*نيكول جيليناس
كان يوم الخميس واحداً من تلك الأيام التي تُظهر نيويورك في أكثر صورها قسوة وإرهاقاً؛ حرارة بلغت 93 درجة فهرنهايت، وجماهير منهكة من احتفالات فوز فريق نيكس تتدافع في مترو الأنفاق صباحاً، وتصطدم بسياح يرتدون قمصان منتخبات كرة القدم وقد وصلوا لحضور منافسات كأس العالم.
لكن بالنسبة لنحو خمسين شخصاً تجمعوا داخل قاعة محكمة هادئة في بروكلين، لم يكن هناك أي أثر لذلك الصخب الخارجي.
كانوا لا يزالون أسرى لذكريات عام 2020، العام الذي شهد ارتفاعاً بنسبة 47% في جرائم القتل داخل المدينة.
كانت الجلسة مباشرة وبسيطة من الناحية الإجرائية؛ فقد أصدرت القاضية ديبا أمبيكار حكماً بالسجن 18 عاماً على ويليام فريمان البالغ من العمر ثلاثين عاماً، بعد إقراره بالذنب في جريمة القتل غير العمد لإيثان ويليامز الشاب البالغ من العمر عشرين عاماً، والذي قُتل فجر الرابع والعشرين من أكتوبر 2020 أثناء جلوسه مع أصدقائه على درجات أحد المنازل في حي بوشويك.
لم يكن فريمان يستهدف إيثان شخصياً.
لقد أطلق النار ثماني مرات كاملة باتجاه المجموعة التي كانت تجلس على الرصيف لأنه اعتقد أن أحد أفراد عصابة منافسة موجود بينهم.
واستغرق الأمر أكثر من عامين من العمل المتواصل لشرطة نيويورك، إضافة إلى توقيف مروري بسبب مخالفة بسيطة، حتى يتم القبض عليه.
كان الحضور داخل القاعة منقسماً بوضوح.
على المقاعد اليسرى جلس أفراد عائلة القاتل وأصدقاؤه، وكثير منهم ارتدى قمصان فريق نيكس الزرقاء والبرتقالية.
أما على المقاعد اليمنى، فجلس نحو خمسة وعشرين شخصاً قدموا من خارج المدينة بملابس رسمية أنيقة لدعم والدي إيثان وشقيقه وصديقته أثناء إدلائهم بشهاداتهم أمام المحكمة.
وقد تكفلوا جميعاً بنفقات سفرهم الخاصة.
فإيثان نفسه لم يكن من أبناء نيويورك.
لقد كان سائحاً.
في زيارته الأولى للمدينة، جاء إيثان من إنديانابوليس للمشاركة في بطولة للتزلج على الألواح، ولزيارة المواقع التي شاهدها في أفلام “سبايدر مان” التي كان يعشقها، كما روى والده جيسون للمحكمة.
كان إيثان الذي كان يحلم بأن يصبح صانع أفلام، ينظر إلى نيويورك باعتبارها “ملعباً سينمائياً مفتوحاً”. وكما قال والده: “أن تزور نيويورك للمرة الأولى كان حدثاً كبيراً بالنسبة له”.
لكن أكثر ما كان يريده هو التعرف إلى الناس.
ولهذا السبب كان يجلس تلك الليلة على درجات المنزل الذي استأجره عبر منصة “إير بي إن بي” في بروكلين.
جيسون فعل ما يفعله أي أب قلق على ابنه.
أرسل إليه رسالة نصية أخيرة قال فيها: “ابقَ متيقظاً دائماً، نيويورك ليست موطنك”.
لكن ما حدث بعد ذلك غيّر كل شيء.
فكما قال الأب مخاطباً قاتل ابنه أمام المحكمة: “لقد دخلت إلى قصتنا وانتهكت حرمة عائلتنا، وأدخلت الشر إلى حياتنا”.
ورغم أن نيويورك مضت قدماً منذ جريمة قتل إيثان، فإن عائلة ويليامز لم تستطع أن تفعل الشيء نفسه.
قالت والدته سوزان للمحكمة: “بالنسبة لكثيرين كان موت إيثان مجرد عنوان في الأخبار”.
أما بالنسبة لها فهو: “أول ما أفكر فيه عندما أستيقظ، وآخر ما أفكر فيه قبل أن أنام”.
ومع ذلك، فاجأت العائلة الجميع بإعلانها العفو عن فريمان.
