حين تصل الخلافات الأسرية إلى أروقة المحاكم، لا تكون القضايا المطروحة مجرد نزاعات قانونية تتعلق بالزواج أو الطلاق أو الحضانة أو الميراث، بل تمس بصورة مباشرة حقوق الأفراد ومستقبل الأسر.
وفي الدول التي تستند أنظمتها القضائية، كليا أو جزئيا، إلى أحكام الشريعة الإسلامية، يتجدد النقاش حول قدرة القضاء الشرعي على تحقيق التوازن بين المرجعية الدينية ومتطلبات حقوق الإنسان.
وبين المغرب ونيجيريا تتجسد ملامح هذا الجدل في صورتين مختلفتين، تكشفان كيف يمكن للقوانين والمؤسسات القضائية أن تتعامل مع قضايا الحقوق الفردية داخل أطر قانونية وثقافية متباينة.
وتختلف المحاكم الشرعية من دولة إلى أخرى من حيث الاختصاصات والصلاحيات، ففي بعض الدول يقتصر دورها على قضايا الأحوال الشخصية، بينما تمتلك في دول أخرى صلاحيات أوسع ضمن منظومات قانونية متعددة.
لذلك فإن تقييم علاقتها بحقوق الإنسان لا يرتبط بوجودها بحد ذاته، بل بطبيعة القوانين الناظمة لعملها والضمانات القضائية التي توفرها للأفراد.
المغرب.. إصلاحات مستمرة وتحديات
يُنظر إلى المغرب باعتباره من أبرز الدول التي سعت إلى المواءمة بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات حقوق الإنسان من خلال الإصلاحات التي شهدتها مدونة الأسرة خلال العقود الماضية، إلا أن بعض الملفات ما تزال تثير نقاشات متواصلة، وعلى رأسها زواج القاصرات.
ووفق المجلس الأعلى للسلطة القضائية في المغرب، تلقت المحاكم خلال عام 2024 أكثر من 16 ألف طلب للزواج دون السن القانونية، شكّلت الفتيات نحو 98 بالمئة منها، فيما جاءت 78 بالمئة من الطلبات من المناطق الريفية، كما تمت الموافقة على نسبة كبيرة من هذه الطلبات عبر الاستثناءات القضائية التي يتيحها القانون.
وترى منظمات حقوقية أن استمرار اللجوء إلى هذه الاستثناءات يثير تساؤلات تتعلق بحماية الطفل والحق في التعليم وعدم التمييز، بينما تؤكد الجهات الرسمية أن أي إصلاحات قانونية يجب أن تراعي الخصوصية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربي.
نيجيريا.. تعدد الأنظمة القانونية
في نيجيريا، يبدو المشهد أكثر تعقيدا نتيجة تعدد الأنظمة القانونية. فإلى جانب النظام المدني، تطبق 12 ولاية في شمال البلاد أحكاما مستمدة من الشريعة الإسلامية، خاصة في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية.
ويثير هذا الواقع نقاشات متكررة بشأن حقوق النساء والأطفال، وتشير تقارير حقوقية إلى استمرار ظاهرة زواج القاصرات في بعض الولايات الشمالية رغم أن القانون الاتحادي يحدد سن الزواج بـ18 عاما.
وشهد عام 2024 جدلا واسعا بعد الإعلان عن ترتيبات لتزويج عشرات الفتيات في ولاية النيجر، الأمر الذي دفع جهات حكومية ومنظمات حقوقية إلى التدخل للتحقق من أعمار المشاركات وضمان عدم انتهاك حقوقهن.
وتؤكد الأمم المتحدة والهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان أن احترام الخصوصيات الثقافية والدينية لا ينبغي أن يأتي على حساب الحقوق الأساسية، بما في ذلك حماية الأطفال والمساواة أمام القانون وضمانات المحاكمة العادلة.
وترى حكومات ومؤسسات دينية في عدد من الدول أن الإصلاحات القانونية تكون أكثر فاعلية واستدامة عندما تنطلق من السياقات المحلية وتحظى بقبول اجتماعي، بدلاً من فرض نماذج قانونية موحدة لا تراعي خصوصية المجتمعات.
السياسة الشرعية.. مساحة للاجتهاد
ترى الأكاديمية المتخصصة في القضاء الشرعي والتحكيم الدولي الدكتورة سحر الشوابكة، أن الجدل المتعلق بعلاقة القضاء الشرعي بحقوق الإنسان تصاعد خلال السنوات الأخيرة نتيجة وجود رؤيتين متقابلتين؛ الأولى تعتبر أن بعض تطبيقات الشريعة قد تتعارض مع الحقوق الفردية، فيما تؤكد الثانية أن الشريعة الإسلامية في جوهرها جاءت لحماية الإنسان وصون كرامته وتحقيق العدالة.
