شهدت أعمال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف نقاشات موسعة حول التحديات الراهنة التي تواجه منظومة حقوق الإنسان العالمية، وسط تحذيرات متزايدة من تداعيات النزاعات المسلحة، وتراجع الالتزام بالقانون الدولي، واتساع الانقسامات السياسية التي تؤثر على قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة للأزمات الإنسانية المتفاقمة.
وجاءت هذه المداخلات خلال الحوار التفاعلي بشأن التقرير السنوي للمفوض السامي لحقوق الإنسان، ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، حيث استعرضت الدول والمنظمات الدولية رؤاها بشأن أبرز الملفات الحقوقية العالمية، وفي مقدمتها الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإيران، ولبنان، وأوكرانيا، والسودان، إلى جانب قضايا سيادة القانون وعقوبة الإعدام والتحديات المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة.
الشرق الأوسط في صدارة الاهتمام
حظيت التطورات في الشرق الأوسط بالحصة الأكبر من مداخلات الدول المشاركة، حيث أعربت ماليزيا عن قلقها العميق إزاء تصاعد التوترات واستمرار النزاعات في المنطقة، مشيرة إلى الأوضاع في غزة وإيران ولبنان وما يرافقها من تداعيات خطيرة على السلم والاستقرار وحقوق الإنسان.
وأكد الوفد الماليزي أن معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات تمثل المدخل الأساسي للحد من الانتهاكات الإنسانية ومنع تكرارها، مرحباً في الوقت ذاته بالجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوتر، بما في ذلك الاتفاق الذي أُعلن عنه بين إيران والولايات المتحدة بوساطة باكستانية وقطرية.
كما شددت ماليزيا على أهمية التعاون التقني وبناء القدرات الوطنية باعتبارهما من الأدوات الفاعلة لتعزيز حماية حقوق الإنسان ودعم المؤسسات الوطنية.
تركيا: غزة تمثل اختباراً للمجتمع الدولي
من جانبها، خصصت تركيا جانباً كبيراً من كلمتها للحديث عن الوضع في قطاع غزة، معتبرة أن استمرار الحرب وما يرافقها من تهجير للسكان ومنع وصول المساعدات الإنسانية يشكل تحدياً خطيراً للمنظومة الدولية.
وأكدت أن حماية الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني تتطلب تحركاً دولياً أكثر فاعلية، داعية المجتمع الدولي إلى الوفاء بمسؤولياته القانونية والأخلاقية.
وفي الوقت نفسه، رحبت أنقرة بالاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرة أن الحلول الدبلوماسية تبقى السبيل الأمثل لمعالجة الأزمات الإقليمية.
كما انتقدت تركيا ما وصفته بتزايد مظاهر الإسلاموفوبيا والسياسات المناهضة للهجرة داخل بعض الدول الأوروبية، معتبرة أن احترام حرية التعبير وحقوق الإنسان يجب أن يبدأ من داخل الدول التي تدعو إلى هذه القيم.
سويسرا تدعو لوقف العنف
أعربت سويسرا بدورها عن قلقها من استمرار تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مطالبة بضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة بصورة آمنة وسريعة ومن دون عوائق.
كما دعت إلى وضع حد لعنف المستوطنين والأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، مؤكدة ضرورة احترام جميع الأطراف للقانون الدولي الإنساني.
وفي ما يتعلق بالتوترات في إسرائيل ولبنان وإيران، شددت سويسرا على أهمية الالتزام بوقف إطلاق النار وتجنب التصعيد الذي يدفع المدنيون ثمنه بصورة مباشرة.
اتفاق يحظى بترحيب دولي
شكل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة محوراً مشتركاً في عدد من المداخلات، فإلى جانب ماليزيا وتركيا، اعتبرت عدة وفود أن نجاح الوساطات الدبلوماسية يمثل نموذجاً يمكن البناء عليه في معالجة النزاعات الأخرى.
وأكدت هذه الدول أن الحلول السياسية والحوار تظل أكثر فاعلية واستدامة من المواجهات العسكرية، خاصة في منطقة تعاني من أزمات متراكمة منذ سنوات.
كوبا وفنزويلا تنتقدان العقوبات
على صعيد آخر، ركزت كوبا وفنزويلا على ما وصفته بالتداعيات السلبية للتدابير القسرية أحادية الجانب على حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية.
وأكدت كوبا أن الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي المفروض عليها ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين ويؤثر على الوصول إلى الموارد الأساسية والطاقة والخدمات.
واعتبرت هافانا أن استمرار هذه السياسات يمثل انتهاكاً لمبادئ القانون الدولي ومبدأ المساواة بين الدول.
أما فنزويلا فدعت إلى تبني مقاربات أكثر توازناً وموضوعية في تقييم أوضاع حقوق الإنسان، مؤكدة أن العقوبات الاقتصادية والقيود الخارجية تؤثر بشكل مباشر على قدرة الدول على تحقيق التنمية والوفاء بالتزاماتها الاجتماعية.
وأثارت كاراكاس مسألة ما اعتبرته “انتقائية” في عمل بعض آليات حقوق الإنسان الدولية، مطالبة بمزيد من الحياد والموضوعية.
الدفاع عن النظام متعدد الأطراف
في المقابل، ركزت الإكوادور والبرتغال وعدد من الدول الأوروبية على أهمية تعزيز النظام متعدد الأطراف ودعم المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.
وأكدت الإكوادور التزامها بالتعاون الكامل مع آليات الأمم المتحدة، مشيرة إلى مصادقتها على مختلف الصكوك الدولية الأساسية الخاصة بحقوق الإنسان، وإلى استمرارها في استقبال المقررين الخاصين والخبراء الأمميين.
أما البرتغال فحذرت من التراجع العالمي في الالتزام بالقانون الدولي وتزايد الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة وخطاب الكراهية والتمييز والإفلات من العقاب.
ورأت لشبونة أن المجتمع الدولي يواجه اختباراً حقيقياً للحفاظ على المكتسبات الحقوقية التي تحققت خلال العقود الماضية.
عقوبة الإعدام تعود إلى الواجهة
إحدى أبرز القضايا التي برزت خلال النقاش كانت مسألة عقوبة الإعدام، فقد أعربت سويسرا والنرويج وبلجيكا عن قلقها من مؤشرات التراجع في المسار العالمي نحو إلغاء هذه العقوبة.
وأشارت النرويج إلى أن عقوبة الإعدام تتعارض مع الحق في الحياة ومع الحظر المطلق للتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، داعية إلى مواصلة الجهود الدولية الرامية إلى إنهائها.
وأعربت أوسلو عن قلقها إزاء تنفيذ أعداد كبيرة من أحكام الإعدام في بعض الدول، إضافة إلى استئناف أو توسيع تطبيق العقوبة في دول أخرى.
بدورها، دعت سويسرا إلى مراجعة التشريعات والسياسات التي تسعى إلى توسيع نطاق الجرائم المعاقب عليها بالإعدام، مؤكدة أهمية الانضمام إلى الاتجاه العالمي المناهض لهذه العقوبة.
حقوق المرأة والمجتمع المدني والذكاء الاصطناعي
أولت مقدونيا الشمالية اهتماماً خاصاً لقضايا المساواة بين الجنسين وحماية المجتمع المدني.
وأكدت أن النساء والفتيات ما زلن يتحملن أعباء كبيرة جراء النزاعات المسلحة والتمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
كما شددت على ضرورة توفير بيئة آمنة للمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني.
وفي ملف التكنولوجيا، اعتبرت مقدونيا الشمالية أن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي تفرض ضرورة وضع ضمانات حقوقية واضحة تشمل الشفافية والمساءلة ومنع التمييز وسوء الاستخدام.
اليابان: التكنولوجيا يجب ألا تكون على حساب الحقوق
من جهتها، أكدت اليابان أن التحول الرقمي والتطور التكنولوجي ينبغي ألا يأتي على حساب الحقوق والحريات الأساسية.
وأشارت إلى ضرورة وضع أطر حوكمة فعالة للتكنولوجيات الجديدة بما يحمي الأفراد ويمنع إساءة استخدامها.
كما جددت طوكيو دعوتها إلى معالجة قضية المواطنين اليابانيين المختطفين في كوريا الشمالية، معتبرة أن هذه القضية لا تزال تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً.
أوكرانيا والنزاعات المسلحة
برزت الحرب في أوكرانيا ضمن كلمات عدد من الوفود، وخاصة مجلس أوروبا وبلجيكا.
وأكد مجلس أوروبا أن العدوان على أوكرانيا يمثل انتهاكاً خطيراً لميثاق الأمم المتحدة، مشيراً إلى دعم إنشاء آليات قضائية لمحاسبة المسؤولين عن جريمة العدوان.
كما أشاد بالتعاون القائم بين المفوضية السامية وبعثة الأمم المتحدة لرصد حقوق الإنسان في أوكرانيا.
وفي السياق نفسه، لفتت بلجيكا إلى اتساع رقعة النزاعات المسلحة في العالم وما يرافقها من انتهاكات جسيمة تشمل العنف الجنسي ضد الأطفال والنساء، مؤكدة الحاجة إلى تحرك دولي أكثر فعالية لمواجهة هذه الانتهاكات.
مكافحة الإرهاب والسياقات الوطنية
دافعت بوركينا فاسو عن الإجراءات التي اتخذتها في إطار مكافحة الإرهاب وتمويله، مؤكدة أن تنظيم عمل الجمعيات يأتي في سياق تعزيز الرقابة على مصادر التمويل ومنع استغلالها في دعم الأنشطة الإرهابية.
وشددت على أهمية اعتماد نهج قائم على الحوار والحياد عند مناقشة أوضاع حقوق الإنسان في مختلف الدول.
كما تبنت بيلاروسيا موقفاً مشابهاً، داعية إلى احترام السيادة الوطنية والخصوصيات المحلية وعدم استخدام قضايا حقوق الإنسان بصورة انتقائية أو مسيسة.
أذربيجان: التنمية جزء من حقوق الإنسان
ركزت أذربيجان على العلاقة بين حقوق الإنسان والتنمية، مؤكدة أن إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى مناطقهم تمثلان حقوقاً أساسية ينبغي دعمها.
وأشارت إلى أن انتشار الألغام يشكل أحد أبرز التحديات التي تعرقل عودة السكان واستعادة الحياة الطبيعية في المناطق المتضررة من النزاعات.
كما دعت المجتمع الدولي إلى تعزيز التعاون في مواجهة هذه التحديات الإنسانية والتنموية.
وعلى الرغم من التباينات الواضحة بين مواقف الدول بشأن عدد من الملفات السياسية والحقوقية، فإن النقاشات أظهرت وجود توافق واسع حول خطورة التحديات التي تواجه منظومة حقوق الإنسان العالمية في المرحلة الراهنة.
فبينما ركزت بعض الدول على النزاعات المسلحة والأوضاع الإنسانية في الشرق الأوسط وأوكرانيا، أولت دول أخرى أهمية لقضايا التنمية والعقوبات الاقتصادية والحياد في عمل المؤسسات الدولية، في حين تصدرت ملفات عقوبة الإعدام وحقوق المرأة والمجتمع المدني والتكنولوجيا الحديثة جدول أعمال عدد من الوفود.
وفي المحصلة، عكست المناقشات حجم الضغوط التي تواجه النظام الدولي لحقوق الإنسان، وسط دعوات متزايدة إلى تعزيز التعاون الدولي واحترام القانون الدولي وتفعيل الدبلوماسية الوقائية باعتبارها أدوات أساسية لمعالجة الأزمات المتفاقمة ومنع المزيد من الانتهاكات في مناطق النزاع حول العالم.
