في بلد تعيش فيه النساء واحدة من أكثر الأزمات الحقوقية حدة في العالم، أثار قانون الطلاق الجديد الذي أقرته سلطات طالبان في أفغانستان موجة واسعة من الانتقادات المحلية والدولية، وسط تحذيرات من أنه لا يمثل مجرد تعديل قانوني يتعلق بالعلاقات الأسرية، بل يشكل حلقة جديدة في منظومة تشريعية متكاملة أعادت رسم حياة النساء والفتيات منذ عودة الحركة إلى السلطة في أغسطس 2021، ويرى خبراء حقوقيون ومنظمات أممية أن المرسوم الجديد يأتي في سياق متواصل من القيود التي طالت التعليم والعمل وحرية الحركة والمشاركة العامة، ما يجعل تأثيره يتجاوز نطاق الأسرة ليطول مستقبل ملايين النساء الأفغانيات.
تفاصيل القانون الجديد
أعلنت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان “يوناما” في بيان رسمي صدر في 21 مايو 2026 أن المرسوم رقم 18 الصادر عن سلطات الأمر الواقع تحت عنوان “قانون الفصل القضائي بين الزوجين” يثير قلقاً بالغاً بسبب ما يتضمنه من أحكام تمس حقوق النساء والفتيات، وأوضحت البعثة أن القانون يحدد الحالات التي يمكن للمرأة فيها طلب الانفصال القضائي، لكنه يعمل ضمن إطار قانوني غير متكافئ، إذ يحتفظ الرجل بحق الطلاق الأحادي، في حين تواجه المرأة إجراءات قضائية معقدة ومقيدة للحصول على الانفصال، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة ترسيخاً للتمييز الهيكلي ضد النساء.
وبحسب ما نشرته منصات إعلامية أفغانية مستقلة، منها “روخشانا ميديا” و”زان تايمز” و”كابول ناو”، فإن بعض مواد اللائحة الجديدة تنص على أن الفتاة التي زُوجت خلال طفولتها بواسطة أسرتها لا يحق لها المطالبة بفسخ الزواج قبل بلوغها سن البلوغ، كما يمكن اعتبار صمتها بعد البلوغ موافقة ضمنية على استمرار العلاقة الزوجية، وترى منظمات نسوية أفغانية أن هذه الصيغة تمنح غطاءً قانونياً لممارسات الزواج المبكر والزواج القسري التي كانت محل انتقاد حقوقي واسع خلال السنوات الماضية.
تقويض استقلالية النساء وحقوقهن
وترى بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان أن المرسوم الجديد لا يمكن قراءته بمعزل عن سلسلة الإجراءات التي فرضتها طالبان منذ عام 2021، فالبعثة أكدت أن المرسوم يمثل خطوة إضافية في مسار متواصل أدى إلى تقويض استقلالية النساء وحقوقهن داخل الأسرة والمجتمع، مشيرة إلى أن بعض المراسيم السابقة التي قُدمت في البداية باعتبارها إجراءات تنظيمية تحولت لاحقاً إلى أدوات لتقييد الحقوق والحريات الأساسية للنساء والفتيات.
وتقول هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن أفغانستان تواجه اليوم ما وصفته المنظمة بأنه “أشد أزمة لحقوق النساء في العالم”، وأوضحت الهيئة في تقريرها الصادر في أغسطس 2025 أن أياً من القيود المفروضة على النساء منذ عودة طالبان إلى الحكم لم يتم التراجع عنه، بل جرى ترسيخها وتوسيع نطاقها بصورة مستمرة حتى أصبحت جزءاً من الواقع القانوني والإداري في البلاد. وأشارت الهيئة إلى أن النساء حُرمن من معظم مجالات العمل والمشاركة السياسية، في حين تواجه الفتيات قيوداً صارمة على التعليم والحياة العامة.
أرقام تكشف حجم الأزمة
وتعكس المؤشرات الأممية حجم التحديات التي تواجه النساء والفتيات في أفغانستان، فقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في مارس 2025 أن نحو 2.2 مليون فتاة أفغانية حُرمن من التعليم الثانوي نتيجة استمرار الحظر المفروض على تعليم الفتيات بعد الصف السادس. كما حذرت المنظمة من أن استمرار هذا الحظر حتى عام 2030 سيؤدي إلى حرمان أكثر من أربعة ملايين فتاة من حقهن في التعليم بعد المرحلة الابتدائية.
وأكدت يونيسف أن غياب التعليم لا يقتصر تأثيره على فرص التعلم، بل يرتبط مباشرة بارتفاع مخاطر الزواج المبكر وتراجع فرص العمل وزيادة معدلات الفقر والتهميش بين النساء، كما حذرت المنظمة من أن استمرار القيود سيؤدي إلى نقص حاد في الكوادر النسائية المؤهلة في القطاع الصحي، ومنها الطبيبات والقابلات والعاملات الصحيات.
وفي تقرير آخر، كشفت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن ما يقرب من 80 في المئة من الشابات الأفغانيات أصبحن خارج التعليم والعمل والتدريب المهني، وهو مؤشر يعكس حجم الإقصاء الذي تواجهه النساء في المجتمع الأفغاني بعد أربع سنوات من حكم طالبان.
