منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المرأة السورية في الدساتير المتعاقبة.. فجوة مستمرة بين المساواة المكتوبة والممارسة الفعلية

17 مايو 2026
مشاركة المرأة السورية في الفعاليات الثورية
مشاركة المرأة السورية في الفعاليات الثورية

تواجه النساء السوريات واقعاً مركباً يجمع بين التحديات القانونية والاجتماعية والاقتصادية، في ظل نزاع ممتد منذ عام 2011 أعاد تشكيل البنية المجتمعية والحقوقية في البلاد، وتؤكد تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة لعام 2025 أن النساء يشكلن النسبة الأكبر من الفئات المتأثرة بالنزوح والفقر والعنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث تتحمل ملايين السوريات أعباء اقتصادية ومعيشية مضاعفة نتيجة فقدان المعيل أو انهيار مصادر الدخل أو النزوح القسري داخل سوريا وخارجها.

حقوق المرأة الدستورية

تُظهر مراجعة الدساتير السورية المتعاقبة أن النصوص القانونية المتعلقة بحقوق المرأة تطورت من حيث المبدأ لكنها بقيت محدودة في التطبيق، فقد نص دستور عام 1950 على مبدأ المساواة العامة بين المواطنين دون تفصيل آليات حماية واضحة لحقوق النساء، بينما جاء دستور عام 1973 أكثر وضوحاً في المادة 45 التي أكدت حق المرأة في المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفق ما وثقته الجريدة الرسمية للجمهورية العربية السورية، إلا أن التطبيق العملي بقي خاضعاً لقوانين أخرى، خاصة قانون الأحوال الشخصية الذي استمر في تكريس تفاوتات بين الجنسين في مجالات الزواج والطلاق والحضانة والإرث.

أما دستور عام 2012 فقد نص في المادة 33 على المساواة وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الجنس، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية تقدماً شكلياً لا يواكبه تغيير في البنية القانونية، وفق تقرير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” لعام 2025 الذي أشار إلى استمرار وجود تشريعات تمييزية في قوانين الأحوال الشخصية والجنسية.

اتفاقيات دولية ملزمة وملاحظات أممية

انضمت سوريا إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” عام 2003، وفق وثائق الأمم المتحدة الرسمية، لكنها قدمت تحفظات على مواد تتعلق بالمساواة في الزواج والجنسية والتنقل، وهو ما اعتبرته لجنة سيداو التابعة للأمم المتحدة عائقاً أمام التطبيق الكامل للاتفاقية.

كما تلزم قرارات مجلس الأمن الدولي، وخاصة القرار 1325 حول المرأة والسلام والأمن، الدول الأعضاء بإشراك النساء في عمليات صنع القرار وحمايتهن أثناء النزاعات. إلا أن تقارير الأمم المتحدة لعام 2025 تشير إلى أن مشاركة النساء السوريات في المسارات السياسية الرسمية لا تزال محدودة مقارنة بحجم تأثيرهن المجتمعي والإنساني خلال سنوات الحرب.

واقع الانتهاكات خلال النزاع السوري

وفق لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة، تعرضت النساء والفتيات خلال النزاع الممتد لانتهاكات واسعة شملت العنف الجنسي والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والنزوح القسري، وتشير تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2025 إلى مقتل آلاف النساء منذ بداية النزاع، إضافة إلى استمرار وجود حالات اختفاء قسري لم يتم الكشف عن مصيرها حتى الآن.

كما وثّقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن النساء في مناطق النزاع تعرضن لانتهاكات متعددة الأطراف شملت أطرافاً حكومية وغير حكومية، مع غياب آليات فعالة للمساءلة القضائية في كثير من الحالات، وتشير هذه التقارير إلى أن غياب العدالة الانتقالية الفعالة ساهم في استمرار الإفلات من العقاب في القضايا المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي.

الفقر والنزوح والاقتصاد الجندري

يؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره لعام 2025 أن أكثر من 90 في المئة من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، مع تأثر النساء بشكل غير متناسب نتيجة فقدان فرص العمل وتراجع الخدمات العامة.

كما تشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وجود أكثر من 6 ملايين لاجئ سوري في دول الجوار وأوروبا حتى عام 2025، إضافة إلى ملايين النازحين داخلياً، تشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر منهم.

وتوضح هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء أصبحن المعيل الرئيسي لعدد كبير من الأسر السورية نتيجة فقدان أو اعتقال أو غياب الأزواج، إلا أن فرصهن في سوق العمل لا تزال محدودة بسبب التمييز الاقتصادي وضعف الحماية القانونية وغياب سياسات دعم فعالة.

