لم تعد الهجمات التي تستهدف المدنيين والمنشآت الطبية والمنظمات الإنسانية تقتصر على الصواريخ والقذائف والعمليات العسكرية المباشرة، بل امتدت خلال السنوات الأخيرة إلى الفضاء السيبراني، حيث أصبحت المستشفيات وقواعد بيانات المرضى وشبكات الإغاثة الإنسانية أهدافاً متزايدة للهجمات الإلكترونية التي قد تؤدي إلى تعطيل العلاج، وتأخير عمليات الإنقاذ، وحرمان الأسر من معرفة مصير أقاربها، وتسريب بيانات ملايين الأشخاص، وفي مواجهة هذا التحول، أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن تطوير شارة رقمية جديدة تسعى إلى نقل الحماية التي توفرها اتفاقيات جنيف إلى العالم الرقمي، في خطوة تعد الأولى من نوعها على المستوى الدولي، وتفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل القانون الدولي الإنساني في عصر الحروب السيبرانية.
وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، خلال إعلانها عن النموذج الأولي للشارة الرقمية في مقر المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية “سيرن” بمدينة جنيف، إن الشارة الجديدة تستهدف تعزيز حماية البنية التحتية الرقمية الخاصة بالمنظمات الإنسانية والخدمات الصحية من الهجمات السيبرانية، عبر تعريف الأنظمة الإلكترونية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني، تماماً كما تؤدي شارة الصليب الأحمر والهلال الأحمر دورها في ساحات النزاعات المسلحة.
وأوضحت اللجنة أن المشروع طور بالتعاون مع المعهد التقني الفدرالي العالي في زيوريخ، ويخضع حالياً لاختبارات تقنية لدى عدد من الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.
تهديد يتجاوز ساحات القتال
أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الاعتماد المتزايد للمستشفيات ووكالات الإغاثة على الشبكات الرقمية وقواعد البيانات والخوادم جعلها أكثر عرضة للهجمات الإلكترونية، التي قد تترك آثاراً إنسانية لا تقل خطورة عن الهجمات العسكرية المباشرة.
وقال المدير العام للجنة الدولية للصليب الأحمر بيير كراينبول إن أي هجوم سيبراني يستهدف الخدمات الإنسانية قد يؤدي إلى تأخير العلاج الطبي، وتعطل خدمات الإسعاف، وانقطاع أخبار المفقودين عن ذويهم، ومنع وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها، وهو ما قد يفضي في النهاية إلى خسائر بشرية حقيقية.
وتؤكد بيانات الأمم المتحدة أن الاعتماد الرقمي في القطاع الصحي تضاعف بصورة كبيرة خلال العقد الأخير، بينما حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الهجمات الإلكترونية أصبحت أحد أخطر التهديدات التي تواجه الأنظمة الصحية حول العالم، خصوصاً في الدول المتأثرة بالنزاعات المسلحة والكوارث الإنسانية.
شارة رقمية للحماية
أوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الشارة الجديدة ليست مجرد رمز بصري، وإنما تعتمد على توقيع تشفيري رقمي يسمح بالتعرف على البنية التحتية التابعة للجنة الدولية، وجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، إضافة إلى المستشفيات والخدمات الطبية العسكرية والمدنية المحمية بموجب اتفاقيات جنيف.
وأكد المستشار القانوني في اللجنة الدولية للصليب الأحمر ساميت دكونها أن القانون الدولي الإنساني يمنح الوحدات الطبية ووسائل النقل الصحي حماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة، وأن الهدف من الشارة الرقمية يتمثل في إظهار هذه الحماية داخل الفضاء الإلكتروني، بحيث يتلقى أي طرف يحاول استهداف منشأة محمية إشعاراً يؤكد أنها تتمتع بحماية قانونية بموجب اتفاقيات جنيف.
وأضاف أن حذف بيانات المرضى، أو تعطيل الأجهزة الطبية، أو استهداف سلاسل الإمداد الصحي، يمكن أن يشكل انتهاكاً مباشراً للقانون الدولي الإنساني عندما يقع أثناء نزاع مسلح.
أرقام تكشف حجم الخطر
تكشف البيانات الدولية أن الهجمات الإلكترونية على القطاع الإنساني لم تعد حوادث معزولة، بل أصبحت ظاهرة متنامية.
وأعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن هجوماً إلكترونياً تعرضت له عام 2022 أدى إلى اختراق خوادم تحتوي على بيانات شخصية تخص نحو 515 ألف شخص من الفئات الأكثر ضعفاً حول العالم، بينهم مفقودون ومحتجزون وأفراد انفصلوا عن عائلاتهم بسبب النزاعات.
كما كشف موقع “ذا نيو هيومانيتاريان” أن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة تعرض خلال عام 2026 لهجوم إلكتروني أدى إلى تسريب بيانات حساسة تخص نحو 600 ألف أسرة في قطاع غزة، في واحدة من أكبر عمليات تسريب البيانات التي طالت القطاع الإنساني.