بل إن سوزان خاطبته مباشرة، مطالبة إياه بأن يأخذ الدين الأخلاقي الذي في عنقه تجاههم على محمل الجد، وأن يستثمر سنوات سجنه ليصبح إنساناً أفضل.
قالت له: “ويليام، أريد أن أتحدث إليك الآن. أنت شخص محبوب. وأود اليوم أن أعترف أيضاً بالخسارة التي تعيشها عائلتك؛ فالعنف لا يفعل سوى مضاعفة المعاناة”.
أما فريمان فبدا نادماً بشدة.
كرر اعتذاره أكثر من مرة وقال: “أعرف أن هذا لن يغير شيئاً… ما فعلته كان فظيعاً”.
وعندما انتهى والدا إيثان وشقيقه وصديقته من الحديث، كانت حتى موظفة تدوين وقائع المحكمة تبكي.
وكانت أصوات النحيب القادمة من جهة عائلة فريمان لا تقل وضوحاً عن تلك الصادرة من جهة عائلة ويليامز.
لكن ندم فريمان، في رأيي، لا يبرئ نيويورك من مسؤوليتها.
فالمدينة والولاية كان ينبغي لهما أن تمنعا وقوع هذه الجريمة أصلاً.
قبل أن يطلق فريمان النار على إيثان، كان قد أُلقي القبض عليه تسع مرات، منها قضايا تتعلق بحيازة أسلحة.
وفي يناير 2020 ضبطته الشرطة وهو يسرق حليب أطفال من أحد متاجر مانهاتن، في حين كان يحمل سكيناً قابلة للطي.
لكن نظام العدالة الجنائية “المُصلح” في نيويورك أطلق سراحه.
ثم فشل لاحقاً في إعادة توقيفه عندما تغيب عن جلسات المحكمة.
وهكذا تُرك حراً ليقتل إيثان، وليحكم على نفسه في الوقت ذاته بقضاء سنوات طويلة خلف القضبان.
صحيح أن نيويورك اليوم أكثر أماناً، وأن معدلات القتل انخفضت إلى مستويات قياسية ،لكن لعائلة إيثان فضلاً في ذلك أيضاً.
فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، دفعت الضغوط الشعبية والسياسية الحاكمة كاثي هوكول إلى تشديد بعض قوانين العدالة الجنائية، وكان لعائلة إيثان دور في هذا الضغط.
بل إن جيسون ويليامز نفسه كتب مقالاً على الصفحة الأولى في صحيفة “نيويورك بوست” عام 2021.
وقال لي يوم الجمعة: “عندما قُتل إيثان، قطعت وعداً على نفسي ووعداً له بأنه إذا استطعت أن أخرج أي خير من هذه المأساة فسأفعل”.
وأستطيع القول إنه أوفى بوعده.
لكن هذا عمل شاق ومؤلم.
كما أخبرني جيسون: “جريمة القتل هي الصدمة الأولى. وبعدها تأتي سلسلة لا تنتهي من الصدمات المتكررة”.
فالعائلة اضطرت إلى متابعة كل خطوة في مسار العدالة الجنائية ودفعه إلى الأمام بنفسها.
ولا أحد من المشاركين في القضية يستطيع تفسير سبب احتياجها إلى أكثر من ثلاث سنوات بعد توقيف فريمان للوصول إلى اتفاق الإقرار بالذنب، رغم أن الأدلة المصورة كانت واضحة.
وما زلت أعتقد أن القوانين الحالية متساهلة أكثر مما ينبغي، وأن خطر الانفلات لا يزال قائماً، كما أظهرت الفوضى التي شهدها وسط مانهاتن عقب فوز فريق نيكس يوم الأربعاء.
وخلال زياراتهما الأربع إلى نيويورك منذ عام 2020، اختبر جيسون وسوزان جانباً من هذا الاضطراب بأنفسهما، إذ تعرضا لمضايقات لفظية في محيط تايمز سكوير.
وعندما سألته إن كان سيعود إلى المدينة يوماً ما، أجاب: “آمل ألا أضطر إلى ذلك”.
لكن هناك أمراً واحداً يمكنه أن يكون واثقاً منه.
رحلة إيثان القصيرة للغاية إلى نيويورك لم تذهب سدى.
فقد جعلت هذه المدينة مكاناً أفضل مما كانت عليه.
*نيكول جيليناس كاتبة ومحررة مسهمة في مجلة “سيتي جورنال” التابعة لمعهد مانهاتن الأمريكي.
نقلاً عن نيويورك بوست
