منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العودة إلى الأرض لا تكفي.. مزارعو جنوب لبنان يواجهون كلفة استعادة أرزاقهم

08 سبتمبر 2026
رحلة مزارعي جنوب لبنان لاستعادة سبل العيش
رحلة مزارعي جنوب لبنان لاستعادة سبل العيش

بعد نحو عامين من الغياب، وصل محمد القادري إلى أرضه في كفرشوبا جنوب لبنان، لكنه لم يعد إلى الحقل الذي تركه، الأشجار التي اعتاد رعايتها بدت محروقة، أجزاء من الأرض تعرضت للتجريف، والطريق المؤدي إليها تضرر خلال الحرب.

كانت تلك المرة الأولى التي يتمكن فيها القادري من الوصول إلى أرضه منذ عامين، في زيارة جرت بالتنسيق مع البلدية والجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وخلال غيابه مضى موسمان من الزيتون من دون أن يستطيع رعاية أشجاره أو جني محصولها.

تختصر تجربة القادري معضلة أوسع يواجهها مزارعو جنوب لبنان، فعودة السكان إلى قراهم لا تعني بالضرورة قدرتهم على استعادة الزراعة ومصادر الدخل، بعدما تركت الحرب أراضي متضررة وشبكات ري وطرقا زراعية تحتاج إلى إصلاح، وأوقفت مواسم إنتاج وأربكت الأسواق وسلاسل التوريد.

نصف مليار دولار من الإنتاج المفقود

يكشف تقييم نشرته وزارة الزراعة اللبنانية في 22 أغسطس/آب 2026 اتساع الفارق بين الضرر الذي أصاب الأرض مباشرة والخسارة التي لحقت بالإنتاج، فقد بلغت الأضرار الزراعية المباشرة نحو 41.2 مليون دولار، فيما وصلت المساحات المتضررة مباشرة والتي تحتاج إلى إعادة تأهيل واستصلاح، باستثناء المحاصيل الحقلية، إلى نحو 1,380 هكتارا.

لكن المساحة المتأثرة بخسائر الإنتاج بلغت نحو 56,320 هكتارا، فيما قدرت خسائر الإنتاج الزراعي بنحو 530.5 مليون دولار، نتيجة ضياع المواسم وتعطل الوصول إلى الحقول وتضرر شبكات الري وسلاسل التوريد والتسويق وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وامتد الضرر إلى الإنتاج الحيواني، ففي ميس الجبل، كان المزارع غسان الحاج يبيع قبل الحرب ما بين 200 و300 لتر من الحليب يوميا، لكن إغلاق المصنع الذي كان يستقبل إنتاجه ونزوح السكان خفضا مبيعاته إلى نحو 80 لترا، واضطر إلى التخلص من كميات من الحليب.

النزوح يقطع الطريق إلى الحقول

يقول محمد الحسيني، المزارع ورئيس تجمع مزارعي جنوب لبنان، لـ”صفر”، إن الحرب حالت خلال فترات القتال دون وصول كثير من المزارعين إلى أراضيهم، فيما تعرضت مساحات للتجريف والحرق وتعطلت أعمال الخدمة الزراعية الضرورية للمواسم التالية.

ويشير إلى أضرار طالت بساتين الزيتون والغطاء النباتي في مناطق بينها الوزاني والخيام والخصبانة، إضافة إلى الآبار ومشاريع الري وأنابيب المياه وأعمدة الكهرباء، فضلا عن مزارع النحل والدواجن والأبقار والأغنام.

وتظهر بيانات وزارة الزراعة أن قاعدة بياناتها شملت خلال الحرب 15,025 مزارعا في المناطق المتضررة، كان 76.6% منهم نازحين، ما يجعل استعادة سبل العيش مرتبطة ليس بإصلاح الأرض وحدها، وإنما بقدرة أصحابها على العودة الآمنة إليها واستئناف الإنتاج.