وتوضح الشوابكة، في حديثها لـ”صفر”، أن فهم هذه العلاقة يتطلب النظر إلى مفهوم السياسة الشرعية، باعتباره أحد الأدوات التي تسمح للنظم القانونية بالتعامل مع القضايا المستجدة التي لم يرد بشأنها نص صريح، من خلال إصدار تشريعات وأنظمة تحقق المصلحة العامة وتحافظ في الوقت ذاته على المبادئ الأساسية للشريعة.
وتضيف أن السياسة الشرعية ترتبط ارتباطا وثيقا بمقاصد الشريعة الإسلامية، وفي مقدمتها حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي المقاصد التي تشكل أساساً لحماية الحقوق الفردية والجماعية وضمان استقرار المجتمع.
وتؤكد أن حماية الحقوق الفردية ليست مفهوما دخيلا على الشريعة الإسلامية، بل جزء أصيل من مقاصدها الكبرى، وهو ما يمنح القضاء الشرعي مساحة للاجتهاد وتطوير التشريعات والإجراءات بما ينسجم مع المتغيرات الاجتماعية ويحقق العدالة ويحفظ كرامة الإنسان.
المغرب.. اجتهاد تشريعي
وترى الشوابكة أن التجربة المغربية تمثل نموذجاً لمحاولة تحقيق التوازن بين المرجعية الشرعية ومتطلبات حقوق الإنسان من خلال الإصلاحات التي شهدتها مدونة الأسرة.
وتشير إلى أن هذه الإصلاحات عززت الحماية القانونية للمرأة والطفل عبر تقييد تعدد الزوجات، وتوسيع الرقابة القضائية على إجراءات الطلاق، ورفع سن الزواج، ومنح المرأة دوراً أكبر في إدارة شؤون الأسرة.
وتعتبر أن هذه الخطوات تعكس توظيفاً معاصراً لأدوات السياسة الشرعية بما يحقق مقاصد الشريعة في العدل وصيانة الأسرة وحماية الحقوق، دون الخروج عن إطار المرجعية الإسلامية.
ومع ذلك، تؤكد أن بعض الملفات، مثل الاستثناءات المتعلقة بزواج القاصرات وبعض القضايا المرتبطة بالإرث، ما تزال محل نقاش مجتمعي وحقوقي مستمر.
وعلى النقيض من النموذج المغربي، تصف الشوابكة التجربة النيجيرية بأنها أكثر تعقيداً بسبب تعدد الأنظمة القانونية داخل الدولة.
وتوضح أن هذا الواقع يفرض تحديات تتعلق بتوحيد المعايير القانونية وضمان المساواة أمام القانون وحماية الحقوق الفردية، لا سيما في القضايا المرتبطة بحقوق المرأة وضمانات المحاكمة العادلة وآليات تنفيذ الأحكام.
وفي الوقت نفسه، تشير إلى أن مؤيدي هذا النموذج يرون فيه وسيلة للحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للمجتمعات المحلية وتوفير إطار قانوني يحظى بقبول اجتماعي واسع.
وبحسب الشوابكة فإن النقاش في نيجيريا لا يدور حول مشروعية الشريعة الإسلامية بقدر ما يتركز على آليات تطبيقها بما ينسجم مع مبادئ العدالة والإنصاف ومتطلبات حقوق الإنسان.
العدالة هي المعيار
تؤكد الشوابكة أن نجاح القضاء الشرعي في حماية الحقوق لا يتوقف على وجود النصوص الشرعية وحدها، بل يرتبط بقدرة المؤسسات القضائية على توظيف هذه النصوص بصورة تحقق مقاصد الشريعة وتستجيب في الوقت ذاته لاحتياجات المجتمع المعاصر.
وتشير إلى أن المغرب يقدم نموذجا للإصلاح التدريجي داخل المرجعية الإسلامية، بينما تكشف نيجيريا عن التحديات التي تفرضها البيئات القانونية المتعددة، لكن الهدف المشترك في الحالتين ينبغي أن يبقى تحقيق العدالة وصون كرامة الإنسان.
وتكشف التجربتان المغربية والنيجيرية أن النقاش حول الشريعة وحقوق الإنسان لم يعد يدور حول التعارض أو الانسجام النظري بينهما، بقدر ما أصبح مرتبطا بقدرة الأنظمة القضائية على تحقيق العدالة بصورة عملية. فكلما توسعت الضمانات القضائية وتعززت حماية الفئات الأكثر هشاشة، اقترب القضاء الشرعي من تحقيق المقصد الأهم الذي تقوم عليه التشريعات كافة: حماية الحقوق وصون كرامة الإنسان.
وبذلك يبقى التحدي الحقيقي أمام صناع القرار ليس في الاختيار بين المرجعية الدينية والمعايير الحقوقية، بل في بناء منظومة قانونية قادرة على الجمع بينهما ضمن إطار من العدالة وسيادة القانون.