كما تؤكد منظمة يونيسف أن الزواج المبكر والتسرب المدرسي ارتفعا في بعض المناطق نتيجة الفقر والنزوح، حيث تلجأ بعض الأسر إلى تزويج الفتيات لتخفيف الأعباء الاقتصادية، وهو ما ينعكس سلباً على حق الفتيات في التعليم والنمو.

التمثيل السياسي والمشاركة العامة

تشير بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن تمثيل النساء في المؤسسات السياسية داخل سوريا لا يزال منخفضاً مقارنة بالمعايير الدولية، رغم مشاركتهن في بعض المسارات التفاوضية ضمن اللجنة الدستورية السورية، وتؤكد الحركة السياسية النسوية السورية في تقريرها لعام 2025 أن مشاركة النساء لا تزال رمزية في كثير من الأحيان، ولا تعكس وزناً حقيقياً في صناعة القرار.

كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن إشراك النساء في عمليات السلام يعزز فرص الاستقرار طويل الأمد، وفق تجارب دولية مقارنة، وهو ما لم يتحقق بشكل كامل في الحالة السورية بسبب استمرار النزاع وتعقيد المشهد السياسي.

الفجوة بين النص الدستوري والتطبيق العملي

تظهر التحليلات الحقوقية أن أبرز التحديات لا تكمن فقط في النصوص الدستورية بل في غياب آليات التنفيذ، فالدساتير السورية تنص على المساواة وعدم التمييز، لكن القوانين التطبيقية مثل قوانين الأحوال الشخصية وقوانين الجنسية لا تزال تحتوي على مواد تمييزية وفق تقارير لجنة سيداو لعام 2025.

كما تشير منظمة “العفو الدولية” إلى أن غياب استقلالية القضاء في بعض المناطق وغياب آليات حماية فعالة للضحايا يحد من قدرة النساء على اللجوء إلى العدالة في حالات العنف أو التمييز.

الضمانات المطلوبة

تؤكد منظمات حقوقية دولية ومحلية أن أي دستور سوري مستقبلي يجب أن يتضمن ضمانات واضحة وقابلة للتطبيق بشأن حقوق المرأة السورية، وليس فقط مبادئ عامة، وتشمل هذه الضمانات وفق توصيات الأمم المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش: نص صريح على المساواة الكاملة بين النساء والرجال دون أي استثناءات قانونية، وحظر جميع أشكال التمييز المباشر وغير المباشر، وإلغاء أي قوانين تتعارض مع مبدأ المساواة وخاصة قوانين الأحوال الشخصية التمييزية، وضمان حق المرأة في منح الجنسية لأطفالها دون قيود، وتجريم العنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل صريح في الدستور، وتخصيص آليات رقابية مستقلة لضمان تطبيق الحقوق الدستورية، وضمان تمثيل سياسي عادل للنساء في البرلمان والمؤسسات التنفيذية والقضائية، إضافة إلى تعزيز استقلال القضاء لضمان الوصول إلى العدالة دون تمييز.

موقف الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية

تؤكد لجنة الأمم المتحدة المعنية “سيداو” أن استمرار التحفظات السورية على الاتفاقية يحد من فعالية التزامات الدولة، كما تدعو مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى إدماج منظور النوع الاجتماعي في أي عملية انتقال سياسي أو دستوري.

وتشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن أي عملية إصلاح دستوري لن تكون ذات جدوى ما لم تترافق مع إصلاحات قانونية ومؤسساتية تضمن حماية النساء من العنف والتمييز والإفلات من العقاب. كما تؤكد منظمة العفو الدولية أن العدالة الانتقالية في سوريا يجب أن تشمل إنصاف النساء ضحايا العنف والانتهاكات خلال سنوات النزاع.

تكشف التجربة السورية أن تطور النصوص الدستورية وحده لا يكفي لضمان حقوق النساء، ما لم يقترن بإصلاح قانوني ومؤسساتي شامل، وبينما تستمر التحديات المرتبطة بالنزاع والفقر والنزوح، يبقى مستقبل حقوق المرأة في سوريا مرتبطاً بقدرة أي تسوية سياسية أو دستور جديد على تحويل مبدأ المساواة من نص قانوني إلى ممارسة فعلية قابلة للتطبيق داخل المجتمع والدولة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية