منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

سلطنة عُمان أمام مجلس حقوق الإنسان.. توصيات حقوقية وإطار قانوني وطني

20 يونيو 2026
تلقت عُمان 246 توصية خلال المراجعة، وقدمت رداً رسمياً على عدد من التوصيات
تلقت عُمان 246 توصية خلال المراجعة، وقدمت رداً رسمياً على عدد من التوصيات

خضعت سلطنة عُمان للمراجعة ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، في إطار الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض، وذلك بتاريخ 22 يناير 2026، وتعد عُمان من الدول التي يتوفر عنها تقرير الفريق العامل ورد الدولة الرسمي على التوصيات، ما يسمح بقراءة أوضح لموقفها من الملفات الحقوقية المطروحة.

وبحسب الوثائق المتاحة، تلقت عُمان 246 توصية خلال المراجعة، وقدمت رداً رسمياً على عدد من التوصيات التي احتاجت إلى مشاورات وطنية إضافية، وتظهر ردود السلطنة أن الدولة قبلت عدداً من التوصيات المرتبطة بالسياسات العامة والتدريب والحماية، لكنها أخذت علماً أو قبلت جزئياً توصيات تتعلق بملفات أكثر حساسية، مثل: عقوبة الإعدام، سن المسؤولية الجزائية، زواج من هم دون 18 عاماً، العمالة، العنف الأسري، والاغتصاب الزوجي.

وتُظهر مراجعة عُمان اعتماد الدولة على لغة قانونية دقيقة في تفسير عدد من التوصيات، ففي أكثر من موضع، توضح السلطنة موقفها من خلال ربط التوصية بالإطار القانوني الوطني، أو الإشارة إلى أن بعض المصطلحات غير واردة في التشريع العُماني، أو أن بعض الملفات لا تنطبق بالشكل الذي ورد في التوصية.

وتكشف هذه المقاربة أن عُمان لا ترفض بالضرورة كل التوصيات الحساسة بصورة مباشرة، بل تتعامل معها من خلال القبول الجزئي أو أخذ العلم أو إعادة تفسير المصطلحات وفق التشريعات الوطنية، وهذا يجعل ملف عُمان مهماً لفهم كيف تتعامل الدول مع التوصيات التي تتطلب تعديلات قانونية أو مفاهيم حقوقية جديدة على التشريع المحلي.

الإعدام والمسؤولية الجزائية

يعد ملف عقوبة الإعدام من أبرز الملفات الحساسة في مراجعة عُمان، فقد أخذت السلطنة علماً بالتوصيات المرتبطة بإلغاء العقوبة، ولم تلتزم في ردها بالإلغاء القانوني، وهذا يضع عُمان ضمن مجموعة الدول التي لا تزال تحتفظ بعقوبة الإعدام في منظومتها القانونية، رغم تزايد التوصيات الدولية الداعية إلى الإلغاء.

وفي ملف سن المسؤولية الجزائية، قبلت عُمان جزءاً من توصية تتعلق بضمانات الحماية من الاحتجاز التعسفي، لكنها أخذت علماً بالأجزاء المتعلقة بإلغاء عقوبة الإعدام ورفع الحد الأدنى لسن المسؤولية الجزائية، وأوضحت أن مشروع قانون عدالة الأحداث ينص على رفع سن المسؤولية الجزائية إلى 12 عاماً.

هذا الملف يطرح سؤالاً مهماً حول مدى توافق الإصلاحات الجزئية مع المعايير الدولية لعدالة الأطفال، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأطفال في تماس مع القانون.

برامج توعية موجهة

برز ملف زواج الأطفال أو زواج من هم دون 18 عاماً كأحد الملفات التي تعاملت معها عُمان بحذر، فقد قبلت السلطنة الجزء المتعلق بتنفيذ برامج توعية موجهة للأهالي والمعلمين وقيادات المجتمع، لكنها أخذت علماً بالجزء المتعلق بإنفاذ الحد الأدنى لسن الزواج دون استثناءات.

وأوضحت الدولة أن قانون الأحوال الشخصية يحدد سن الزواج بـ18 عاماً، لكنه يسمح بزواج من هم دون هذا السن بإذن القاضي وبعد التحقق من المصلحة.

