منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تونس.. جرائم قتل النساء تعود إلى الواجهة والقانون يواجه اختبار التنفيذ

21 أغسطس 2026
احتجاجات ضد جرائم قتل النساء في تونس
احتجاجات ضد جرائم قتل النساء في تونس

عادت جرائم قتل النساء إلى الواجهة في تونس مع تجدد وقائع عنيفة داخل الأسرة، بينها وفاة امرأة بعد أسابيع من إصابتها بطعنات خطيرة، وحادثة أخرى في جهة برج الطويل بولاية أريانة، في واقعتين أعادتا النقاش حول حدود الحماية التي توفرها الدولة للنساء المعرضات للعنف، ومدى قدرة المؤسسات على التقاط إشارات الخطر قبل تحول الاعتداءات إلى جرائم مميتة.

وتكشف البيانات الرسمية أن المشكلة لا تقف عند حدود الجرائم التي تصل إلى المحاكم، بل ترتبط بمنظومة أوسع من العنف النفسي والجسدي والاقتصادي والجنسي والإلكتروني.

أوضحت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أن تقريرها الوصفي الأول حول جرائم قتل النساء، الذي غطى الفترة من يناير 2018 إلى 30 يونيو 2023، رصد 69 جريمة قتل في 19 ولاية، وكشف ارتفاع عدد جرائم قتل النساء من 6 جرائم في 2018 إلى 23 جريمة حتى النصف الأول من 2023.

وقالت الوزارة إن التقرير اعتمد بيانات جمعتها الهياكل الأمنية والقضائية وأسر الضحايا ومندوبي حماية الطفولة، بهدف دراسة خصائص الضحايا والجناة والعوامل المحيطة بالجرائم.

الأسرة.. المكان الأخطر

كشفت وزارة الأسرة أن المنزل كان مسرحاً لغالبية جرائم قتل النساء التي درستها، إذ تراوحت النسبة بين 57% في 2020 و93% في 2021، بينما ظهر الزوج بوصفه مرتكب الجريمة في 71% من الحالات التي شملها التقرير.

وأظهرت البيانات أيضاً أن 52.17% من الضحايا كن متزوجات، وأن 51% منهن كن خارج دائرة المشاركة الاقتصادية، فيما بلغ عدد أطفال ضحايا جرائم قتل النساء أو الشهود عليها 64 طفلاً خلال الفترة المدروسة.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة عند قراءة الوقائع الأخيرة، لأن الخطر لا يبدأ عادة عند لحظة القتل، وإنما قد يسبقه تهديد أو إهانة أو عزل أو سيطرة اقتصادية أو اعتداء جسدي، وأكد المعهد الوطني للإحصاء في تونس أن العنف ضد النساء يمثل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان، وأن جذوره ترتبط باستمرار أنماط اجتماعية تعيد إنتاج اختلالات القوة بين النساء والرجال.

عنف أوسع من جرائم القتل

أظهرت أحدث دراسة وطنية شاملة متاحة للمعهد الوطني للإحصاء في تونس، والتي أجريت أواخر 2022 ونشرت نتائجها الأولية في مارس 2024 بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان، أن 84.7% من النساء المشاركات قلن إنهن تعرضن منذ سن الخامسة عشرة لشكل واحد على الأقل من العنف، بينما قالت 57.1% إنهن تعرضن لعنف خلال الاثني عشر شهراً السابقة للمسح.

وشمل المسح 11,610 أسرة واختيرت امرأة بين 15 و74 عاماً من كل أسرة، وبلغ عدد المستجيبات 10,898 امرأة بنسبة استجابة بلغت 98%.

وأوضح المعهد الوطني للإحصاء أن العنف النفسي كان الأكثر انتشاراً خلال الأشهر الاثني عشر السابقة للمسح، بنسبة 44.4%، يليه العنف اللفظي بنسبة 26.7%، ثم العنف الجنسي بنسبة 15.6%، والعنف الاقتصادي بنسبة 11.4%، والعنف الجسدي بنسبة 5.3%، فيما بلغت نسبة النساء اللواتي تعرضن لعنف إلكتروني 14.4%.