من ظاهرة اجتماعية إلى إشكالية قانونية
وتخشى المنظمات الحقوقية من أن يؤدي القانون الجديد إلى تحويل الزواج المبكر من أزمة اجتماعية إلى واقع قانوني أكثر رسوخاً، وتؤكد يونيسف أن أفغانستان كانت تسجل معدلات مرتفعة من زواج الأطفال حتى قبل عام 2021، إلا أن التدهور الاقتصادي وإغلاق المدارس أمام الفتيات أسهما في زيادة المخاطر المرتبطة بهذه الظاهرة.
وترى منظمات حقوق المرأة أن حرمان الفتيات من التعليم خلق بيئة تدفع العديد من الأسر إلى تزويج البنات في سن مبكرة، خاصة في المناطق الفقيرة التي تعاني من البطالة وانعدام الأمن الغذائي، وبحسب تقارير أممية متعددة، فإن الزواج المبكر يرتبط بارتفاع معدلات العنف الأسري والانقطاع الدائم عن التعليم والمضاعفات الصحية المرتبطة بالحمل المبكر، فضلاً عن التأثيرات النفسية طويلة المدى في الفتيات.
ردود فعل حقوقية
وواجه المرسوم الجديد انتقادات من عشرات المنظمات النسوية والحقوقية داخل أفغانستان وخارجها، وأكدت منظمات أفغانية معنية بحقوق المرأة أن القانون يضعف الحماية القانونية للفتيات ويقيد قدرتهن على الاعتراض على زيجات فُرضت عليهن خلال الطفولة، كما طالب أكثر من مئة منظمة نسوية وحقوقية سلطات حركة طالبان بسحب القانون وإعادة النظر في مواده المثيرة للجدل.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقاريرها الخاصة بأفغانستان إن السياسات المتراكمة منذ عام 2021 أسهمت في تقليص مساحة الحقوق والحريات المتاحة للنساء والفتيات بشكل منهجي، معتبرة أن أي تشريع جديد يحد من قدرة المرأة على اتخاذ قراراتها الأسرية يعمق من أزمة التمييز القائم.
من جانبها، اعتبرت بعثة الأمم المتحدة أن القانون يقوض استقلالية النساء في أفغانستان ويحد من إمكانية وصولهن إلى العدالة، مؤكدة أن المساواة أمام القانون تمثل أحد المبادئ الأساسية التي ينبغي احترامها في أي نظام قانوني حديث.
القانون الدولي على المحك
وأشار مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إلى أن الحق في الزواج لا يكتمل إلا بوجود موافقة حرة وكاملة من الطرفين، وهو مبدأ كرسته المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في حين تحظر اتفاقية حقوق الطفل الممارسات التي تعرض الأطفال للزواج القسري أو المبكر، وفي السياق قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن القيود القانونية التي تحد من قدرة النساء على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن الزواج أو إنهائه تتعارض مع مبادئ المساواة وعدم التمييز المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، محذرة من أن مثل هذه الإجراءات قد تزيد من هشاشة النساء والفتيات المعرضات للزواج القسري أو المبكر. “كما شهد عام 2025 تصاعد الدعوات الدولية إلى التعامل مع السياسات المفروضة على النساء في أفغانستان باعتبارها شكلاً من أشكال الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي. وفي يوليو 2025 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق قيادات بارزة في طالبان على خلفية اتهامات تتعلق بالاضطهاد الممنهج للنساء والفتيات، في خطوة اعتبرتها منظمات حقوقية مؤشراً على تنامي الاهتمام الدولي بمسألة المساءلة.
ولا ينظر كثير من المراقبين إلى قانون الطلاق الجديد باعتباره إجراءً معزولاً، بل بوصفه جزءاً من منظومة أوسع تشمل القيود على التعليم والعمل والتنقل والمشاركة العامة، وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء الأفغانيات لم يعدن يواجهن قيوداً في مجال واحد فقط، بل شبكة مترابطة من الإجراءات التي تؤثر في مختلف جوانب حياتهن اليومية، كما أظهرت دراسة حديثة للهيئة أن 92 في المئة من الأفغان يؤيدون تعليم الفتيات في المرحلة الثانوية، ما يعكس فجوة واضحة بين السياسات القائمة وتطلعات قطاعات واسعة من المجتمع.
مستقبل غامض
ومع استمرار الأزمة الإنسانية والاقتصادية في أفغانستان، تخشى المنظمات الحقوقية وعلى رأسها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية من أن يؤدي ترسيخ هذه التشريعات إلى خلق جيل كامل من النساء والفتيات المحرومات من التعليم والاستقلال الاقتصادي والحماية القانونية، وبينما تؤكد طالبان أن قوانينها تستند إلى تفسيرها للشريعة الإسلامية، تواصل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان التحذير من أن السياسات الحالية تقوض الحقوق الأساسية للنساء وتحد من فرصهن في تقرير مصيرهن.
وفي ظل غياب مؤشرات على تراجع القيود المفروضة منذ عام 2021، يبقى قانون الطلاق الجديد أحدث فصل في أزمة ممتدة، لا تتعلق فقط بحق المرأة في إنهاء زواج غير مرغوب فيه، بل بحقها في الاختيار والتعليم والعمل والمشاركة الكاملة في المجتمع، وهي الحقوق التي ترى المنظمات الدولية أنها تشكل أساس أي مجتمع قادر على تحقيق الاستقرار والتنمية والعدالة.

