يفتتح اليوم الثلاثاء، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، المنتدى الدولي الثاني لاستعراض الهجرة، في محطة دولية بارزة لمراجعة تنفيذ الاتفاق العالمي من أجل الهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، بعد ثماني سنوات من اعتماده عام 2018.
ويستمر المنتدى حتى 8 مايو الجاري، برئاسة رئيسة الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أنالينا بيربوك، وبمشاركة دول أعضاء، ووكالات أممية، ومنظمات مجتمع مدني، ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان، وممثلي القطاع الخاص والنقابات، في محاولة لإعادة تقييم السياسات العالمية للهجرة وسط تصاعد النزاعات، وأزمات المناخ، ومخاطر طرق الهجرة غير النظامية.
ويُعد المنتدى المنصة الحكومية الدولية الرئيسية داخل الأمم المتحدة لمناقشة التقدم المحرز في تنفيذ الاتفاق العالمي للهجرة، وتحديد أولويات السنوات المقبلة، على أن يختتم بإعلان تقدّم يتم التفاوض عليه بين الدول الأعضاء.
جدول المنتدى
سبق الافتتاح الرسمي عقد جلسة استماع متعددة الأطراف أمس الاثنين، والتي خصصت لإتاحة المجال أمام منظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الحقوقية، والقطاع الخاص، والنقابات، والجهات المحلية، لعرض مواقفها قبل بدء المناقشات الحكومية.
ويتضمن برنامج المنتدى ثلاث محطات رئيسية:
5 و6 مايو: أربع موائد مستديرة تفاعلية بمشاركة أصحاب المصلحة المتعددين.
6 مايو: مناقشة سياسات عامة حول الاتجاهات الكبرى في ملف الهجرة.
7 و8 مايو: جلسات عامة للدول الأعضاء والوفود المشاركة.
وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن المنتدى سيقيّم التقدم المحرز، ويحدد أولويات السنوات الخمس المقبلة، خصوصاً فيما يتعلق بحوكمة هجرة اليد العاملة القائمة على الحقوق، والحوار الاجتماعي، وحماية حقوق العمال المهاجرين.
أبرز المشاركين
تشارك في المنتدى وفود حكومية من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، إلى جانب وكالات أممية معنية بالهجرة والعمل والتنمية وحقوق الإنسان، وفي مقدمتها المنظمة الدولية للهجرة ومنظمة العمل الدولية، إضافة إلى شبكات المجتمع المدني، وممثلي القطاع الخاص، ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان المتوافقة مع مبادئ باريس.
كما أعلنت منظمة العمل الدولية أنها ستدفع داخل المنتدى باتجاه تعزيز الحوار الاجتماعي وحوكمة هجرة العمالة على أساس الحقوق، لحماية العمال المهاجرين.
وتشارك كذلك المنظمة الدولية لأصحاب العمل بوفد من قطاع الأعمال، مع التركيز على مسارات الهجرة النظامية المرتبطة بالمهارات، والتوظيف المسؤول، والاعتراف بالمؤهلات، وسد فجوات سوق العمل.
أهمية التوقيت
يعقد المنتدى في لحظة دولية حساسة؛ إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن عدد المهاجرين الدوليين بلغ 304 ملايين شخص في عام 2024، أي نحو 3.7% من سكان العالم، بعدما كان العدد نحو 154 مليوناً عام 1990.
ورغم أن المهاجرين يمثلون نسبة محدودة من سكان العالم، فإن ملف الهجرة أصبح من أكثر الملفات ارتباطاً بالسياسة والاقتصاد والأمن وحقوق الإنسان، فهناك دول تحتاج إلى العمالة والمهارات، ودول تواجه نزيفاً بشرياً بسبب الفقر والنزاعات، وملايين الأشخاص يضطرون إلى سلوك طرق خطرة بسبب غياب المسارات النظامية.
وتأتي المناقشات بعد عام شهد استمرار وفيات المهاجرين على الطرق الخطرة. ووفق المنظمة الدولية للهجرة، سُجلت في عام 2025 قرابة 8 آلاف وفاة أو حالة فقدان على طرق الهجرة حول العالم، مع ترجيح أن يكون الرقم الحقيقي أعلى بسبب تراجع القدرة على الرصد.
