منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد انتهاء الحروب وانسحاب القوات.. هل توفي الدول بالتزاماتها تجاه المترجمين المحليين؟

24 يوليو 2026
قلق حقوقي بشأن المترجمين بعد انتهاء الحروب
قلق حقوقي بشأن المترجمين بعد انتهاء الحروب

تنتهي الحروب عادة بانسحاب الجيوش وإغلاق القواعد العسكرية، لكن آثارها لا تنتهي بالنسبة لجميع من شاركوا فيها، فبعد سنوات على انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، ومع استمرار إنهاء مهمة التحالف العسكري في العراق، لا يزال آلاف المترجمين المحليين الذين عملوا إلى جانب القوات الأمريكية وقوات التحالف يواجهون تحديات أمنية وإنسانية معقدة، بعدما أصبح تعاونهم السابق سببا في تعرضهم للتهديد والانتقام.

ورغم إطلاق الولايات المتحدة وعدد من الدول التي شاركت في العمليات العسكرية برامج خاصة للتأشيرات وإعادة التوطين، لا تزال أعداد كبيرة من المترجمين وعائلاتهم عالقة في انتظار إجراءات قد تستغرق سنوات، الأمر الذي يثير تساؤلات حقوقية حول مدى وفاء تلك الدول بالتزاماتها تجاه أشخاص ارتبط أمنهم مباشرة بالأدوار التي أدوها خلال النزاعات المسلحة.

ولا ينظر القانون الدولي إلى المترجمين المحليين باعتبارهم موظفين عاديين، بل بوصفهم أشخاصا قد يصبحون عرضة للاستهداف بسبب طبيعة عملهم مع القوات الأجنبية. ولهذا، فإن استمرار تعرضهم للتهديد بعد انتهاء النزاع يضع قضيتهم ضمن إطار الحق في الحياة، والحق في الأمن الشخصي، ومبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يواجه فيه خطر الاضطهاد أو القتل أو التعذيب.

وتنظر هيئات اللجوء الدولية إلى هذه الفئة باعتبارها من الفئات التي قد تستحق الحماية الدولية متى ثبت أن تعاونها السابق يعرضها لخطر حقيقي.

تهديدات رغم انتهاء الحرب

تعتبر هيئات دولية أن المترجمين والعاملين المحليين الذين تعاونوا مع القوات الأجنبية في أفغانستان لا يزالون من أكثر الفئات عرضة للمخاطر الأمنية والانتهاكات الحقوقية.

وتشير بيانات الوكالة الأوروبية للجوء إلى توثيق أكثر من 110 حالات قتل لمتعاونين سابقين مع القوات الدولية، إضافة إلى عشرات التهديدات بالقتل، ومئات المداهمات التي استهدفت أشخاصا ارتبطوا بعملهم السابق مع تلك القوات.

وتؤكد هذه المعطيات أن انتهاء العمليات العسكرية لم يُنهِ المخاطر التي تواجه هذه الفئة، بل أبقى كثيرين منهم في دائرة الاستهداف بسبب تعاونهم السابق مع القوات الأجنبية.

واستجابة لهذه المخاطر، أطلقت الولايات المتحدة ودول أخرى شاركت في العمليات العسكرية برامج خاصة لتأشيرات الهجرة وإعادة توطين المترجمين والعاملين المحليين، إلا أن تنفيذ هذه البرامج لا يزال يواجه تحديات كبيرة.

وتظهر بيانات وزارة الخارجية الأمريكية الخاصة ببرنامج تأشيرات الهجرة الخاصة للأفغان (SIV) أنه حتى نهاية عام 2025 كان أكثر من 66 ألف متقدم رئيسي لا يزالون يستكملون الوثائق المطلوبة، فيما تجاوز عدد الطلبات بانتظار مراجعة رئيس البعثة الأمريكية 51 ألف طلب.

وكان نحو 15 ألف متقدم رئيسي وأكثر من 67 ألف فرد من أسرهم بانتظار تحديد مواعيد المقابلات الخاصة بالتأشيرة.

ويرى حقوقيون أن هذه الأرقام تعكس صعوبة الوصول إلى الحماية في الوقت المناسب، خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يواجهون تهديدات مباشرة بسبب تعاونهم السابق مع القوات الأجنبية.