 وتكشف هذه النتائج أن العنف المفضي إلى القتل يقع في نهاية سلسلة أوسع من أشكال السيطرة والإيذاء، وليس ظاهرة منفصلة عن بقية أنماط العنف.

الزوج في دائرة الخطر

بيّن المعهد الوطني للإحصاء أن 42.7% من النساء غير العازبات المشاركات في المسح تعرضن لشكل من أشكال العنف الزوجي خلال الاثني عشر شهراً السابقة، مقابل 35.6% تعرضن لعنف خارج العلاقة الزوجية.

كما قالت 37% من النساء إنهن تعرضن لعنف نفسي زوجي، و20.9% لعنف لفظي زوجي، و3.5% لعنف جسدي زوجي، و6.6% لعنف جنسي زوجي.

وسجل المسح مؤشراً أكثر حساسية على انتقال العنف بين الأجيال، إذ قالت 46.2% من النساء إنهن شاهدن أو سمعن أن والدتهن تعرضت للعنف من والدهن.

كما أفاد المعهد الوطني للإحصاء بأن 19% من النساء لم يشعرن بالراحة في حياتهن الزوجية، بينما قالت 10.6% من النساء إنهن يبررن العنف الجسدي الذي يمارسه الزوج في بعض الحالات المرتبطة بما يعتبرنه تحدياً لسلطته أو تقصيراً من الزوجة.

قانون متقدم.. تنفيذ متعثر

أقرت تونس القانون الأساسي رقم 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، ووضع القانون مقاربة تقوم على الوقاية والتتبع والعقاب والحماية والتكفل بالضحايا، كما ألزم الدولة بجمع البيانات المتعلقة بالعنف وإحالتها إلى المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة وإعداد تقارير سنوية حول الظاهرة.

وأكدت وزارة الأسرة أن الحكومة أصدرت في أغسطس 2023 منشوراً لتشديد تنفيذ مقتضيات القانون رقم 58، ودعت الوزارات والولايات والمؤسسات العمومية إلى تطبيق الإجراءات المتعلقة بمناهضة العنف ضد النساء وتعزيز التنسيق بين المتدخلين.

كما أعلنت الوزارة في 2024 وصول عدد مراكز الأمان المخصصة لإيواء النساء ضحايا العنف والأطفال المرافقين لهن إلى 14 مركزاً بطاقة إجمالية تبلغ 221 سريراً، إلى جانب إنشاء 24 تنسيقية جهوية لمناهضة العنف.

لكن منظمة هيومن رايتس ووتش قالت في تقريرها الموازي المقدم عام 2025 إن ضعف تطبيق القانون رقم 58 حد من فاعليته، وأشارت إلى أن بيانات الدولة سجلت 4,036 حالة عنف أسري ضد نساء متزوجات خلال 2021 و2022، بينها 3,445 حالة نسبت إلى الأزواج.

وأضافت المنظمة أن هذه الأرقام قد لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة بسبب ضعف الاستجابة لبعض الشكاوى، وعدم انتظام ملاحقة القضايا وتطبيق تدابير الحماية، إضافة إلى الوصمة الاجتماعية ومحدودية خدمات الإيواء والتمويل.

الأرقام الرسمية تتوقف.. والخطر مستمر

أظهرت أحدث بيانات وزارة الأسرة المتاحة عن خط الاستماع والإرشاد “1899” أن الخط تلقى 7,397 اتصالاً خلال عام 2025، بينها 4,485 اتصالاً يتعلق بتبليغات عن عنف ضد النساء.

وتكشف هذه الأرقام استمرار الطلب على خدمات الاستماع والتوجيه والحماية، حتى مع غياب إحصاء رسمي أحدث وشامل لجرائم قتل النساء بعد التقرير الذي غطى الفترة حتى يونيو 2023.

وفي المقابل، رصدت جمعية “أصوات نساء” 26 جريمة قتل لنساء خلال 2024، بحسب بيانات نقلتها الإذاعة الوطنية التونسية في مايو 2025، بينما أعلنت الجمعية في سبتمبر 2025 أنها رصدت 22 جريمة قتل نساء بين يناير و15 سبتمبر من العام نفسه.