وهذا يعني أن الدولة تقبل مبدأ التوعية والوقاية، لكنها لا تلتزم بإلغاء الاستثناء القضائي بالكامل، ومن منظور حقوقي، يبقى هذا الملف بحاجة إلى متابعة، لأن الاستثناءات قد تضعف الحماية القانونية للأطفال حتى في حال وجود حد أدنى رسمي للزواج.

ومن الملفات اللافتة في رد عُمان ملف العمالة، فقد أوضحت الدولة في أكثر من موضع أن العاملين في السلطنة هم عمال بعقود مؤقتة وليسوا “عمالاً مهاجرين”، كما أشارت إلى أنه لا يوجد نظام كفالة.

هذه النقطة مهمة لأنها لا تتعلق بالمصطلحات فقط، بل بطريقة فهم الحماية القانونية، فاختيار مصطلح “عمال بعقود مؤقتة” بدلاً من “عمال مهاجرين” قد يؤثر على طبيعة الالتزامات التي تقبل بها الدولة، وعلى طريقة التعامل مع قضايا مثل التنقل، العمل اللائق، الأجور، الشكاوى، الحماية من الاستغلال، والوصول إلى العدالة.

الحماية والعدالة للنساء

يعد ملف العنف الأسري والاغتصاب الزوجي من أكثر الملفات حساسية في رد عُمان، فقد أخذت السلطنة علماً بتوصيات تتعلق بتجريم العنف الأسري والاغتصاب الزوجي، وأشارت إلى أن مصطلح “الاغتصاب الزوجي” غير موجود في التشريع العُماني، وفي المقابل، قبلت أجزاء تتعلق بتدريب سلطات إنفاذ القانون، وتوفير الوصول إلى الحماية والعدالة للنساء، كما أشارت إلى أن ختان الإناث مجرّم في القانون العُماني.

هذا الملف يكشف نمطاً واضحاً في الموقف العُماني: قبول التدابير الداعمة مثل التدريب والحماية والوصول إلى العدالة، مقابل التحفظ على إدخال مصطلحات أو جرائم محددة في التشريع الوطني، ومن منظور حقوقي، تبقى المسألة الأساسية هي مدى قدرة النظام القانوني على حماية النساء فعلياً من جميع أشكال العنف، بغض النظر عن المصطلحات المستخدمة.

وفي ملف التعاون مع آليات الأمم المتحدة، قبلت عُمان عدداً من التوصيات، لكنها أخذت علماً ببعض الجوانب المتعلقة بآليات الزيارات، وأشارت إلى أنها تتعاون مع آليات حقوق الإنسان من خلال تقديم التقارير إلى هيئات المعاهدات التي هي طرف فيها، وتنظر في طلبات المقررين الخاصين كل حالة على حدة.

ويعكس ذلك مقاربة قائمة على التعاون الانتقائي أو المرحلي، وليس التزاماً مفتوحاً بجميع آليات الزيارة أو الدعوات الدائمة، وهذا الملف يحتاج متابعة لاحقة لمعرفة مدى تطور تعاون الدولة مع الإجراءات الخاصة.

قراءة حقوقية

تكشف مراجعة عُمان عن دولة تتعامل مع الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان من خلال مقاربة قانونية حذرة ومنظمة، فهي تقبل عدداً من التوصيات التي تنسجم مع السياسات القائمة أو لا تتطلب تعديلات قانونية جذرية، لكنها تأخذ علماً أو تقبل جزئياً التوصيات التي تمس ملفات أكثر حساسية، مثل: الإعدام، سن المسؤولية الجزائية، زواج من هم دون 18 عاماً، العمالة، والعنف الأسري.

وتظهر أهمية ملف عُمان في أنه يوضح الفرق بين القبول العام للتوصية وبين الالتزام التفصيلي بمضمونها، فالدولة قد تقبل جزءاً من التوصية، لكنها تتحفظ على الجزء الذي يتطلب تعديل قانون أو إدخال مفهوم جديد أو تغييراً في البنية التشريعية.

وتظهر عُمان في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان كدولة تتعامل بجدية إجرائية مع التوصيات، لكنها تحتفظ بموقف حذر تجاه الملفات التي تمس البنية القانونية والاجتماعية، وستكون المرحلة القادمة مرتبطة بمتابعة ما إذا كانت التوصيات المقبولة أو المقبولة جزئياً ستتحول إلى إصلاحات عملية، خاصة في ملفات عدالة الأحداث، وحماية النساء، والعمالة، وزواج من هم دون 18 عاماً.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print