح القوات صلاحيات أوسع لمكافحة التمرد، استمرت الهجمات بوتيرة مرتفعة، ما يكشف محدودية المقاربة العسكرية في معالجة أزمة ذات جذور اجتماعية واقتصادية وحدودية معقدة.

وفي يناير 2026 شهدت العاصمة نيامي هجوماً نوعياً استهدف المطار الدولي وقاعدة جوية باستخدام طائرات مسيّرة، في تطور يشير إلى تغير أدوات القتال وارتفاع مستوى التنسيق والتسليح لدى بعض الجماعات المسلحة.

وتكشف هجمات مثل الهجوم على قرية واني في مارس 2026 الذي قُتل فيه سبعة جنود وتخللته عمليات نهب ماشية، أن العنف في تيلابيري يجمع بين البعد العسكري والاقتصادي. فالهجمات لا تستهدف السيطرة أو الانتقام فقط، بل ترتبط أيضاً بمصادر التمويل المحلية، مثل الماشية والإتاوات والتهريب.

وهذا التداخل بين السلاح والاقتصاد غير المشروع يجعل الصراع أكثر قدرة على الاستمرار؛ لأن الجماعات المسلحة لا تعتمد فقط على الدعم الخارجي أو الأيديولوجيا، بل على شبكات تمويل محلية مرتبطة بحياة السكان ومواردهم.

حق الحياة الآمنة

قال سيدي حيبللا، ناشط حقوقي من النيجر، إن الانتهاكات المرتبطة بالعمليات الإرهابية في البلاد “كثيرة جداً وخطيرة”، مشيراً إلى أن الجيش النيجري ظل الهدف الرئيسي لهذه الجماعات، لكنه في المقابل “يعمل ليلاً ونهاراً من أجل تقليص شوكة الإرهاب وتحقيق انتصارات ملموسة على الأرض”.

وأشار حيبللا في تصريحات خاصة لـ”صفر” إلى أن هذه الجماعات ارتكبت “انتهاكات غير أخلاقية وغير إنسانية واسعة النطاق”، مؤكداً أن المدنيين كانوا الأكثر تضرراً، خصوصاً في المناطق التي شهدت البدايات الأولى لتصاعد العنف.

ونبّه إلى أن تلك الممارسات شملت “عمليات تصفية عشوائية لكل من يقع أمامهم، من مدنيين وحتى المواشي”، في مشهد يعكس، بحسب وصفه، “انهياراً كاملاً لأي وازع إنساني أو قانوني لدى هذه الجماعات”.

وأوضح حيبللا أن النيجر لم تكن تعرف ظاهرة الإرهاب في السابق، وكانت “تنعم بالأمن والاستقرار”، قبل أن تبدأ موجات الهجمات المكثفة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في مناطق تيلابيري وديفا، مشيراً إلى أن هذه المناطق شهدت نشاطاً لجماعات متطرفة، منها بوكو حرام، إضافة إلى عناصر مرتبطة بتنظيمات أخرى مثل تنظيم القاعدة، والتي تسعى إلى زعزعة استقرار البلاد.

وأضاف أن الحكومة النيجيرية “تخوض معركة متواصلة” ضد هذه الجماعات، مؤكداً أن الجهود الأمنية مستمرة على مدار الساعة لاستعادة الاستقرار، ونبّه إلى أن طبيعة تحركات المسلحين تعتمد على “هجمات تكتيكية خاطفة يعقبها انسحاب سريع نحو المناطق الحدودية”، ما يجعل المواجهة أكثر تعقيداً، لكنه شدد في الوقت ذاته على أنه “لا يوجد أي شبر من أراضي النيجر تحت سيطرة هذه الجماعات”.

وأشار حيبللا إلى أن تداعيات هذه الهجمات لم تقتصر على الجانب الأمني، بل امتدت لتشمل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، حيث تأثرت الزراعة بشكل كبير، إلى جانب تراجع الأنشطة الرعوية نتيجة سرقة المواشي بالقوة في بعض المناطق، خاصة في تيلابيري وأجزاء من محافظة طاوة، مؤكداً أن هذه الممارسات “تضرب مباشرة مصادر رزق المواطنين وتفاقم هشاشتهم الاقتصادية”.

ولفت إلى أن تصاعد العنف دفع أعداداً كبيرة من السكان إلى النزوح من مناطقهم، هرباً من الهجمات، وهو ما انعكس سلباً على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، مضيفاً أن “بعض النازحين بدؤوا بالعودة تدريجياً مع تحسن الوضع الأمني نسبياً”، في ظل الجهود المستمرة التي يبذلها الجيش.

وأكد حيبللا أن الدولة “تقف إلى جانب المواطنين وتعمل على دعمهم ومساندتهم”، سواء من خلال الاستجابة للبلاغات أو عبر العمليات العسكرية التي تستهدف تفكيك هذه الجماعات. ونبّه إلى أن تحقيق الاستقرار الدائم لا يقتصر على الحلول الأمنية فقط، بل يتطلب أيضاً “دعماً اقتصادياً وتنموياً حقيقياً يوفر فرص العمل ويضمن للمواطنين سبل العيش الكريم”.

