منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العدالة تقترب أخيراً من ضحايا سائقي الشاحنات غير الشرعيين الخطرين

18 مايو 2026
المسعفون الأوائل في موقع حادث تصادم شاحنة يُزعم أن سائقًا مهاجرًا غير شرعي تسبب فيه في فلوريدا في 12 أغسطس 2025.
المسعفون الأوائل في موقع حادث تصادم شاحنة يُزعم أن سائقًا مهاجرًا غير شرعي تسبب فيه في فلوريدا في 12 أغسطس 2025.

هناك جانب في صناعة النقل بالشاحنات لا يعرفه كثير من الأمريكيين، لكنه ترك أثراً بالغاً في سلامة الطرق السريعة، والحكم الذي أصدرته المحكمة العليا الأمريكية الأسبوع الماضي أكد أن هذا القطاع لن يظل بعد اليوم بعيداً عن المساءلة تجاه الشاحنات التي يدفع بها إلى الطرق.

هذا يعني أن الأمريكيين الأبرياء الذين فقدوا أطرافهم أو حياتهم في حوادث الشاحنات الضخمة بسبب إهمال السائقين، قد يجدون أخيراً طريقاً حقيقياً إلى العدالة.

كما يعني أن سماسرة الشحن الذين يلهثون وراء الأرباح عبر التعاقد مع شركات نقل غير آمنة -خصوصاً تلك التي توظف مهاجرين غير شرعيين دون تدقيق- سيضطرون إلى إعادة النظر في أساليب عملهم.

قرار المحكمة العليا بالإجماع، تسعة أصوات مقابل صفر، في قضية “مونتجمري ضد كاريبي ترانسبورت 2”، فتح الباب أمام الضحايا لمقاضاة سماسرة الشحن بتهمة “الإهمال في التوظيف”.

وقد استقبل العاملون القدامى في قطاع النقل والمدافعون عن الضحايا هذا الحكم بارتياح كبير، بعد سنوات من التحذير من الممارسات المشبوهة لبعض الوسطاء المرتبطين بوول ستريت.

شانون إيفريت، من منظمة “أمريكان تراكرز يونايتد”، قال لي: “نحن ممتنون لله على هذه المعجزة. الحكم يقر بوضوح بأن سلامة الطرق تتطلب محاسبة كاملة لكل طرف يشارك في حركة النقل على طرقنا”.

وسماسرة الشحن هم الوسطاء الذين يديرون عملية الربط بين المنتجين وشركات النقل التي تمتلك الشاحنات والسائقين القادرين على إيصال البضائع.

لكن، بحسب إيفريت، ظل هؤلاء الوسطاء لسنوات “مختبئين خلف حصانة مفترضة”، إذ كانوا يختارون شركات النقل دون أن يتحملوا أي مسؤولية قانونية عندما تتصرف تلك الشركات بإهمال.

وعندما فضّل الوسطاء الأرباح على السلامة عبر التعاقد مع شركات منخفضة التكلفة، فقد تسببوا بحسب وصفه في صراع غير عادل بين شركات النقل الأمريكية التقليدية ووسطاء الشحن الكبار، وأسهموا في عدد لا يُحصى من الوفيات التي كان يمكن تفاديها على الطرق السريعة.

ويرى إيفريت أن صناعة النقل الأمريكية تعرضت لاختراق من شركات أجنبية “متلونة”، استغلت طبيعة القطاع القائمة على الثقة، وحولته إلى وسيلة للربح السريع.

فالسائق المهاجر غير الشرعي الذي لا يتحدث الإنجليزية لا يجد نفسه فجأة خلف مقود شاحنة ضخمة من تلقاء نفسه، بل هناك منظومة كاملة من الأطراف المحلية والأجنبية الجشعة أوصلته إلى هناك، مستفيدة من سياسات فاشلة جعلت السائق الأمريكي هو الضحية الجانبية.

إدارة بايدن من وجهة نظري لم تفشل فقط في تأمين الحدود الجنوبية، بل سمحت بدخول ملايين الأشخاص الذين تقدموا بطلبات لجوء مشكوك فيها، ومنحت كثيرين منهم تصاريح عمل.

وفي ولايات مثل نيويورك وكاليفورنيا، جرى منح رخص قيادة تجارية لهؤلاء المهاجرين بسهولة، ما فتح الباب أمام كيانات أجنبية للعمل داخل الولايات المتحدة، وجلب آلاف السائقين قليلي التدريب وغير الناطقين بالإنجليزية المستعدين للعمل لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة.

لكن هذه الشبكات لم تكن لتزدهر لولا وجود وسطاء لا يطرحون الأسئلة طالما أن الأرباح مضمونة.

الكثير من سماسرة الشحن تحولوا إلى حلقة الوصل بين شركات النقل المشبوهة وسائقيها غير المدققين من جهة، وبين شركات الشحن الكبيرة والصغيرة من جهة أخرى، في حين ظلوا يتعاملون مع أنفسهم باعتبارهم مجرد “وسطاء تعارف” لا يتحملون مسؤولية ما يحدث على الطرق.

لكن نتائج قراراتهم كانت كارثية.. فبسبب المنافسة غير العادلة مع العمالة الأجنبية الرخيصة، أغلقت شركات نقل أمريكية عريقة أبوابها، واضطر سائقون أمريكيون إلى مغادرة المهنة.

أما السائقون المهاجرون غير الشرعيين، فهم يعيشون عملياً كخدم بعقود قسرية، يقيمون داخل الشاحنات، ويقودون لساعات تتجاوز ضعف ما يُسمح به قانونياً للسائق الأمريكي.. وفي المقابل، دفع مواطنون أمريكيون أبرياء الثمن بدمائهم.

وخلال عملي على فيلمي الوثائقي المقبل “الطرق غير الشرعية”، التقيت ديان ميلر، الأرملة المكلومة التي فقدت زوجها سكوت حب حياتها في حادث تسبب فيه سائق شاحنة مكسيكي مهاجر غير شرعي تم ترحيله 16 مرة من قبل.

كما أجريت مقابلات مع عائلة بيرسون التي فقدت الزوج والأب روبرت “بليك” بيرسون بعدما اصطدمت بسيارته شاحنة يقودها مهاجر غير شرعي من الهند.

هاتان العائلتان تؤمنان بأنهما لم تحصلا يوماً على العدالة الكافية؛ لأن وضع السائقين القانوني كان يُعامل باعتباره قضية سياسية، ولأن شركات النقل كانت كيانات مؤقتة تختفي سريعاً، في حين بدا الوسطاء الذين تعاقدوا معها وكأنهم فوق المساءلة.. لكن ذلك تغيّر الآن.

قرار المحكمة العليا فتح طريقاً حقيقياً نحو العدالة لهذه العائلات، وسيفرض تغييراً ضرورياً داخل القطاع.

لم يعد بإمكان الوسطاء تجاهل السجل السيئ لشركات النقل أو التغاضي عن ممارسات التوظيف المشبوهة.

فهؤلاء الوسطاء في رأيي تلطخت أيديهم بالدماء، وقد حان الوقت ليدفعوا الثمن.

نقلاً عن نيويورك بوست