أبرز تقرير أممي حديث التقدم الذي أحرزته تايلاند في مجال الرعاية الصحية والتغطية الصحية الشاملة، لكنه أكد في الوقت نفسه أن العديد من الفئات الأكثر هشاشة ما زالت تواجه تحديات وعقبات تحول دون تمتعها الكامل بالحق في الصحة، داعياً إلى تبني نهج أكثر شمولاً يرتكز على حقوق الإنسان ويضمن المساواة وعدم التمييز في الحصول على الخدمات الصحية.
وأشار التقرير، الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن تايلاند نجحت في بناء واحد من أكثر أنظمة الرعاية الصحية تطوراً وشمولاً في منطقة آسيا، إلا أن هذا النجاح لا يخفي استمرار فجوات تؤثر على فئات بعينها، من بينها المهاجرون واللاجئون والأشخاص ذوو الإعاقة والعاملون في الجنس ومتعاطو المخدرات وأفراد مجتمع الميم والمحتجزون والسكان الذين يعيشون في المناطق الريفية والنائية.
وأوضح التقرير، الذي أعدته المقررة الخاصة المعنية بالحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية عقب زيارة رسمية إلى تايلاند، أن الحق في الصحة لا يقتصر على الحصول على العلاج والخدمات الطبية فقط، بل يشمل أيضاً مجموعة واسعة من الحقوق المرتبطة به، مثل الحق في الغذاء والمياه النظيفة والسكن اللائق والتعليم والعمل والبيئة الصحية، باعتبارها عناصر أساسية لضمان حياة كريمة وصحية.
وأشاد التقرير بالإنجازات التي حققتها الحكومة التايلاندية في مجال التغطية الصحية الشاملة، والتي أتاحت لملايين المواطنين الحصول على خدمات الرعاية الأساسية، كما نوّه بتطور المستشفيات والمرافق الصحية وارتفاع كفاءة العاملين في القطاع الصحي، فضلاً عن التقدم الملحوظ في مجالات الابتكار الطبي والسياحة العلاجية التي جعلت من تايلاند وجهة إقليمية ودولية للعلاج والرعاية الصحية.
فوارق اجتماعية واقتصادية
ورغم هذه النجاحات، أكد التقرير أن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية ما زالت تؤثر على فرص الوصول المتساوي إلى الخدمات الصحية، خاصة بالنسبة للفئات المهمشة وسكان المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية.
كما أشار إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة ما زالوا يواجهون تحديات تتعلق بإمكانية الوصول إلى المرافق والخدمات الصحية والدعم اللازم الذي يمكنهم من التمتع بحقوقهم بصورة كاملة.
وتناول التقرير أوضاع العمال المهاجرين الذين يشكلون جزءاً مهماً من الاقتصاد التايلاندي، موضحاً أن الملايين منهم يتمتعون بإمكانية الاستفادة من النظام الصحي عند استيفاء الشروط القانونية المطلوبة، إلا أن أعداداً كبيرة لا تزال تواجه صعوبات مرتبطة بالتغطية التأمينية والإجراءات الإدارية، في حين تبقى أوضاع المهاجرين غير النظاميين أكثر هشاشة بسبب المخاوف المتعلقة بوضعهم القانوني وما يترتب عليه من إحجام عن طلب الرعاية الصحية أو اللجوء إلى المؤسسات الطبية.
وسلّط التقرير الضوء على التحديات المرتبطة بفيروس نقص المناعة البشرية، مشيراً إلى أن تايلاند حققت تقدماً ملموساً في خفض معدلات الإصابة الجديدة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الوصم الاجتماعي والتمييز لا يزالان يشكلان عقبة أمام وصول بعض الفئات إلى الخدمات الوقائية والعلاجية.
وأوضح أن العاملين في الجنس والأشخاص المتحولين جنسياً والنساء اللاتي يتعاطين المخدرات ما زالوا من بين الفئات الأكثر عرضة للتمييز، الأمر الذي ينعكس سلباً على أوضاعهم الصحية.
قوانين تجرم بعض الأنشطة
وأشار التقرير إلى أن القوانين التي تجرم بعض الأنشطة المرتبطة بالعمل في الجنس تسهم في تعقيد أوضاع العاملين والعاملات في هذا المجال، داعياً إلى مراجعة التشريعات والسياسات بما يضمن حماية الحقوق الصحية والإنسانية للأشخاص المعنيين ويحد من المخاطر التي يتعرضون لها.
وفي ملف الصحة النفسية، أكد التقرير أن تايلاند تواجه تحدياً متزايداً يتمثل في ارتفاع الحاجة إلى خدمات الدعم النفسي والعلاج المتخصص، مقابل محدودية أعداد الأطباء والمتخصصين في هذا المجال.
ودعا إلى زيادة الاستثمار في خدمات الصحة النفسية وتوسيع نطاقها، خاصة للفئات الأكثر عرضة للعنف والصدمات النفسية والضغوط الاجتماعية.