الحكومة: التعافي يبدأ بالوصول الآمن

وزير الزراعة اللبناني الدكتور نزار هاني قال في حديث خص به “صفر” إن عودة المزارعين إلى أراضيهم قضية وطنية تتصل ببقاء السكان في قراهم واستعادة الدورة الاقتصادية الريفية وحماية الأمن الغذائي، مؤكدا ان خطة التعافي تشمل المسوحات الميدانية والجغرافية، وتأمين الوصول إلى الأراضي، إضافة إلى فحص التربة والمياه والنباتات وتوفير البذور والشتول والأسمدة والأعلاف ومعدات الري بحسب التمويل المتاح.

وأوضح أن الوزارة تتعامل مع التعافي من خلال خمسة مسارات مترابطة، تبدأ بالمسوحات الميدانية والجغرافية بالتعاون مع المركز الوطني للبحوث العلمية ووكالات أممية، مرورا بضمان الوصول الآمن إلى الأراضي بالتنسيق مع الجيش اللبناني والجهات المعنية، خصوصا في المناطق التي قد تحتوي على ذخائر غير منفجرة أو مخلفات حرب.

وتشمل الخطة كذلك أخذ عينات من التربة والمياه والنباتات وفق بروتوكولات علمية لفحص الفوسفور والمعادن الثقيلة والملوثات الكيميائية، قبل استئناف الإنتاج، إلى جانب توفير البذور والشتول والأسمدة والأعلاف والأدوية واللقاحات البيطرية ومعدات الري والأدوات الزراعية بحسب التمويل المتاح.

كما تتضمن إعادة تأهيل البساتين المعمرة وشبكات الري والبيوت البلاستيكية والطرق الزراعية ومراكز التجميع والتبريد والفرز والتوضيب.

وأشار هاني إلى أن برنامجا ممولا من الاتحاد الأوروبي ومنفذا بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي يستهدف نحو 5,000 مزارع صغير في النبطية والجنوب وبعلبك-الهرمل، بهدف دعم استئناف النشاط الزراعي.

وبحسب وزير الزراعة فإن الوزارة أجرت آلاف الفحوصات للتربة والمحاصيل والزيوت، ولم تظهر حتى الآن مؤشرات على أضرار طويلة الأمد تمنع استئناف الزراعة، مع تسجيل ارتفاع في بعض المؤشرات في مواقع محددة.

أما بالنسبة إلى الغليفوسات، فأشار إلى أن عينات أولية أُخذت بعد الرش أظهرت مستويات مرتفعة، فيما تستمر الحاجة إلى فحوصات إضافية، ولا سيما في المناطق الحدودية، لتحديد أثرها بدقة.

حق يتجاوز ملكية الأرض

يرى المستشار القانوني كمال بن عمر أن تضرر الأراضي ومصادر المياه بسبب الحرب قد يمس الحق في الغذاء والمياه وسبل العيش بالنسبة إلى المجتمعات المعتمدة على الزراعة، ما يرتب على الدولة مسؤولية حماية المتضررين وتمكينهم من استعادة مصادر دخلهم.

كما يحمي القانون الدولي الإنساني الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين، ومنها الأراضي الزراعية والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وأعمال الري، مع بقاء تحديد وقوع أي انتهاك مرتبطا بظروف كل واقعة وطبيعة الهدف والغاية من الهجوم وقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات.

وبالنسبة إلى المزارعين، لا تتحدد كلفة التعافي بعدد الأشجار التي ستزرع أو شبكات الري التي ستصلح فقط، فالمواسم التي ضاعت تعني دخلا لم يصل إلى الأسر، وإعادة تشغيل المزرعة تحتاج إلى تمويل وسوق وبنية إنتاجية قد تستغرق استعادتها وقتا أطول من إصلاح الضرر الظاهر.

لذلك لا تقاس عودة مزارعي جنوب لبنان بعدد من استطاعوا الوصول مجددا إلى قراهم، بل بعدد من استطاعوا أن يعيشوا مرة أخرى من أرضهم، فالعودة إلى المكان تنتهي عند باب الحقل، أما العودة الحقيقية فلا تكتمل إلا عندما يصبح الحقل آمنا وقادرا على الإنتاج، ويستعيد المزارع مصدر رزقه الذي قطعته الحرب.