منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد 22 عاماً من التجميد.. لبنان يلغي عقوبة الإعدام ويعيد رسم فلسفة العقاب

13 أغسطس 2026
لبنان يلغي عقوبة الإعدام
لبنان يلغي عقوبة الإعدام

أقر مجلس النواب اللبناني الثلاثاء 11 أغسطس 2026 قانون إلغاء عقوبة الإعدام، في تحول تشريعي أنهى وجود العقوبة من المنظومة الجزائية اللبنانية بعد أكثر من عقدين من وقف تنفيذها عملياً، واعتمد المجلس تعديلاً يقضي باستبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، على أن يشمل التعديل الأحكام السابقة التي لم تنفذ.

وقالت منظمة العفو الدولية إن البرلمان أقر القانون لجميع الجرائم، معتبرة الخطوة انتصاراً مهماً لحقوق الإنسان وحماية الحق في الحياة.

أوضحت منظمة العفو الدولية أن القانون أُقر في الجلسة العامة لمجلس النواب في 11 أغسطس، لكنه يحتاج إلى إحالته إلى رئيس الجمهورية للتوقيع ثم نشره في الجريدة الرسمية قبل دخوله حيز التنفيذ، ويعني ذلك أن التصويت البرلماني يمثل نقطة التحول التشريعية الحاسمة، في حين تكتمل عملية الإلغاء القانوني رسمياً بعد استيفاء الإجراءات الدستورية.

أكثر من عقدين بلا تنفيذ

أكدت وزارة العدل اللبنانية أن آخر تنفيذ لعقوبة الإعدام يعود إلى 17 يناير 2004، في حين ظلت العقوبة موجودة في قانون العقوبات وعدد من القوانين الأخرى.

وقالت منظمة العفو الدولية إن لبنان لم ينفذ أي حكم إعدام منذ ذلك التاريخ، لتتحول البلاد عملياً إلى دولة تطبق وقفاً غير رسمي للتنفيذ، رغم استمرار إمكانية صدور أحكام بالإعدام من المحاكم.

وأظهر تقرير أعدته المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفية أن لبنان حافظ لأكثر من عقدين على وقف فعلي لتنفيذ الإعدامات، مع استمرار المحاكم في إصدار أحكام بالإعدام.

وأوضح التقرير أن السلطات اللبنانية أبلغت المقررة الخاصة بوجود 63 سجيناً على أحكام إعدام خلال زيارة سابقة، في حين أشارت بيانات أحدث إلى ارتفاع العدد إلى 85 شخصاً حتى نهاية يناير 2026.

85 شخصاً ينتظرون مصير القانون

كشفت منظمة العفو الدولية أن 85 شخصاً كانوا لا يزالون على أحكام إعدام حتى نهاية يناير 2026، وفق بيانات مديرية السجون التابعة لوزارة العدل اللبنانية.

 ويضع القانون الجديد مصير هذه الأحكام في قلب المرحلة الانتقالية؛ إذ أكدت المنظمة ضرورة تحويل جميع أحكام الإعدام إلى العقوبة البديلة، حتى لا يبقى أي شخص معرضاً لتنفيذ عقوبة ألغيت تشريعياً.

وأوضحت وزارة العدل اللبنانية في مشروع القانون المنشور على موقعها الرسمي أن إلغاء الإعدام يشمل القرارات القضائية السابقة التي صدرت بحق محكوم عليهم ولم تنفذ أحكامهم، على أن تستبدل بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، وينص المشروع أيضاً على إلغاء المواد الإجرائية الخاصة بتنفيذ أحكام الإعدام، ما ينهي الأساس القانوني لعملية التنفيذ نفسها.

من القانون إلى فلسفة العقوبة

أعاد القانون اللبناني تعريف العقوبة القصوى من خلال استبدال إنهاء حياة المحكوم عليه بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة. وتقول منظمة العفو الدولية إن هذه الخطوة تنقل لبنان من هدنة عملية قابلة للتراجع إلى حماية قانونية مستمرة للحق في الحياة، لكنها دعت السلطات إلى استكمال الإصلاحات القضائية والتشريعية اللازمة حتى يصبح القانون جزءاً فعلياً من منظومة عدالة قائمة على الكرامة والإنصاف.

