تناول تقرير أممي جديد صادر ضمن وثائق الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان وضع حقوق النساء والفتيات في زيمبابوي، وذلك بعد زيارة أجراها الفريق العامل المعني بالتمييز ضد النساء والفتيات إلى البلاد خلال الفترة من 28 يوليو إلى 8 أغسطس 2025.
وقيّم الفريق العامل خلال الزيارة الإطار القانوني والمؤسسي والسياساتي المتعلق بالمساواة بين الجنسين، ومشاركة النساء في الحياة الأسرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعامة، مع اهتمام خاص بحقوق الفتيات ومستقبلهن.
وخلال الزيارة، التقى الفريق العامل ممثلين عن السلطات المركزية والمحلية، والبرلمان، ومنظمات دولية، والمجتمع المدني، ونساء وفتيات في هراري وموتاري وماسفينغو ووبولاوايو، كما زار مدارس ومستشفيات وسجناً للنساء، ومراكز شاملة للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
إطار دستوري متقدم
يشير التقرير إلى أن زيمبابوي وضعت منذ دستور عام 2013 أساساً دستورياً قوياً لحماية حقوق النساء والفتيات، من خلال التأكيد على المساواة بين الجنسين كقيمة وطنية، وحظر التمييز على أساس الجنس والنوع الاجتماعي والحمل والحالة الاجتماعية، وضمان مشاركة النساء في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
لكن التقرير يؤكد أن التقدم القانوني لا يزال يواجه تحديات كبيرة في التنفيذ، فالفريق العامل أشار إلى استمرار العوائق المرتبطة بعدم كفاية الموارد، وضعف التطبيق، واستمرار المواقف الأبوية والأعراف الاجتماعية التي تقلل من قيمة الفتيات وتؤدي إلى انتهاكات مثل زواج الأطفال، محدودية فرص التعليم، والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
العنف ضد النساء والفتيات
يعد ملف العنف القائم على النوع الاجتماعي من أبرز محاور التقرير، فقد أشار الفريق العامل إلى أن هذا العنف، الذي تفاقم خلال جائحة كوفيد-19، لا يزال تحدياً خطيراً وواسع الانتشار أمام المساواة والحقوق الأساسية للنساء والفتيات، ووفق التقرير، أفادت حوالي 27% من النساء في زيمبابوي بأنهن تعرضن لعنف جسدي، و9% بأنهن تعرضن لعنف جنسي منذ سن 15 عاماً.
ولفت التقرير إلى أن الاعتداء الجنسي على الأطفال لا يزال مصدر قلق، خاصة بالنسبة للفتيات في الأسر التي يرأسها أطفال، والفتيات المهاجرات غير المصحوبات، والفتيات ذوات الإعاقة، واليتيمات، والفتيات المنتميات إلى بعض الطوائف الدينية، كما أشار إلى أن الفضاء الرقمي أصبح غير آمن للنساء والفتيات بسبب التنمر الإلكتروني، ونشر الصور الحميمة دون موافقة، ولوم الضحايا، والتضليل القائم على النوع الاجتماعي.
وأشار التقرير إلى أن التحرش الجنسي واسع الانتشار، وذكر أن دراسة عام 2017 وجدت أن 90% ممن تعرضوا للعنف أو التحرش في العمل تعرضوا لتحرش جنسي، كما أشار الفريق العامل إلى معلومات حول انتشار ما يعرف بـ“الابتزاز الجنسي”، حيث تُطلب من النساء خدمات جنسية مقابل الحصول على وظائف أو الوصول إلى خدمات عامة.
يكشف هذا الملف أن العنف والتمييز لا يقتصران على المجال الأسري، بل يمتدان إلى أماكن العمل، ومؤسسات التعليم العالي، والمؤسسات الدينية، والقطاعات الأمنية والخدمية، ولذلك، فإن مكافحة التحرش تحتاج إلى تشريعات شاملة وآليات شكوى فعالة وحماية من الانتقام.
قوانين غير كافية
يعرض التقرير أن زيمبابوي تمتلك إطاراً قانونياً قوياً نسبياً لمواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي، فالقانون الجنائي يجرّم أشكالاً متعددة من العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب الزوجي والاتجار لأغراض جنسية.
ويجرّم قانون العنف المنزلي لعام 2007 أشكالاً متعددة من الإساءة، بما في ذلك الجسدية والجنسية والعاطفية واللفظية والنفسية والاقتصادية، ويحظر بعض الممارسات الضارة مثل اختبار العذرية القسري وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية والميراث القسري للزوجة.
وأدخلت زيمبابوي عقوبات إلزامية على الاغتصاب والاعتداء غير اللائق المشدد، بما في ذلك حد أدنى يبلغ 10 سنوات لمن يُدان بالاغتصاب، وعقوبة مفترضة تبلغ 20 عاماً في حالات الاعتداء غير اللائق المشدد.
