أصبح الفضاء الرقمي امتداداً لمساحات العنف والتمييز التي تواجهها النساء والفتيات في الواقع، فالهاتف والحسابات الشخصية والمنصات الاجتماعية ليست دائماً أدوات تواصل وتمكين، بل قد تتحول إلى وسائل للتهديد والملاحقة والتشهير والابتزاز والمراقبة وإسكات النساء في الحياة العامة.
العنف الرقمي ضد النساء لا ينفصل عن العنف القائم على النوع الاجتماعي، فهو يستهدف النساء لأنهن نساءً، أو بسبب أدوارهن العامة بوصفهن صحفيات أو ناشطات أو سياسيات أو مدافعات عن حقوق الإنسان أو طالبات أو عاملات، وغالباً ما يهدف إلى دفعهن إلى الانسحاب من النقاش العام، وتقليل مشاركتهن، وتحويل الفضاء الرقمي إلى مساحة عدائية وغير آمنة.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، بات الخطر أكبر، إذ يمكن استخدام أدوات رقمية لإنتاج محتوى مزيف أو مسيء أو تهديدي، أو لتضخيم حملات الكراهية، أو لانتهاك الخصوصية، أو لمراقبة النساء والفتيات، هذا لا يهدد السمعة فقط، بل يهدد الأمن النفسي والاجتماعي والمهني والسياسي للضحايا.
خطورة العنف الرقمي
تكمن خطورة العنف الرقمي في سرعة انتشاره وصعوبة محوه، فالانتهاك الذي يحدث على منصة رقمية قد يستمر أثره لسنوات، وقد يصل إلى جمهور واسع خلال دقائق، وقد يلاحق الضحية في عملها وأسرتها ومجتمعها، كما أن كثيراً من القوانين لا تزال متأخرة عن فهم هذا النوع من العنف، وتتعامل معه بوصفه إساءة بسيطة لا تهديداً حقوقياً جدياً.
الدول مطالبة بتطوير تشريعات واضحة تجرم الأشكال الخطيرة من العنف الرقمي، وتوفر آليات إبلاغ سريعة، وحماية للضحايا، وإنصافاً فعالاً، لكن التشريع وحده لا يكفي، يجب إلزام شركات التكنولوجيا بالمساءلة، وإزالة المحتوى الضار بسرعة، وحماية البيانات، وتصميم منصات أكثر أماناً، وعدم الربح من خوارزميات تضخم الكراهية والتحريض.
إشراك النساء في تصميم التكنولوجيا
كما يجب إشراك النساء في تصميم التكنولوجيا وإدارتها، فالتكنولوجيا التي تُصمم في غرف مغلقة لا تضم النساء والفئات المتضررة، ستعيد غالباً إنتاج التحيزات ذاتها الموجودة في المجتمع، لذلك فإن العدالة الرقمية تبدأ من المشاركة المتساوية في صناعة القرار التقني.
الحق في الفضاء الرقمي الآمن أصبح جزءاً من الحق في المشاركة العامة، وعندما تُطرد النساء من الإنترنت بفعل العنف، فإن المجتمع يخسر أصواتهن ومعرفتهن وقيادتهن، لذلك فإن مكافحة العنف الرقمي ليست قضية تقنية، بل قضية ديمقراطية وحقوقية بامتياز.
