منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“النجاة لا تنهي المأساة”.. ناجية من المحرقة تكشف كيف تقاوم الذاكرة جرائم الإبادة

17 مايو 2026
الناجية من المحرقة سونيا إيبرمان كوان

تكشف قصة سونيا إيبرمان كوان، الناجية اليهودية من المحرقة النازية، كيف تحولت الذاكرة الشخصية إلى شهادة إنسانية مفتوحة ضد الاضطهاد والاقتلاع القسري، بعدما نجت طفلةً من سياسات النازيين التي مزقت عائلتها، وقتلت والدتها وشقيقتها، ودفعتها إلى المنفى وهي في السادسة عشرة من عمرها.

ووفقًا لصحيفة “الغارديان” فإن حياة سونيا الممتدة لأكثر من قرن باتت اليوم جزءًا من معركة أوسع لحماية الذاكرة الجماعية من التلاشي، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من عودة الخطابات المتطرفة ومعاداة السامية في أنحاء مختلفة من العالم.

وتبدأ الحكاية من برلين، حيث كانت ديبورا كول وهي مراسلة “الغارديان” في برلين، تنظف بشكل متكرر لوحتين نحاسيتين صغيرتين مثبتتين أمام بنايتها السكنية، تحملان اسمي امرأتين يهوديتين قتلتا خلال الحقبة النازية: تاوب إيبرمان وابنتها لوت.

وكانت اللوحتان جزءًا من مشروع “شتولبرشتاين” أو “أحجار التعثر”، وهو مشروع تذكاري أوروبي يخلد أسماء ضحايا المحرقة أمام آخر مساكنهم المعروفة.

وتوضح كول أن المشروع، الذي أسسه الفنان الألماني غونتر ديمنيغ، يضم أكثر من 100 ألف لوحة موزعة في 31 دولة أوروبية، ويعد من أكبر مشاريع إحياء الذاكرة الشعبية في العالم، حيث يجبر المارة على التوقف أمام أسماء الضحايا والانحناء لقراءة مصائرهم.

تفاجأت الكاتبة، خلال جائحة كوفيد-19، برسالة وصلتها من بنيامين بريس، حفيد سونيا، بعدما قرأ مقالًا قديمًا لها تحدثت فيه عن تاوب ولوت.. أخبرها أن شقيقة لوت الصغرى، سونيا، لا تزال على قيد الحياة في أستراليا، وأنها ترغب في الحديث معها عن الماضي الذي ظل مطمورًا لعقود.

ظهرت سونيا، التي كانت تبلغ آنذاك 97 عامًا، خلال مكالمة عبر تطبيق “زووم”، بكامل حيويتها وذاكرتها الدقيقة، متحدثة بإنجليزية تحمل مزيجًا من اللكنتين الألمانية والاسكتلندية، مع أثر خفيف للهجة الأسترالية، وروت كيف ولدت في برلين عام 1923 لعائلة يهودية بولندية متدينة، حيث كان والدها ليب “ليو” إيبرمان يعمل بائعًا متجولًا قبل وفاته المبكرة بأزمة قلبية، تاركًا الأم توني تعول بناتها الثلاث من خلال العمل خياطة.

تستعيد سونيا طفولة اتسمت بالفقر والقلق، لكنها لم تَخلُ من لحظات الفرح الصغيرة، مثل حصول الأسرة على جهاز غراموفون، أو اصطفاف الشقيقات الثلاث بملابس البحارة في صورة عائلية قديمة، غير أن وصول أدولف هتلر إلى السلطة غير كل شيء سريعًا، بعدما بدأت السياسات النازية تستهدف اليهود بشكل مباشر.

طردت سونيا وأطفال يهود آخرون من المدرسة الحكومية بصورة تعسفية، ما اضطرها للالتحاق بمدرسة يهودية داخل حرم كنيس رايكشتراسه في برلين، وهناك، بدأت تدرك تدريجيًا أن مجرد السير في الشوارع صار خطرًا، بعدما أخذ عناصر “شباب هتلر” يطاردون اليهود ويعتدون عليهم لفظيًا وجسديًا.

تروي سونيا أن الخوف دفعها وشقيقتها لوت إلى الاختباء خلف أبواب البنايات حين يشاهدان النازيين يمرون في الشوارع، هربًا من إجبارهما على أداء التحية النازية، وبعد أحداث “ليلة البلور” عام 1938، التي شهدت اعتقالات جماعية لليهود وتخريب ممتلكاتهم، أدركت والدتها أن البقاء في ألمانيا بات مستحيلًا.

الهروب من النازية

أرسلت الأم ابنتها سونيا إلى معسكر زراعي تابع لمنظمة شبابية يهودية في ريف براندنبورغ، حيث تعلمت الزراعة وعاشت لفترة قصيرة بعيدًا عن أجواء الرعب المتصاعدة في برلين، لكن مع اتساع القمع النازي، أدرج اسمها لاحقًا ضمن قوائم الأطفال المعرضين للخطر.

توضح كول أن سونيا غادرت ألمانيا في العاشر من أغسطس 1939 ضمن القطار الثامن والعشرين لبرنامج “كيندرترانسبورت”، الذي نقل نحو 10 آلاف طفل يهودي إلى بريطانيا هربًا من الاضطهاد النازي، بينما أجبر آباؤهم على البقاء خلفهم.