وأوضح أن الازدحام يفاقم مخاطر انتشار الأمراض المعدية ويؤثر على جودة الخدمات الصحية المتاحة للمحتجزين، فضلاً عن محدودية خدمات الصحة النفسية والرعاية المتخصصة.
النساء داخل أماكن الاحتجاز
تطرق التقرير إلى أوضاع النساء داخل أماكن الاحتجاز، مشيراً إلى وجود تحديات تتعلق بالحصول على الرعاية الصحية المناسبة والاحتياجات الخاصة بالنساء، كما أشار إلى الصعوبات التي تواجهها النساء المتحولات جنسياً المحتجزات في سجون الرجال، بما في ذلك الحصول على الرعاية الصحية الملائمة والعلاج الهرموني اللازم.
وفي جانب آخر، أبدى التقرير قلقاً بالغاً إزاء التداعيات الناجمة عن تعليق جزء من المساعدات الدولية الموجهة للقطاع الصحي وبرامج اللاجئين خلال عام 2025، موضحاً أن هذا القرار أثر بشكل مباشر على الخدمات الصحية المقدمة للاجئين والمهاجرين والمجتمعات الحدودية والفئات الأكثر تهميشاً.
وأوضح التقرير أن عدداً من البرامج الصحية توقف بصورة مفاجئة نتيجة نقص التمويل، بما في ذلك خدمات الصحة النفسية والإحالات الطبية وبرامج تنظيم الأسرة وبناء القدرات للعاملين في القطاع الصحي.
وأشار إلى أن المستشفيات التايلاندية حاولت سد جزء من الفجوة الناتجة عن توقف التمويل، إلا أن قدرتها على تحمل هذه الأعباء على المدى الطويل تظل محدودة ما لم يتم توفير دعم دولي إضافي.
أثر خفض التمويل
لفت التقرير إلى أن تأثيرات خفض التمويل كانت واضحة بصورة خاصة على الخدمات المقدمة للأشخاص المتحولين جنسياً والعاملين في الجنس ومتعاطي المخدرات، وخاصة في مجالات الصحة الجنسية والإنجابية وخدمات الوقاية والرعاية الصحية المتخصصة.
ورغم التحديات القائمة، أبرز التقرير عدداً من الممارسات الإيجابية التي يمكن البناء عليها، من بينها نجاح المراكز الصحية المحلية في الكشف المبكر عن الأمراض وتقديم الرعاية الأولية، والدور المحوري الذي يؤديه المتطوعون الصحيون في دعم النظام الصحي والوصول إلى المجتمعات المحلية،
وأشاد بالتعاون الصحي العابر للحدود بين المؤسسات الطبية في تايلاند والدول المجاورة، معتبراً ذلك نموذجاً ناجحاً لتعزيز الرعاية الصحية الإقليمية.
ونوّه التقرير بالتطور الذي حققته تايلاند في مجالات الابتكار الطبي والسياحة العلاجية، مؤكداً أن البلاد استطاعت خلال العقدين الماضيين أن ترسخ مكانتها كوجهة مهمة للعلاج والاستشفاء والخدمات الطبية المتخصصة، وهو ما وفر عوائد اقتصادية مهمة وأسهم في تطوير البنية الصحية الوطنية.
المعارف والممارسات المجتمعية
أشار التقرير إلى أهمية المعارف التقليدية والممارسات المجتمعية في دعم الصحة العامة، لافتاً إلى الدور الذي تقوم به المجتمعات المحلية والتعاونيات الزراعية في الحفاظ على الزراعة العضوية واستخدام الأعشاب الطبية التقليدية، بما يعزز الأمن الصحي والغذائي ويحافظ على الموارد الطبيعية.
وفي ختام التقرير، شددت المقررة الأممية على أن نجاح تايلاند في تطوير قطاعها الصحي يجب أن يترافق مع ضمان وصول جميع الفئات إلى الخدمات الصحية دون تمييز، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني في صياغة السياسات الصحية، وتوسيع برامج التوعية بحقوق الإنسان، وزيادة الاستثمار في الصحة النفسية والخدمات المقدمة للفئات الأكثر هشاشة.
وأوصت الحكومة بمواصلة الإصلاحات القانونية والمؤسسية، وتعزيز التمويل المستدام للقطاع الصحي، وتطوير سياسات الحد من أضرار المخدرات، وضمان حماية حقوق المهاجرين واللاجئين والفئات المهمشة، بما ينسجم مع التزامات تايلاند الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وخلُص التقرير إلى أن تايلاند تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لأن تكون نموذجاً إقليمياً وعالمياً في مجال الرعاية الصحية، إلا أن تحقيق هذا الهدف بصورة كاملة يتطلب معالجة أوجه التفاوت القائمة، وضمان أن يتمتع جميع الأفراد، بغض النظر عن أوضاعهم الاجتماعية أو القانونية أو الاقتصادية، بحقهم الكامل في الصحة باعتباره أحد الحقوق الأساسية التي تقوم عليها التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