الولاية الفعلية خارج الإقليم

ترى الباحثة القانونية آية الزيود أن النقاش حول حماية المترجمين المحليين لا يقف عند حدود السيادة الوطنية للدول التي يوجدون فيها، بل يرتبط بمفهوم “الولاية الفعلية خارج الإقليم” الذي أخذت به اجتهادات قضائية دولية.

وتوضح الزيود، في حديثها لـ”صفر”، أن المترجمين الذين عملوا داخل القواعد العسكرية الأجنبية وشاركوا في العمليات اللوجستية والأمنية خضعوا خلال سنوات عملهم لسلطة فعلية مارستها تلك القوات، وهو ما يثير تساؤلات قانونية حول استمرار مسؤولية الدول تجاههم بعد انتهاء المهام العسكرية.

وتشير إلى أن أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ولا سيما في قضيتي “السكيني ضد المملكة المتحدة” و”الجدة ضد المملكة المتحدة”، دعمت مبدأ امتداد بعض الالتزامات الحقوقية للدولة إلى الأشخاص المتأثرين بعملياتها خارج حدودها الجغرافية.

وتضيف أن هذه الاجتهادات القانونية تجعل مسؤولية الدول مرتبطة بطبيعة العلاقة التي نشأت أثناء النزاع، وليس فقط بالمكان الذي وقعت فيه الأحداث.

برامج التأشيرات.. التزام أم واجب؟

تعتبر الزيود أن برامج التأشيرات الخاصة وإعادة التوطين التي أطلقتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية للمترجمين المحليين أسهمت في خلق توقعات مشروعة بالحماية لدى الأشخاص الذين خاطروا بحياتهم نتيجة عملهم مع القوات الأجنبية.

وتضيف أن التأخير الطويل في معالجة الطلبات أو تعقيد الإجراءات الإدارية يثير تساؤلات حقوقية بشأن مدى قدرة هذه البرامج على تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها، خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الذين ما زالوا يواجهون مخاطر أمنية مباشرة.

وتشير إلى أن اشتراط وثائق أو توصيات يصعب الحصول عليها بعد سنوات من انتهاء الخدمة أو تغير الأوضاع الأمنية قد يشكل عقبة إضافية أمام الوصول إلى الحماية، مؤكدة أن توفير مسارات آمنة وسريعة، إلى جانب تسهيل لم شمل الأسر، يمثل جزءا أساسيا من الوفاء بالالتزامات القانونية والأخلاقية تجاه هذه الفئة.

مسؤولية لا تنتهي بانتهاء الحرب

تؤكد الزيود أن مسؤولية الدول التي استعانت بالمترجمين المحليين خلال النزاعات المسلحة لا تنتهي بمجرد انسحاب القوات أو انتهاء العمليات العسكرية، لأن العلاقة التي نشأت بين الطرفين في بيئات عالية الخطورة ترتب، من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، واجبا مستمرا يتمثل في اتخاذ تدابير فعالة لحماية الأشخاص الذين قد يتعرضون للانتقام أو الاضطهاد بسبب هذا التعاون.

ورغم إطلاق الولايات المتحدة وعدد من دول التحالف برامج للحماية وإعادة التوطين خلال السنوات الماضية، لا يزال كثير من المترجمين المحليين وأفراد أسرهم يواجهون تحديات تتعلق بالحصول على الحماية الفعلية أو استكمال إجراءات الانتقال إلى دول آمنة.

وفي ظل استمرار المخاطر الأمنية التي تهدد بعضهم بسبب تعاونهم السابق مع القوات الأجنبية، تبقى قضية المترجمين في أفغانستان والعراق اختبارا حقيقيا لمدى وفاء الولايات المتحدة والدول التي استعانت بهم بالتزاماتها الحقوقية، فالمعيار لا يقاس بعدد برامج التأشيرات أو التعهدات المعلنة، وإنما بقدرة تلك الدول على توفير حماية فعلية وسريعة للأشخاص الذين ارتبطت سلامتهم مباشرة بالدور الذي أدوه خلال سنوات النزاع.