ودعت سونيا والدتها في محطة فريدريش شتراسه ببرلين، في لحظة أخيرة اتسمت بالتماسك الظاهري، صافحتها الأم بقوة ووعدتها بأن العائلة ستلتقي مجددًا في فلسطين، لكن تلك كانت آخر مرة ترى فيها والدتها وشقيقتها لوت.

تكشف الرسائل التي استعادت العائلة بعضها بعد عقود، حجم الألم الذي عاشته الأم المفجوعة بفراق بناتها، كانت توني تتوسل في رسائلها لمعرفة أدق تفاصيل حياة ابنتيها في بريطانيا، وتكتب لهما باستمرار: “أرجو أن تكتبا لي كل شيء بالتفصيل”.

بينما نجحت سونيا وشقيقتها الصغرى أورسيل في الهرب إلى بريطانيا، بقيت لوت مع والدتها بعدما تجاوزت الحد العمري المسموح به لبرنامج الإنقاذ.

وانتقلت الاثنتان لاحقًا إلى منزل في الحي ذاته الذي تعيش فيه مراسلة “الغارديان” اليوم، قبل أن تجبرا على الانتقال إلى ما عرف بـ”بيوت اليهود”، وهي مبانٍ خصصها النازيون لتجميع اليهود تمهيدًا لترحيلهم.

تشير السجلات التي استعادتها العائلة، إلى أن توني ولوت رحلتا معًا في 27 أكتوبر 1941 إلى حي لودز اليهودي في بولندا المحتلة، حيث قتلتا لاحقًا على يد النازيين.

وصلت سونيا إلى بريطانيا وهي لا تعرف كلمة واحدة بالإنجليزية، وتنقلت بين ويلز واسكتلندا قبل أن تعمل خادمة منزلية، وهو العمل الذي كرهته بشدة، وبعد بلوغها الثامنة عشرة، التحقت بالجيش البريطاني، حيث عملت في مخازن عسكرية خلال الحرب العالمية الثانية.

تصف سونيا تلك المرحلة بأنها الفترة التي تعلمت فيها الإنجليزية وشعرت للمرة الأولى بشيء من الانتماء والاستقرار، بعد سنوات طويلة من الخوف والاقتلاع.

ذاكرة لا تموت

تزوجت سونيا لاحقًا من رالف كوهين، وهو جندي بريطاني سابق، قبل أن يهاجرا عام 1962 إلى أستراليا، حيث عاشت في ملبورن وعملت في مصنع للشوكولاتة، بينما استمرت آثار المحرقة ترافقها نفسيًا لعقود.

تقول سونيا، إنها لا تزال تشعر بالألم كلما شاهدت تقارير عن معسكرات الاعتقال النازية، وإن الحديث عن الماضي ظل نادرًا حتى داخل مجتمع الناجين من المحرقة في أستراليا.

تلفت كول إلى أن أستراليا كانت تضم عام 2023 أعلى نسبة من الناجين من المحرقة للفرد الواحد خارج إسرائيل، مع وجود نحو 2500 ناج لا يزالون على قيد الحياة.

استعادت سونيا خلال السنوات الأخيرة زياراتها إلى برلين، حيث عادت مرتين بعد الحرب، وفي زيارتها الثانية، التي جاءت بعد وضع “أحجار التعثر” الخاصة بوالدتها وشقيقتها، حرصت على زيارة الأماكن التي بقيت عالقة في ذاكرتها، بما فيها مقبرة والدها.

وحين سئلت عما إذا كانت تعاني من “ذنب النجاة”، وهو الشعور الذي يلاحق كثيرين من الناجين من الإبادة الجماعية، أجابت بعد لحظة صمت: “أنا محظوظة.. لا أشعر بالذنب، أنا محظوظة”.

واصل حفيدها بنيامين بريس البحث في تاريخ العائلة، مستعينًا بقوائم الترحيل والرسائل العائلية ووثائق النازيين، حتى اكتشف أن توني ولوت أجبرتا قبل ترحيلهما على العمل لدى شركة سيمنز الألمانية.

تحرص كول التي كتبت القصة على الاستمرار في تنظيف اللوحتين النحاسيتين أمام منزلها في برلين، وترسل صورًا لهما إلى سونيا في أستراليا، في محاولة للحفاظ على الصلة بين الذاكرة والمكان.

تؤكد الباحثة الألمانية أليدا أسمان، المتخصصة في دراسات الذاكرة الثقافية، أن مثل هذه القصص تكشف كيف يمكن للذاكرة الفردية أن تنتقل عبر الأجيال والحدود، وتتحول إلى مسؤولية جماعية في مواجهة النسيان.

وتختتم ” الغارديان” القصة بمشهد رمزي، بعدما وجدت المراسلة ديبورا كول ذات يوم زجاجة جديدة من ملمع النحاس أمام باب شقتها، وإلى جوارها قصاصة صحيفة كتب عليها: “إلى تاوب ولوت”، في إشارة إلى أن الذاكرة، حتى بعد رحيل أصحابها، لا تزال تجد من يحرسها.