ويحظر قانون الجرائم الإلكترونية وحماية البيانات التصوير أو مشاركة الصور الحميمة دون موافقة، والاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت، والاستدراج الإلكتروني للأطفال.
لكن التقرير يوضح أيضاً أن الحماية لا تزال محدودة في بعض المجالات، فعلى سبيل المثال، يحظر قانون العمل التحرش الجنسي في مكان العمل باعتباره ممارسة عمالية غير عادلة، لكنه لا يقدم تعريفاً دقيقاً للتحرش، كما أن غياب تشريع شامل للتحرش الجنسي في جميع المجالات يجعل الحماية مجزأة ومحدودة.
اعتماد على المجتمع المدني
يشير التقرير إلى أن زيمبابوي تمتلك 19 مأوى للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي و17 مركزاً شاملاً، منها 7 تديرها الدولة، وتجمع هذه المراكز بين الشرطة، والمحامين، والعاملين الصحيين، والأخصائيين الاجتماعيين، والمستشارين لتقديم دعم شامل للضحايا.
لكن الفريق العامل أشار في المقابل إلى اعتماد الدولة بشكل كبير على منظمات المجتمع المدني في تقديم الخدمات الأساسية للناجيات، بما في ذلك تشغيل المراكز الشاملة، وعيادات الاغتصاب، والملاجئ، والمساعدة القانونية.
وحذر التقرير من أن تراجع التمويل الحكومي والتمويل المقدم من الجهات المانحة قد يخلق عقبات كبيرة أمام استمرار هذه الخدمات، كما أعرب عن الأسف لأن مجلس مكافحة العنف المنزلي، وهو آلية وطنية رئيسية لمتابعة تنفيذ قانون العنف المنزلي، لم يكن عاملاً منذ أربع سنوات على الأقل.
الوصول إلى العدالة
في ملف الوصول إلى العدالة، يشير التقرير إلى إنشاء 419 وحدة صديقة للضحايا داخل مراكز الشرطة في أنحاء البلاد، يعمل فيها ضباط مدربون لتسجيل والتحقيق في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف المنزلي، كما أنشأت الدولة ما لا يقل عن 22 محكمة صديقة للضحايا لتوفير إجراءات قانونية حساسة للأطفال والضحايا، بما في ذلك استخدام الاتصال المرئي والجلسات المغلقة ومشاركة الأخصائيين الاجتماعيين.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أن هناك فجوات كبيرة ما تزال قائمة رغم هذه المبادرات، خاصة في ما يتعلق بالموارد، الوصول إلى الخدمات في المناطق البعيدة، الحماية من الوصمة، وضمان محاسبة الجناة بشكل فعال.
ويشير التقرير إلى أن زيمبابوي صادقت أو انضمت إلى سبع من تسع معاهدات أممية أساسية لحقوق الإنسان، كما أنها طرف في عدد من اتفاقيات منظمة العمل الدولية والاتفاقيات الإقليمية الإفريقية، بما في ذلك بروتوكول مابوتو بشأن حقوق المرأة في إفريقيا.
لكنها لم تنضم بعد إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وبروتوكولها الاختياري، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والبروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 بشأن العنف والتحرش في عالم العمل.
قراءة حقوقية
يكشف تقرير زيمبابوي عن فجوة واضحة بين الإطار القانوني المتقدم نسبياً والواقع العملي للنساء والفتيات، فالدستور والقوانين تعترف بالمساواة وتجرّم أشكالاً متعددة من العنف، لكن استمرار العنف، والتحرش، وزواج الأطفال، وضعف الموارد، والاعتماد الكبير على المجتمع المدني في تقديم الخدمات، كلها تشير إلى أن التنفيذ لا يزال هو التحدي الأكبر.
ويوضح التقرير أن العنف ضد النساء والفتيات يرتبط بعوامل أوسع من القانون، مثل الفقر، والجفاف، وانعدام الأمن الغذائي، ونقص المياه، والأعراف الاجتماعية، وانخفاض التمويل، وهذا يعني أن مكافحة العنف لا يمكن أن تنجح من خلال العقوبات فقط، بل تحتاج إلى حماية اجتماعية، وخدمات محلية، وتعليم، وتمكين اقتصادي، وتمويل مستدام لمنظمات المجتمع المدني.
ويضع تقرير الفريق العامل زيمبابوي أمام اختبار واضح، لديها إطار دستوري وقانوني مهم لحماية النساء والفتيات، لكنها تحتاج إلى تنفيذ أقوى، وتمويل أكبر، وخدمات أكثر استدامة، وتشريعات أكثر شمولاً، خاصة في التحرش الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وستكون متابعة هذا الملف مهمة لفهم كيف يمكن للدول أن تنتقل من النصوص القانونية إلى حماية فعلية للنساء والفتيات في الحياة اليومية.