وأوضحت منظمة هيومن رايتس ووتش قبل التصويت أن مشروع القانون ألغى عقوبة الإعدام أينما وردت في التشريعات اللبنانية، واستبدلها بعقوبة السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة. وأشارت المنظمة إلى أن القانون يلغي أيضاً المواد 420 إلى 424 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنظم إجراءات تنفيذ أحكام الإعدام.

القضاء أمام اختبار جديد

حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش من أن إلغاء عقوبة الإعدام لا ينفصل عن الحاجة إلى إصلاح أوسع للنظام القضائي، خصوصاً أن المحاكم العسكرية اللبنانية كانت لا تزال تملك صلاحية إصدار أحكام بالإعدام في بعض القضايا، وأشارت المنظمة إلى أن 16 في المئة على الأقل من أحكام الإعدام التي وثقتها بين 2015 و2019 صدرت عن محاكم عسكرية، في حين صدرت بقية الأحكام عن المحاكم العادية ومجلس القضاء.

وأضافت منظمة هيومن رايتس ووتش أن لديها مخاوف قديمة بشأن ضمانات المحاكمة أمام القضاء العسكري، مشيرة إلى إفادات عن استخدام اعترافات انتزعت تحت التعذيب، وصدور أحكام دون تفسيرات كافية، ومحدودية فرص الاستئناف في بعض القضايا.

وترى المنظمة أن إلغاء عقوبة الإعدام يجب أن يترافق مع إخراج المدنيين من اختصاص المحاكم العسكرية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.

الخطأ القضائي غير قابل للتراجع

أكدت منظمة العفو الدولية أن أخطر ما يميز عقوبة الإعدام هو نهائيتها؛ لأن أي خطأ قضائي بعد تنفيذ الحكم يصبح غير قابل للإصلاح، وقالت المنظمة إن المدين قد يكون ضحية لمحاكمة غير عادلة أو أدلة خاطئة، في حين تسمح العقوبات غير القابلة للإعدام بإمكانية مراجعة الأحكام وتصحيح الأخطاء القضائية لاحقاً.

وأوضحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحمي الحق في الحياة، وتضع قيوداً صارمة على استخدام الإعدام في الدول التي لم تلغه، في حين يمثل الاتجاه الدولي نحو الإلغاء مساراً متنامياً في حماية هذا الحق.

 وكان لبنان قد صادق على العهد الدولي عام 1972، لكنه لم يصادق حتى الآن على البروتوكول الاختياري الثاني الهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام.

الأمم المتحدة تدعم الإلغاء

وجهت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالات الإعدام رسالة إلى لبنان في يناير 2026 بشأن مشروع القانون المطروح أمام البرلمان، ورحبت بالمسار التشريعي المقترح، معتبرة أن إلغاء الإعدام يمثل خطوة مهمة لتعزيز حماية الحق في الحياة والاقتراب من الاتجاه العالمي المتزايد نحو إلغاء العقوبة.

ودعت المقررة الخاصة السلطات اللبنانية إلى اعتماد الإلغاء بصورة نهائية، معتبرة أن الخطوة يمكن أن تجعل لبنان نموذجاً إضافياً للدول التي تتجه إلى إنهاء العقوبة، كما أوصت بإكمال المسار عبر التصديق على البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو الصك الدولي الأكثر ارتباطاً بالإلغاء القانوني النهائي.

لبنان وسط تحول عالمي

أظهرت أحدث بيانات منظمة العفو الدولية أن 2,707 عمليات إعدام سُجلت في 17 دولة خلال عام 2025، بزيادة 78 في المئة على 1,518 عملية سجلتها المنظمة في 2024. ولا تشمل الأرقام آلاف عمليات الإعدام التي تعتقد المنظمة أنها نفذت في الصين، كما لا تعكس بالضرورة جميع الحالات في دول لا تتوافر فيها بيانات شفافة.

وكشفت منظمة العفو الدولية أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهدت خلال 2025 ما لا يقل عن 2,611 عملية إعدام، مقابل ما لا يقل عن 1,442 عملية في 2024، في حين سجلت المنظمة 743 حكماً جديداً بالإعدام في المنطقة خلال 2025، مقارنة بـ773 حكماً في 2024. وتركزت عمليات التنفيذ في عدد محدود من الدول، في حين اتجهت دول أخرى، ومنها لبنان، نحو الإلغاء أو وقف التنفيذ.