ويرى خبراء الأمن السيبراني أن مثل هذه الهجمات لا تهدد الخصوصية فقط، وإنما قد تعرض حياة المدنيين للخطر إذا استخدمت البيانات في تحديد مواقع النازحين أو العاملين في المجال الإنساني أو المرضى.
المنظمات الإنسانية أهداف سهلة
قال ستيفان دوغين، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “بروتكت” المعروفة سابقاً باسم “معهد السلم السيبراني”، إن المنظمات الإنسانية أصبحت أهدافاً سهلة للهجمات الإلكترونية بسبب محدودية مواردها التقنية والمالية.
وأوضح أن الجماعات الإجرامية تستهدف هذه المنظمات للحصول على الأموال عبر برامج الفدية، بينما تستهدفها بعض الجهات المرتبطة بالنزاعات بسبب طبيعة عملها أو مناطق انتشارها أو الجهات التي تمولها.
وأشار إلى أن نقص التمويل الدولي يجعل كثيراً من المنظمات غير قادرة على الاستثمار في أنظمة الحماية الرقمية المتقدمة، الأمر الذي يزيد من هشاشتها أمام الهجمات.
القانون الدولي أمام اختبار جديد
أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن نجاح المشروع لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، وإنما يحتاج أيضاً إلى تطوير الإطار القانوني الدولي.
وأوضح المستشار القانوني لوران جيزيل أن اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية الحالية لا تتضمن تعريفاً قانونياً للشارة الرقمية، وهو ما يستدعي تحديث القانون الدولي الإنساني، سواء من خلال تعديل البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 أو اعتماد بروتوكول جديد ينظم استخدام الشارة الإلكترونية ويحظر إساءة استخدامها.
وأضاف أن إدراج الشارة الرقمية ضمن القانون الدولي الإنساني سيمنحها الحماية القانونية نفسها التي تتمتع بها الشارات التقليدية، كما سيلزم الدول بمنع استخدامها لحماية أهداف عسكرية أو غير إنسانية.
الأمم المتحدة تدعو لحماية الفضاء الرقمي
دعت الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة إلى احترام القانون الدولي في الفضاء السيبراني، وأكد الأمين العام للأمم المتحدة في أكثر من مناسبة أن الهجمات الإلكترونية التي تستهدف المستشفيات والبنية التحتية المدنية تهدد الأمن الإنساني العالمي.
كما شدد فريق الخبراء الحكوميين التابع للأمم المتحدة والفريق العامل مفتوح العضوية بشأن أمن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على ضرورة التزام الدول بالقانون الدولي الإنساني عند تنفيذ العمليات السيبرانية، وعدم استهداف المرافق الصحية أو الإنسانية أو البنية التحتية الحيوية.
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بدورها، أن قواعد اتفاقيات جنيف تنطبق بالفعل على العمليات السيبرانية المرتبطة بالنزاعات المسلحة، حتى مع غياب معاهدات متخصصة تنظم جميع جوانب الحرب الرقمية.
تحديات التنفيذ
يرى خبراء الأمن السيبراني أن الشارة الرقمية تمثل خطوة مهمة، لكنها لن تمنع جميع الهجمات، خاصة تلك التي تنفذها جهات تتجاهل قواعد القانون الدولي الإنساني.
وأوضح ستيفان دوغين أن الشارة ينبغي أن تشكل جزءاً من منظومة متكاملة تشمل تعزيز الأمن السيبراني، والاستثمار في أنظمة الحماية، وتدريب العاملين، وتطوير آليات الاستجابة السريعة للهجمات، إلى جانب تعزيز المساءلة القانونية عن الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالنزاعات المسلحة.
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن المشروع ما زال في مرحلته التجريبية، وأن تطبيقه العملي يحتاج إلى اعتماد معايير تقنية جديدة داخل الاتحاد الدولي للاتصالات وفريق عمل هندسة الإنترنت، وهو مسار قد يستغرق عدة سنوات قبل دخوله حيز التنفيذ الكامل.
شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في الهجمات السيبرانية التي استهدفت مستشفيات ومنظمات إنسانية حول العالم، بالتزامن مع توسع الاعتماد على الأنظمة الرقمية في تقديم الرعاية الصحية وإدارة المساعدات الإنسانية، وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القانون الدولي الإنساني الذي تأسس بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعامي 1977 و2005 يفرض حماية خاصة للمرافق الطبية والعاملين في المجال الإنساني أثناء النزاعات المسلحة، إلا أن تطور الحروب الرقمية فرض تحديات قانونية وتقنية جديدة دفعت اللجنة إلى تطوير أول شارة رقمية إنسانية تهدف إلى نقل هذه الحماية إلى الفضاء السيبراني.
وترى الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر أن مستقبل حماية المدنيين لن يعتمد فقط على حماية المستشفيات والفرق الطبية في الميدان، وإنما أيضاً على حماية بياناتهم وشبكاتهم الرقمية، باعتبارها أصبحت جزءاً أساسياً من البنية الإنسانية التي تنقذ الأرواح في القرن الحادي والعشرين.

