أثارت المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، إضافة إلى عدد من المداخلات خلال فعاليات الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، مخاوف بشأن العقوبات والضغوط التي تستهدف المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها، معتبرة أن هذه التدابير تثير شواغل جدية من منظور القانون الدولي وتمس استقلال العدالة الجنائية الدولية.
هذا الملف يتجاوز الخلاف السياسي حول قرارات بعينها للمحكمة، فجوهر القضية هو ما إذا كانت العدالة الدولية قادرة فعلاً على العمل عندما تمس قضاياها مصالح دول قوية أو أطراف ذات نفوذ، فإذا تعرض القضاة أو المدعون الدوليون للعقوبات بسبب قيامهم بمهامهم، فإن الرسالة لا تصل إلى المحكمة وحدها، بل إلى كل منظومة العدالة الدولية.
استقلال وحماية
المحكمة الجنائية الدولية وُجدت لمواجهة الإفلات من العقاب في الجرائم الخطيرة، لكن فاعليتها تعتمد على استقلالها وعلى حماية العاملين فيها من التهديد والانتقام، وعندما يصبح القاضي الدولي أو المدعي الدولي هدفاً للعقوبات أو الإجراءات السياسية، فإن ذلك يقوض مبدأ أساسياً: أن العدالة يجب ألّا تخضع لموازين القوة.
الخطر هنا لا يتمثل فقط في عرقلة عمل المحكمة في ملف محدد، بل في خلق سابقة خطيرة تسمح للدول أو الجهات المتضررة من المساءلة بأن ترد على القضاء بالعقاب السياسي، وهذا قد يدفع القضاة والمدعين إلى العمل تحت ضغط دائم، أو يثني مؤسسات العدالة عن الاقتراب من الملفات الأكثر حساسية.
استقلال العدالة الدولية
وتعيد هذه القضية طرح سؤال أوسع: هل العدالة الدولية مستقلة فعلاً، أم أنها تبقى محكومة بحدود ما تسمح به القوى السياسية؟ وإذا كان القضاة الدوليون غير محميين من العقوبات، فكيف يمكن مطالبة القضاة الوطنيين في الدول الهشة بأن يصمدوا أمام ضغوط سلطاتهم المحلية؟
إن الدفاع عن المحكمة الجنائية الدولية في هذا السياق لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل قراراتها، بل يعني الدفاع عن مبدأ أن القاضي لا يجب أن يُعاقب بسبب قيامه بوظيفته، وهذا هو جوهر استقلال القضاء، سواء على المستوى الوطني أو الدولي.