القضايا المطروحة
يركز المنتدى على مراجعة تنفيذ الاتفاق العالمي للهجرة، لكنه لا يقتصر على الجوانب الإدارية. فالقضايا المطروحة تشمل حماية الأرواح على طرق الهجرة، وتوسيع المسارات النظامية، ومكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وضمان حقوق العمال المهاجرين، وحماية النساء والأطفال، ومعالجة آثار تغير المناخ على الحركة البشرية.
ومن المنتظر أن يحظى ملف هجرة العمالة باهتمام خاص، في ظل حاجة دول عديدة إلى أيدٍ عاملة، مقابل استمرار تعرض عمال مهاجرين للاستغلال، والتمييز، وغياب الحماية الاجتماعية، وممارسات التوظيف غير العادلة.
كذلك يُتوقع أن تناقش الوفود قضية الاعتراف بالمهارات والمؤهلات، وهي من القضايا التي يركز عليها أصحاب العمل، باعتبارها مدخلاً لجعل الهجرة النظامية أكثر نفعاً للمهاجرين والاقتصادات المستقبلة في الوقت نفسه.
الهجرة قضية حقوقية
المنظمات الحقوقية تنظر إلى المنتدى باعتباره اختباراً لمدى جدية الدول في التعامل مع الهجرة بوصفها قضية حقوق إنسان، لا مجرد ملف حدودي أو أمني، فالمهاجرون، خصوصاً غير النظاميين، يواجهون مخاطر متزايدة تشمل الاحتجاز التعسفي، الطرد الجماعي، الاستغلال في العمل، العنف الجنسي، التمييز، والحرمان من الخدمات الأساسية.
وتبرز أهمية مشاركة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في المنتدى؛ لأنها تدفع باتجاه إدراج أصوات المهاجرين أنفسهم في السياسات، بدل الاكتفاء بالنقاشات الحكومية.
كما يتوقع أن تطرح منظمات حقوقية قضية تجريم الهجرة غير النظامية، وضرورة الفصل بين حماية الحقوق الأساسية وبين وضع الإقامة، خاصة في ملفات الصحة والتعليم والعمل والوصول إلى العدالة.
الهجرة والتنمية
أحد المحاور الأساسية للمنتدى هو ربط الهجرة بالتنمية المستدامة. فالهجرة ليست أزمة في كل الأحوال؛ إذ تسهم تحويلات المهاجرين، وتنقل المهارات، وتغطية نقص العمالة، في دعم اقتصادات دول المنشأ والمقصد معاً.
لكن تحقيق هذه الفوائد يتطلب سياسات منظمة، ومسارات قانونية آمنة، واتفاقات ثنائية ومتعددة الأطراف تضمن عدم تحول المهاجر إلى يد عاملة رخيصة أو بلا حماية.
وتؤكد منظمة العمل الدولية أن المنتدى سيركز على العلاقة بين الاتفاق العالمي للهجرة وأجندة التنمية المستدامة لعام 2030، ومنها حماية العمال المهاجرين ودمجهم في نظم العمل اللائق.
إعلان التقدم
من المنتظر أن يختتم المنتدى باعتماد إعلان تقدم تفاوضت عليه الدول الأعضاء، يحدد التزامات سياسية وتوجهات عملية للمرحلة المقبلة، ولا يُعد الإعلان معاهدة ملزمة قانوناً، لكنه يمثل وثيقة سياسية مهمة لقياس اتجاهات الدول في التعامل مع ملف الهجرة.
وتكمن أهمية الإعلان في أنه سيحدد ما إذا كان المجتمع الدولي سيتجه إلى توسيع المسارات الآمنة والنظامية، أم سيواصل التركيز على الردع والقيود الحدودية، في وقت تشير فيه أرقام الوفيات إلى أن السياسات الحالية لم تمنع الناس من الحركة، بل جعلت كثيراً من هذه الحركة أكثر خطراً.
ويمثل المنتدى الدولي الثاني لاستعراض الهجرة محطة أساسية لإعادة تقييم الطريقة التي يدير بها العالم ملف الهجرة، فالهجرة اليوم ليست ملفاً هامشياً، بل قضية تمس سوق العمل، والتنمية، والحدود، وحقوق الإنسان، والمناخ، والعلاقات بين الدول.