واختتم تصريحه بتأكيد أن المدنيين في النيجر “لا يطلبون سوى الأمن والاستقرار”، داعياً إلى تكثيف الجهود المحلية والدولية لدعم البلاد في مواجهة هذا التحدي، ومشدداً على أن “المعركة ضد الإرهاب ليست عسكرية فقط، بل هي معركة من أجل الحياة والكرامة والاستقرار”.

المدنيون والأمن الهشّ

في ظلّ تصاعد التحديات الأمنية التي تشهدها بعض مناطق النيجر خلال الفترة الأخيرة، أكد الكاظم أحمد، الصحفي في الإذاعة والتليفزيون الوطني بالنيجر، أن الحياة اليومية ما تزال مستمرة بدرجة كبيرة رغم ما يحيط بها من مخاطر، مشيراً إلى أن الإحساس العام بعدم الاستقرار لم يمنع السكان من التمسك بروتينهم اليومي وأملهم في تحسن الأوضاع.

وقال الكاظم في تصريحات خاصة لـ”صفر” إن الشعور بالأمان “لم يختفِ بالكامل، لكنه أصبح أكثر هشاشة مقارنة بالسنوات الماضية”، موضحاً أن استمرار الحياة يعود بدرجة أساسية إلى ما تبذله السلطات من جهود لتعزيز الأمن وإعادة التوازن إلى المناطق المتأثرة.

وأشاد الكاظم، بالجهود الحكومية الرامية إلى احتواء الوضع الأمني، مؤكداً أن هذه الجهود، رغم صعوبتها، بدأت تُحدث أثراً تدريجياً في بعض المناطق. ونبّه في الوقت ذاته إلى أن التحديات لا تزال قائمة، وأن الاستقرار الكامل يتطلب مزيداً من العمل والتنسيق على مستويات متعددة لضمان حماية المدنيين واستعادة الثقة بشكل كامل.

وفيما يتعلق بالانتهاكات التي طالت المدنيين، أوضح الكاظم أنه تم رصد وسماع عدد من الوقائع التي استهدفت السكان، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الحالة النفسية والاجتماعية داخل المجتمعات المحلية.

وأكد أن هذه الأحداث خلقت حالة من القلق والخوف، لكنها لم تدفع السكان إلى الانهيار، بل دفعتهم إلى التكيف مع الواقع الجديد قدر الإمكان، ومواصلة حياتهم اليومية وسط ظروف صعبة. كما أشار إلى أن “الأمل لا يزال حاضراً رغم الألم”، في إشارة إلى قدرة المجتمع على الصمود.

وبشأن الدعم والحماية، قال الكاظم إن السكان لا يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة المخاطر، موضحاً أن هناك جهوداً تبذلها السلطات الوطنية إلى جانب بعض الجهات الأخرى لدعم الاستقرار وتقديم المساندة للمتضررين. وأكد أن هذا الدعم، رغم أنه لا يزال بحاجة إلى تعزيز وتوسيع، فإنه يمثل عنصراً مهماً في تخفيف حدة الأزمة وبث قدر من الطمأنينة في المجتمع المحلي.

وعن الأوضاع الاقتصادية، خاصة ما يتعلق بالزراعة وتربية الماشية، أشار الكاظم إلى أن العنف وعدم الاستقرار أثّرا بشكل واضح في مصادر الرزق الأساسية للسكان، ما أدى إلى تراجع في الإنتاج وارتفاع في صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية.

وأكد أن هذه التداعيات انعكست على مستوى المعيشة بشكل مباشر، ونبّه إلى أن استمرار الوضع بهذا الشكل قد يفاقم التحديات الاجتماعية والاقتصادية. ومع ذلك، لفت إلى أن هناك بوادر حلول تدريجية بدأت تظهر، قد تسهم في تحسين الظروف مستقبلاً إذا ما استمرت الجهود الداعمة.

وعن الاحتياجات العاجلة، أكد الكاظم أن المدنيين بحاجة ماسة إلى تعزيز الإجراءات الأمنية بشكل أكبر، ما يضمن حماية الأرواح والممتلكات ويعيد الإحساس بالاستقرار. كما شدد على أهمية دعم القطاعات الحيوية المرتبطة بالمعيشة اليومية، ما يسمح بعودة النشاط الاقتصادي تدريجياً. ونبّه إلى أن تحقيق الكرامة الإنسانية في ظل هذه الظروف يظل مرهوناً بقدرة الجهات المعنية على توفير بيئة آمنة ومستقرة تسمح بعودة الحياة إلى طبيعتها.

وختم الكاظم تصريحه بتأكيد أن الطريق نحو الاستقرار لا يزال طويلاً، لكنه ليس مستحيلاً، مشيراً إلى أن صمود السكان وتمسكهم بالأمل يمثلان عنصر قوة أساسياً يمكن البناء عليه في المرحلة المقبلة.