114 دولة نحو الإلغاء الكامل

أوضحت منظمة العفو الدولية أن لبنان سيصبح، بعد دخول القانون حيز التنفيذ، الدولة رقم 114 عالمياً التي تلغي عقوبة الإعدام لجميع الجرائم. وقالت المنظمة إن 145 دولة أصبحت بالفعل دولاً ألغت العقوبة في القانون أو في الممارسة، مقابل 54 دولة ما زالت تحتفظ بها في تشريعاتها. المصدر: منظمة العفو الدولية.

وأظهرت هذه الأرقام أن إلغاء لبنان للعقوبة يأتي في وقت تتعايش فيه المنطقة مع اتجاهين متناقضين؛ فمن جهة سجل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ارتفاعاً كبيراً في عمليات الإعدام خلال 2025، ومن جهة أخرى تتحرك دول أخرى باتجاه الإلغاء أو التجميد، ويضع هذا التباين القرار اللبناني داخل نقاش إقليمي أوسع حول طبيعة العقوبة الجنائية وحدود سلطة الدولة في إنهاء حياة المحكوم عليه.

الضحايا والعدالة

أثار إلغاء الإعدام أيضاً سؤالاً يتعلق بحقوق ضحايا الجرائم الخطيرة وعائلاتهم؛ إذ لا تختزل العدالة في العقوبة وحدها، بل تشمل التحقيق الفعال، والمحاكمة العادلة، ومحاسبة المسؤولين، وتعويض الضحايا وجبر الضرر. وتؤكد المعايير الحقوقية الدولية أن حماية الحق في الحياة لا تعني إلغاء مسؤولية الدولة عن مكافحة الجريمة، وإنما تتطلب تحقيق العدالة بوسائل لا تنتهك الحقوق الأساسية.

وتضع هذه المعادلة السلطات اللبنانية أمام تحديات عملية؛ لأن السجن المؤبد المشدد سيصبح العقوبة الأقصى في القضايا التي كانت تصل إلى الإعدام، ما يفرض تحسين إدارة السجون وضمان الرعاية الصحية والمعاملة الإنسانية وإتاحة برامج التأهيل وإعادة الإدماج وفق قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا.

معركة لم تنتهِ

أثبت التصويت البرلماني أن لبنان قطع خطوة تشريعية حاسمة نحو الإلغاء، لكنه فتح في الوقت نفسه مرحلة جديدة من الاختبار. فإقرار القانون يحتاج إلى استكمال مساره الدستوري، وتحويل أحكام الإعدام القائمة إلى العقوبة البديلة، وضمان عدم بقاء أي ثغرات تسمح بإعادة العقوبة مستقبلاً.

ويشكل التصويت أيضاً تتويجاً لمسار طويل بدأ بمحاولات تشريعية متكررة، وتكثف خلال العام الأخير مع تقديم اقتراح القانون في 7 أكتوبر 2025 من جانب سبعة نواب، ثم حصوله على رأي حكومي مؤيد في 20 نوفمبر 2025، قبل أن توافق عليه لجنة حقوق الإنسان في 23 فبراير 2026، ثم لجنة الإدارة والعدل واللجان المشتركة في مراحل لاحقة وصولاً إلى التصويت النهائي.

وفي نهاية هذا المسار، ينتقل النقاش اللبناني من سؤال: هل تنفذ الدولة الإعدام؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف تحقق العدالة وتحمي المجتمع وتعاقب الجرائم الأشد خطورة دون عقوبة لا يمكن التراجع عنها؟ ويعني إلغاء الإعدام، إذا اكتمل نفاذ القانون، أن لبنان لن يكتفي بعد الآن بوقف التنفيذ عملياً، بل سيضع حماية الحق في الحياة داخل نص تشريعي واضح، في خطوة تتطلب أن ترافقها إصلاحات قضائية وسجنية واسعة حتى تتحول من إنجاز قانوني إلى ممارسة يومية للعدالة والكرامة الإنسانية.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان