هيلين كلارك*
أدى تفشي مرضين نادرين خلال أسبوعين فقط -هنتافيروس الأنديز وإيبولا بونديبوجيو- إلى وفيات وإطلاق استجابات دولية مكلفة، وكشفا معًا عن فجوة لا تكمن في قدرتنا على الاستجابة، بل في استعدادنا لاستباق المخاطر ومنعها وتطبيق مبدأ الحيطة.
تطور تفشي الهنتافيروس على متن رحلة بحرية في جنوب المحيط الأطلسي ببطء، حيث مرّت ثلاثة أسابيع بين وفاة أحد الركاب في 11 أبريل وربط الوفاة بالفيروس في 2 مايو، وخلال تلك الفترة، واصل ركاب سفينة “إم في هونديوس” برنامج رحلتهم بعد إبلاغهم بأن الرجل ربما توفي لأسباب طبيعية، حيث قاموا بجولات في جزر نائية وتناولوا الطعام على الطاولات نفسها، وغادر أكثر من 30 راكبًا في سانت هيلينا وسافروا إلى وجهات مختلفة.
ومنذ 27 أبريل، بدأت الصورة تتدهور على متن السفينة؛ فقد نُقل راكب بطائرة إسعاف جوي من جزيرة أسنسيون، وأصيب آخرون بالمرض، وتوفيت امرأة.
تحوّلت رحلة استكشافية في مناطق نائية إلى حدث صحي دولي مكلف، تطلب تنسيق منظمة الصحة العالمية، وتدخل رئيس الوزراء الإسباني، واستئجار حكومات طائرات لإعادة مواطنيها من تينيريفي لقضاء أسابيع في العزل، ولا تزال احتمالية ظهور حالات إضافية قائمة.
أما التفشي الثاني فكان مقلقًا منذ اللحظة الأولى، فقد أشار تقرير لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في إفريقيا يوم الجمعة الماضي إلى 65 وفاة وأكثر من 260 إصابة بإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تركزت في إقليم إيتوري النائي المحاذي لأوغندا وجنوب السودان.
ونظرًا لأن الإيبولا متوطن في الكونغو الديمقراطية، فإنه غالبًا ما يُكتشف مبكرًا، حتى حالة أو حالتين يتم إبلاغ منظمة الصحة العالمية بهما عادة، لكن هذا التفشي كان ينتشر لأسابيع قبل تأكيده، وعند تحديده أخيرًا باعتباره السلالة النادرة “بونديبوجيو”، سارعت المراكز الإفريقية للسيطرة على الأمراض ومنظمة الصحة العالمية إلى تنبيه العالم.
إن الكلفة البشرية لانتشار الفيروس مدمرة، فإقليم إيتوري منطقة تعاني أصلًا من النزاعات والأزمات الصحية المتكررة، وقد عانت مجتمعاته من أسوأ تفشٍ للإيبولا في تاريخ البلاد، والذي انتهى فقط في عام 2020.
ويعمل العاملون الصحيون هناك في ظروف صعبة، غالبًا دون بنية تحتية أو إمدادات موثوقة، كما يشكّل اكتشاف الأمراض والاستجابة لها في هذه الظروف تحديًا هائلًا، ما يجعل الدعم الوطني والدولي أمرًا أساسيًا للكشف المبكر والاستعداد في أكثر البيئات هشاشة في العالم.
في كل تفشٍ توجد دروس، وفي هذين التفشيين تحديدًا، كان يمكن لتوقع المخاطر المعروفة والتحرك بناءً عليها أن ينقذ الأرواح ويمنع أزمات صحية دولية.
فالهنتافيروس الأنديز متوطن في الأرجنتين، وقد ارتفعت حالاته هذا العام، وتنطلق أكثر من 500 سفينة سنويًا من أوشوايا، يحمل العديد منها ركابًا استمتعوا بالطبيعة قبل بدء الرحلة.. وينتقل هذا الفيروس بين البشر عبر المخالطة القريبة، كما أظهرت حالة تفشٍ في عام 2018 عندما نقل رجل مصاب العدوى إلى أربعة أشخاص شاركوه الطاولة، وآخر خلال تحية عابرة.
وعندما يصاب راكب على متن رحلة بحرية تنطلق من أوشوايا بمرض تنفسي حاد، يجب أن يُؤخذ الهنتافيروس في الاعتبار، كما ينبغي أن تعكس بروتوكولات الطوارئ على السفن المشهد الوبائي للأمراض في موانئ الانطلاق، ورغم أن البعض قد لا يرغب في ارتداء الكمامات أو الدخول في العزل خلال رحلة العمر، فإن البديل أثبت أنه أسوأ بكثير.
في إيتوري، عندما جاءت نتائج فحوص سلالة “زيير” سلبية، تم تجاهل الحالات على ما يبدو، وفي بلد له تاريخ طويل ومؤلم مع الإيبولا، ينبغي التعامل مع أي تجمع لحالات حمى نزفية على أنه احتمال للإيبولا حتى يثبت العكس بشكل قاطع.
هذا هو معنى النهج القائم على الحيطة المرتكزة على المخاطر في الممارسة: الجغرافيا وأنماط الأمراض المتوطنة وتاريخ التفشيات المحلية يجب أن توجه ما يخطط له الأطباء وأنظمة المراقبة وما تبحث عنه.
وقد يؤدي وجود هيئة متعددة التخصصات من العلماء -أوبئة وبيئيين وأطباء وغيرهم- مكرسة لرسم هذه المخاطر بشكل مستمر وترجمتها إلى بروتوكولات مخصصة جغرافيًا إلى تحويل هذا النوع من الاستباق من مصادفة إلى نظام منهجي.
هذه الفجوات لا تقتصر على الهنتافيروس أو إيبولا بونديبوجيو؛ فالنظام الرقابي الذي يفشل في اكتشاف حمى نزفية أو لا يأخذ المخاطر المتوطنة في موانئ الانطلاق في الاعتبار سيكون أعمى بالمثل أمام تهديد أكثر خطورة؛ مرض جديد أو فيروس معروف اكتسب بهدوء القدرة على الانتشار الأوسع، وقد يتحول إلى الجائحة التالية، وقد لا يمنحنا المرض القادم سوى أيام بدلًا من أسابيع لفهم ما يحدث.
وبحسب ما نعرفه، فإن كِلا التفشّيين يحمل معدل وفيات يبلغ 32%، وكلاهما كان احتمالًا قائمًا في السياق الذي ظهرا فيه.
إن السؤال ليس ما إذا كنا نستطيع تحمّل كلفة تعزيز المراقبة والاستعداد القائم على تقييم المخاطر، بل ما إذا كنا نستطيع تحمّل تجاهل إشارات الإنذار المتعلقة بالمناخ وفقدان التنوع البيولوجي وأنماط الأمراض، وهي إشارات واضحة لمن يملك القدرة على ملاحظتها.
——————-
هيلين كلارك هي الرئيسة المشاركة للجنة المستقلة التابعة لمنظمة الصحة العالمية للتأهب والاستجابة للجائحة، ورئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة.
*نقلاً عن الغارديان
