طرح تقرير أممي جديد صادر ضمن وثائق الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان قراءة حقوقية حادة لملف عقوبة الإعدام، من زاوية حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وحماية الكرامة الإنسانية.
أعد التقرير المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً موريس تيدبال-بينز، ضمن الوثيقة رقم A/HRC/62/37.
ويذهب التقرير إلى أن عقوبة الإعدام لا يمكن النظر إليها فقط كعقوبة قضائية تصدر في نهاية محاكمة، بل كمسار كامل يبدأ من الاعتقال والتحقيق والمحاكمة، ويمتد إلى الاحتجاز في انتظار التنفيذ، ثم التنفيذ وما بعده.
ويرى المقرر الخاص أن هذا المسار ينتج معاناة جسدية ونفسية شديدة، ليست عرضاً جانبياً أو نتيجة لانتهاكات فردية فقط، بل جزءاً ملازماً لطبيعة العقوبة نفسها وآليات تنفيذها.
عقوبة الإعدام كمسار من المعاناة
يعتمد التقرير مقاربة تحليلية تقوم على النظر إلى عقوبة الإعدام كـ“مسار” تتحكم فيه الدولة، لا كفعل منفرد. فالمعاناة لا تبدأ لحظة التنفيذ فقط، بل تبدأ من التهديد الواقعي بالموت، والضغوط النفسية في التحقيق والمحاكمة، والاحتجاز المطول في ظروف الإعدام، والسرية التي تحيط غالباً بموعد التنفيذ وطريقته، والآثار الممتدة على العائلات والأشخاص المحيطين بالمحكوم عليهم.
ويؤكد التقرير أن هذه المعاناة تتفاقم عندما تتداخل مع عوامل مثل الفقر، التمييز، الإعاقة، الجنسية الأجنبية، التهميش الاجتماعي، أو التوظيف السياسي للقضايا الجنائية.
وبهذا المعنى، لا يرى التقرير أن عقوبة الإعدام مجرد نظام عرضة للأخطاء، بل يعتبر أن إدارتها مرتبطة ببنى عدم مساواة تجعل بعض الفئات أكثر تعرضاً للمعاناة والعقوبة القصوى.
حظر التعذيب معيار مطلق
يركز التقرير على أن حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة هو حظر مطلق وغير قابل للتقييد، ويعد جزءاً من القانون الدولي العرفي ومن القواعد الآمرة في القانون الدولي.
ومن هذا المنطلق، يرى المقرر الخاص أن أي عقوبة تتضمن تهديداً مستمراً بالموت، وسرية، وتعسفاً، وتمييزاً، وشعوراً متفاقماً بالعجز، لا يمكن التوفيق بينها وبين هذا الحظر المطلق.
ويخلص التقرير إلى أن عقوبة الإعدام، في ضوء المعايير المعاصرة للقانون الدولي والفهم الطبي والنفسي الحديث للتعذيب وآثاره، غير قابلة للتوافق مع حظر التعذيب وحماية الكرامة الإنسانية. ولذلك، لا يقدم التقرير الإلغاء كخيار سياسي فقط، بل كضرورة قانونية لضمان الامتثال للمعايير الدولية.
من الوقف إلى الإلغاء القانوني
من أهم ما يطرحه التقرير أنه لا يكتفي بدعوة الدول إلى وقف التنفيذ، بل يميز بين الوقف الفعلي أو القانوني المؤقت وبين الإلغاء الكامل. ويوصي الدول التي تطبق وقفاً فعلياً أو قانونياً لعقوبة الإعدام بأن تثبت الإلغاء في القانون، وأن تمتنع عن إصدار أحكام إعدام جديدة، وأن تراجع قضايا جميع الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام بهدف تخفيف الأحكام أو إعادة إصدارها أو الإفراج عند الاقتضاء.
وهذا التمييز مهم جداً، لأنه ظهر في مراجعات عدة دول ضمن الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان. فقد برزت عقوبة الإعدام كملف حساس في دول مثل موريتانيا، عُمان، لبنان، سانت لوسيا، وسانت كيتس ونيفيس، حيث تشير بعض الدول إلى وقف فعلي طويل الأمد للتنفيذ، لكنها لم تصل بعد إلى الإلغاء القانوني الكامل.
توصيات للدول التي تحتفظ بالعقوبة
يدعو التقرير الدول التي لا تزال تحتفظ بعقوبة الإعدام، سواء في القانون أو الممارسة، إلى وقف التنفيذ فوراً والتحرك نحو الإلغاء الكامل.
ويوصي بإلغاء القوانين التي تسمح بعقوبة الإعدام في الجرائم التي لا تستوفي معيار “أشد الجرائم خطورة”، وبالامتناع عن إصدار أحكام إعدام جديدة، وبمراجعة الأحكام التي صدرت في إجراءات شابتها ادعاءات تعذيب، احتجاز سري أو بمعزل عن العالم الخارجي، غياب ضمانات المحاكمة العادلة، أو تمييز.
ويشدد التقرير على عدم جواز تبرير الإبقاء على العقوبة بالردع أو الدعم الشعبي أو أي أسباب أخرى يعتبرها غير كافية لتجاوز الالتزامات الدولية المرتبطة بالحق في الحياة، حظر التعذيب، والكرامة الإنسانية.
لا يقتصر التقرير على مسؤولية الدول فقط، بل يتناول أيضاً دور المهنيين الطبيين والجهات الخاصة. فهو يدعو الجمعيات المهنية والهيئات التنظيمية الطبية والنفسية إلى حظر ومعاقبة مشاركة المهنيين الصحيين في عمليات الإعدام أو في “إضفاء الطابع الطبي” على بروتوكولات التنفيذ.
ويوصي الجهات الخاصة، بما في ذلك شركات الأدوية وموردي الغازات والصيدليات المركبة ومقدمي الخدمات اللوجستية والوسطاء، باتخاذ كل الإجراءات المتاحة لمنع استخدام منتجاتها أو خدماتها أو خبراتها في تنفيذ الإعدام.
قراءة حقوقية
يمثل هذا التقرير تحولاً مهماً في طريقة النقاش الأممي حول عقوبة الإعدام. فبدلاً من حصر النقاش في الحق في الحياة أو ضمانات المحاكمة العادلة، يضع التقرير العقوبة داخل إطار أوسع يتعلق بالتعذيب والكرامة الإنسانية والمعاناة الممتدة.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد فقط: هل تمت المحاكمة بشكل عادل؟ بل: هل يمكن أصلاً لنظام ينتج تهديداً منظماً بالموت ومعاناة تراكمية أن يكون متوافقاً مع حظر التعذيب؟
ومن زاوية عمل منصة صفر، يوفر هذا التقرير أساساً قوياً لربط الملفات القطرية التي ظهرت فيها عقوبة الإعدام كقضية حساسة بقراءة موضوعية أوسع. فالدول التي تعلن وقفاً فعلياً للتنفيذ ستبقى، وفق هذا التقرير، أمام سؤال الإلغاء القانوني الكامل ومراجعة جميع أحكام الإعدام القائمة.
ويضع التقرير الأممي عقوبة الإعدام في قلب النقاش حول الكرامة الإنسانية وحظر التعذيب، ويؤكد أن الإلغاء لم يعد مجرد توجه حقوقي عام، بل ضرورة قانونية في ضوء تطور المعايير الدولية.
وتبرز أهمية التقرير في أنه ينقل النقاش من مستوى “هل تنفذ الدولة العقوبة؟” إلى سؤال أعمق: “هل يمكن أن تبقى العقوبة نفسها قائمة في القانون دون أن تتعارض مع الكرامة وحظر التعذيب؟”