وأكدت الجمعية أن غياب إحصاءات رسمية منتظمة لجرائم قتل النساء يجعل العدد الحقيقي لجرائم القتل المرتبطة بالنوع الاجتماعي غير واضح.

الأمم المتحدة.. العنف انتهاك للحقوق

أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن تونس أحرزت تقدماً تشريعياً مهماً، إذ تبلغ نسبة الأطر القانونية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين ومناهضة العنف ضد النساء التي تستوفي مؤشرات المتابعة الأممية 88.9%.

لكن بيانات الهيئة تشير إلى أن 10.1% من النساء بين 15 و49 عاماً ممن سبق لهن الارتباط تعرضن لعنف جسدي أو جنسي من شريك حالي أو سابق خلال الاثني عشر شهراً السابقة وفق أحدث البيانات المتاحة لهذا المؤشر.

وتضع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تتابع تنفيذها لجنة سيداو التابعة للأمم المتحدة، مسؤولية واضحة على الدول في مكافحة التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي وضمان وصول النساء إلى الحماية والعدالة.

وتُظهر قاعدة معاهدات الأمم المتحدة أن تونس قدمت في مايو 2025 معلومات متابعة بشأن تنفيذ ملاحظات اللجنة على تقريرها الدوري السابع، بينما اعتمدت اللجنة رسالة متابعة في فبراير 2026.

حماية تسبق الجريمة

تفرض هذه المعطيات على منظومة الحماية النظر إلى التهديدات والاعتداءات السابقة باعتبارها إشارات خطر تستوجب التدخل، لا مجرد نزاعات أسرية تنتهي داخل المنزل.

ويعطي القانون التونسي رقم 58 أهمية للوقاية والحماية والتكفل إلى جانب العقاب، ما يجعل سرعة الاستجابة للشكاوى وتقييم درجة الخطورة وتنفيذ أوامر الحماية عناصر أساسية لمنع تحول العنف إلى قتل.

وأظهرت وزارة الأسرة في تقريرها الخاص بجرائم قتل النساء أن الأطفال يمثلون جزءاً مباشراً من تداعيات هذه الجرائم، إذ بلغ عدد أطفال الضحايا 64 طفلاً خلال الفترة التي شملتها الدراسة، وأكدت الوزارة أن مندوبي حماية الطفولة تعهدوا بهم سواء كانوا شهوداً على الجرائم أو ضحايا مباشرين لتداعياتها.

بين القانون والواقع

تكشف التجربة التونسية مفارقة واضحة بين تشريع يعتبر من الأطر القانونية المتقدمة إقليمياً، ومؤسسات حكومية أنشأت مراكز إيواء وخطاً وطنياً للمساعدة ومرصداً وتنسيقيات جهوية، مقابل استمرار العنف بمستويات مرتفعة وعودة جرائم قتل النساء إلى الواجهة.

ولا تقدم الأرقام المتاحة دليلاً على أن كل جريمة قتل لامرأة تمثل بالضرورة جريمة قتل على أساس النوع الاجتماعي بالمعنى القانوني أو الإحصائي؛ فتحديد الدافع والظروف والمسؤولية يحتاج إلى تحقيقات قضائية مستقلة.

لكن تكرار جرائم قتل النساء داخل المجال الأسري، إلى جانب اتساع نطاق العنف الزوجي الذي رصده المعهد الوطني للإحصاء، يجعل حماية النساء قبل لحظة الجريمة محوراً أساسياً في تقييم فاعلية السياسات العامة.

وتبقى القضية في تونس مرتبطة بقدرة المؤسسات على تحويل النص القانوني إلى حماية فعلية، وتحويل البلاغ الأول عن التهديد أو الاعتداء إلى تدخل قادر على منع الجريمة، لأن المرأة التي تصل إلى مرحلة القتل تكون قد عبرت في كثير من الحالات سلسلة طويلة من مؤشرات الخطر التي كان يمكن التقاطها والتعامل معها قبل أن تصبح المأساة خبراً جديداً في سجلات الجرائم.